الكونتيسة "عيشة قنديشة"
وقف إلياس ينظر الي تلك الصورة المطبوعة بذلك الكتيب الصغير بيده... دليله لما يود رؤيته بزيارته الثانية للمغرب العربي والأن يخطو اول خطواته بتطوان... ينظر بتمعن الى تلك المياه المتدفقة في شلال أشور ومظهره الذي يخطف الأنظار... عشقه من مجرد صور فما باله بمظهره الحقيقي....
يمر بنظره الى الصفحة المقابلة ليجد صورة لتلك البيوت الصغيرة بلونها الأبيض متراصة بجانب ساحل تطوان ليرتفع احدى جانبي شفتيه الحادة في بسمة صغيرة بينما يرفع عينيه يدقق بتلك اللوحة السوداء المعلقة بالمطار تعلن عن موعد رحلته النهائي بعد انتظار دام لساعات طويلة بينما يصدح صوت امرأة تعلن عن وجوب تحرك الركاب الى البوابة المذكورة للاستعداد لركوب الطائرة المتوجه الى الدار البيضاء بالمغرب....
تمر الدقائق ليستقر إلياس بمقعده بالطائرة بينما ينظر الى المضيفة تمر بهدوء ورشاقة بين المقاعد ترشد الركاب الى كيفية ربط احزمة الامان... وبعد عدة دقائق ومثل كل مرة سافر بها يلقي نظره اخيرة على تلك السحب التي تخترقها طائرته من خلال تلك النافذة الصغيرة حيث دائما ما يختار ذلك المقعد بجانب النافذة ثم يرتدي تلك السماعات الصغيرة ليستمع الى تلك الموسيقى الهادئة بينما يغمض عينيه ليسافر بعالم اخر مليء بصور خاطفه لتلك الجراحات الناجحة التي مر بها خلال تلك الاشهر المنصرمة...
وبعد عدد من الساعات هبطت الطائرة بنجاح بأرض المغرب ليفيق إلياس على صوت تصفيق الركاب لربان الطائرة ... مر الوقت بطيئا الى ان أنهي تلك الاجراءات الروتينية المعتادة ثم وقف ينتظر تلك العربة التي ستقله الى الفندق الذي قد قام بالحجز به مسبقا…
كم كانت مثيرة الطرق التي سارت بها العربة لتستقر اخيرا اما الفندق… وبعد قليل من الوقت كان يجلس الياس بغرفته… فتح تلك النافذه الكبيرة بغرفته ليستنشق رائحة البحر التي تشرح صدره و تبعث البهجه بروحه
امسك الياس مجددا تلك المجلة الصغيرة التي تشرح بعضا من الاماكن السياحيه الهامه بتطوان لينظر مجددا الى ذلك الشلال وقد عزم امره على ان يكون اول مكان يزوره اليوم..
استقل الياس احد الحافلات المتوجهه الى ذلك المكان المنشود.. و بعد قليل من الوقت كان يقف باجمل مكان رأته عيناه… شلال أشور…
ابتسم ثغره وقد اسبل جفنيه وهو يستنشق الهواء بهدوء وسكينه… نظر الى تلك المجموعة بجانبه يتراصون حول ذلك المرشد الذي يحكي لهم الاساطير ويبث بداخلهم الاثاره بتلك الروايات الخرافية...
جلس الياس على تلك الصخرة الصغيرة يتأمل المياه تسقط بحرية من اعلى الشلال بينما تتلاعب تلك الأنغام الصادرة من هاتفه بروحه لتسترخي كل عضلة في جسده...
أغمض عينيه وقد طاف بعالم اخر مليء بالسلام الداخلي...لكن... انه مراقب الآن...يشعر بذلك التحديق بشدة... لقد تلاشى ذلك السلام بالتأكيد فقد اقتحم أحدهم خلوته... قطب وجهه قليلا وقد انطلق صوت متذمر اعتراضي من حنجرته ليفتح عينيه ينظر من هذا المتطفل بجانبه... لا أحد... لم يكن هناك أحد بجانبه لكن لازال ذلك الشعور مستمر... متأكد هو من ان هناك أحد ما يراقبه...
يلقبونه بالمتوحد المنطوي فهو غالبا ما يكون بعالم منعزل خاص به لذا يسهل استشعار وجود شخص ما حوله... كان دائما ما يتسرب اليه هذا الاحساس عندما كان يراقبه أحد الأساتذة خلال جراحاته... هو محط اهتمام أحدهم الان لكن من هو او اين هو؟ لا يرى... لكن مهلا هناك شيء يلمع خلف تلك ال مياه المتساقطة... ضاقت حدقتيه في محاوله لتدقيق النظر بتلك البقعة السوداء خلفت تلك المياه المتساقطة ليحد زجا من العيون اللامعة تنظر اليه... أزال تلك السماعات الصغيرة من اذنيه وهو يستقيم بينما يصيح متسائلا..
- من انت؟
- عائشة...
انتفضت جسده شده حينما سمع هذا الهمس بالقرب من اذنه... همس بسيط باسم (عائشة)... نظر يمينا ويسارا وهو يترنح يكاد يقع من اعلى الصخور... بعد عدة ثوان من الالتفات والخوف صاح مجددا لكن الان بخوف ممتزج بكثير من الغضب قال
- من؟ من انتِ؟ ما هذا المزاح من هنا؟
ومجددا عند ذلك الشلال حيث تتساقط المياه بحريه تامه سمع صدى صوت ضحكات ... لا ليست بالضحكات الشريرة الخبيثة... انها ضحكات رائقه تطلق بغنج ونعومه... نظر مجددا الى تلك البقعة السوداء خلف المياه يحاول ان يدقق النظر بمصدر تلك الضحكات...
لا يعلم كيف زلت قدمه بتلك اللحظة ليكون راقدا أسفل مياه تلك البحيرة الصغيرة ... أغمض عينيه بشده حينما ارتطم رأسه ببعض الصخور المتناثرة بقاع البحيرة الصغيرة وحينما فتح عينيه رآها... هل هي حورية تختبئ هنا في ذلك المكان الساحر؟ ام انها جنيه تظهر للآثمين؟ هل هي تلك الجنيه التي طالما حذره مرشده السياحي من ظهورها؟ هل هي عيشه قنديشه؟ لكنها ليست بالكائن المريع القبيح... انها جميله بل في غاية الجمال... يا لها مني عيون لامعه ساحره.. كيف لامرأه ان تحمل مثل هاذين العينين الواسعتين؟ بؤبؤي عينيها كبيرة تضفي براءه مثل براءة الأطفال... وجه بيضاوي و ملامح غايه بالرقة... لكنه بدأت رؤيته تتسرب من عينيه بينما ينغلق جفناه في استسلام تام...
يشعر وكأن هنالك اثقالا فوق جفنيه.. لا يستطيع فتح عيونه شعر ببضع صفعات على وجنته وقد قطب جبينه بشده جراء ذلك الالم الذي يفتك براسه…
و اخيرا رفرف جفنيه وقد استطاع التغلب على تلك الاثقال وفتح عيونه ليجد ذلك المرشد الذي كان يجثو بجانبه وقد ابتلت ملابسهما بينما ارتسم الذعر على وجه المرشد لكن قد لانت ملامحه قليلا عندما لاحظ ارتعاشه جفنه و اخذ يردد عبارات الحمد و الشكر لله …
- ماذا حدث؟
جملة صغيرة نطق بها الياس بصون واهن وهو يحاول تكوين صوره واضحه لكن مجددا سمع ذلك الهمس… ذلك الهمس الضغيف باسمه بصوتها… من هي؟ ما هذا الصوت؟ دارت عينيه بكل مكان لتترجم افكاره في سؤال اخر
- من انتِ؟
ارتجف جفني لمرشد وهو ينظر له بتوجس و يساله
- مع من تتحدث؟
نظر له الياس بملامح ممتعضه من ذلك الالم الذي يفتك براسه بينما تمتد له يده كي يساعده على النهوض وهو يقول له
- لا اعلم هنالك سيدة ما تناديني باسمي لا اعلم من هي
نظر الياس حوله يتبين من هي تلك السيدة لكن لا احد سواه هو و ذلك المرشد… نظر مجددا الى ذلك المرشد بينما كانت نظرات المرشد جامدة ما كاد يفتح فمه ليقول شئ حتى عاجله المرشد بذلك التحذير
- لا تسال لا تبحث فقط انجو بنفسك… لا تأتي الى هنا مرة اخرى ابدا… لقد رأت واختارتك لذا فقط اهرب
ظل الياس يحدق به بلا فهم.. رفرف جفنيه قليلا بينما ارتفع حاجبيه ثم قال
- ماذا؟ من؟ من التي قامت باختياري؟
- قلت لك لا تسال ولا تبحث فقط اهرب … هيا قم ولا تلتفت ورائك لثانيه لقد اغلق المزار الان وكما ترى لقد رحل الجميع حان وقت عودتك ولا تات هنا مرة اخرى هذا لمصلحتك
لا يعلم ماذا يجب ان يفعل هل يجب ان يثور لذلك الاسلوب الفظ ام يكتفي بالرحيل مع ذلك الجرح و الالم برأسه… امسك الياس بحقيبته الصغيره ورحل بهدوء لكن اسوقفه همسها مجددا… اسمه يطلق بذلك الغنج المصاحب بضحكات رقيقة رفرفت اهدابه وهو ينوي انه لكن يكتفي ذلك القدر…
لا يعلم كم فات من الساعات حتي جلس بغرفته وقد استرخى قليلا لكن تلك الهمسات لا تنفك تلعب على اوتار قلبه… الفضول يتقتله حقا لمعرفة ما هذا؟ اهو نوع من الخدع السمعيه لتعزيز الاساطير من اجل السياحه ام ماذا؟
تأفف الياس من تلك الافكار و قرر الا يدع فضوله يقوم بتعذيبه اكثر لذا و بمنتصف الليل جهز رحاله وقد استقل تلك الحافله مرة اخرى و وقف امام بوابه المزار مرة اخرى… لا يعلم كيف سيدخل وقد تم اغلاق المكان لكن لابد من وجود طريقه ما خاصه وان الحراسة ليست بالمشددة…
نظر الى ذلك السور الصغير المحيط بالشلال و قد قرر تسلقه فلا بد من اكتشاف ما يجري هنا… و بالفعل قام بالدخول بهدوء دون ان يلاحظ احد ووقف مجددا امام الشلال… بنفس البقعه يتنظر ان يحدث امرا ما… نظر يمينا ويسارا لكن لا يرى شئ بذلك الظلام المحدق… اخرج هاتفه و اناره عله يرى شئ وقد همس بهدوء
- من انت؟
- انها انا
ذلك الهمس خلف اذنه مباشره جعله يلتفت بسرعه ليراها مجددا… تلك العيون الواسعه… ذلك البؤبؤ شديد السواد الذي لم يدم النظر له عدة ثوان حتى غاب عن الوعي مجددا…
يشعر كمن يسحب بدوامه ما… لا يستطيع ان يتحرك حتي انه لا يستطيع ان يفتح عيونه بسهوله… و بعد محاولات شتى فتح عيونه ليبصر مكان غير مألوف… لا بل مكان وزمان… ينظر الى تلك الشمس التي تتوسط السماء وقد انتقل نظره الى تلك الفتاه تسير كالاسرى .. تجر اذيال الخسارة هي ومعها مجموعه من النساء و الرجال في صحراء .. .حاول ان يستوقف احدهم لكن لا احد يقف مهلا بل لا احد يراه او يسمعه… صرخ وصرخ فلم يسمع او ينتبه له احد… وقف قليلا يحاول فهم ما يحدث؟ هل هذا محض حلم؟
زادت وتيره تنفسه جراء اضطرابه لكن توقف تنفسه عند شهيقه حينما رآى عينيها... اجل انها تلك العيون السوداء انها هي… تبعها يحاول ان يلفت انتباهها لكنها كالاخرين لا تراه.. كيف لا تراه وهي من جاءت به الى هنا؟
ظل يتتبعها حتى سمع احدهم يقول
- صبرا جميلا يا عائشة .. سننتقم عاجلا ام اجلا لاجلنا ولاجل كل الموريسكيين الذين تم تهجيرهم من الاندلس.. سننتقم
اتسعت حدقتا الياس وهو يسأل نفسه مهلا؟ مورسكيون؟ أليس هؤلاء هم المسلمون و اليهود الذين كانوا يسكنوا غرناطة و بعد سقوط غرناطة والأندلس بيد البرتغال و الصليبيين تم نفيهم او قتلهم… يعني هذا انها كانت احدى المسلمات من الأندلس؟ لكن ما علاقة هذا بما انا فيه؟ ما هذا الحلم الغريب
لحظة واحدة هي لحظة واحدة فقط حتى تبدل الحال من نهار الى ليل حيث الشلال مرة اخرى لا يعلم كيف لكنه ايقن انه ليس بواقع انه مجرد حلم ما…
- ليس حلم انها حياتي
جملة سمعها بهمس مرة اخرى ليغرق بتلك الدوامات مرة اخرى ليفتح عيونه تلك المرة ينظر الى هذا العصر الغريب مرة اخرى .. رجال يرتدون من الملابس التي قد ماتت صحياتها منذ زمن و نساء محتشمان من رأسهن حتى اخمص اقدامهن … لا هي… اجل لقد رأها مرة اخرى لكن قد تبدل حالها الى حال اخرى حيث ترتدي من الاثواب الحريرية ما يلائم قدها الرشيق ومن الالوان الزاهية ما يظهر جمال عيونها … استوقفه صوت احد المارة وهو يقول لها
- عمت صباحا يا كونتيسة عيشة
كونتيسة؟ ايعني ذلك انها اميرة؟ دقق النظر الى ذلك المتحدث ليراه بزي عسكري قديم وقد تدلى سيفه من خصره… نظر مجددا الى الكونتيسة ليسمعها تقول بغنج ونظرات لعوب ذات مغزى
- تقصد عمت مساءا ايها القائد… انتظرتك كثيرا ليلة امسح لكنك لم تحضر
ابتسم ذلك القائد وهو يقول
- للاسف كان لدي بعض الامور الهامه لكن هذا لا يعني انني لن اتي اليوم… الليلة...
ابتسمت الكونتيسة و قد لمعت عيونها ثم اقتربت منه قليلا وهي تقول
- لكن سيتم تغيير المكان…
- حقا؟ اذا اين ومتي؟
نظرت الى عيونه تبثه ذلك النظرات المثيره التي تسلب الب خاصتها وهي تقول
- منتصف الليل عند البحيرة.. لا تتاخر.. سانتظرك
قالت جملتها ثم انحنت انحناءه صغيرة و ولت مدبرة…
شعر الياس بكثير من الضيق لذلك المشهد.. كيف لاميرة تتصرف بمثل تلك الطريقة بل كيف هي اميرة وكانت اسيرة مطروده من الاندلس ايعقل انها كانت اميرة بالاندلس ولجأت لبلد اخرى؟ اتسعت عينيه وقد اين تلك الحقيقه المؤلمة فيالها من بائسه تبدل معها الحال من اميرة الى اسيرة … الى غانية…
و مجددا تم سحبه الى الشلال مرة اخرى حيث ظلام الليل و حينها سمعها مجددا تقول ولكن بنبرة غاضبه
- لست بغانية… فأنا اميرة… لست غانية خاطئة..
ترنح قليلا الياس قبل ان يقول
- اعتذر انا فقط لا اعلم من انت حتى الان احاول معرفة من انت
و على حين غرة رأها مرة اخرة عند بحيرة ما.. تحتضن ذلك القائد الذي يهيم بقبلاتها غافلا نصل ذلك السكين بيدها … التفت عنها و هنا كانت الحظة القاضية حيث نحرت رقبته بدم بارد .. نظرت له الكونتيسة عيشة وهي تقول
- لن اتوانى عن قتلكم ايها البرتغاليون كما قتلتم عائلتي وشردتهم اهل بلادي وفرقتم شملنا واهنتمونا… سانتقم منكم جميعا...
كانت تحثه بوحشيه تنافي مظهرها الجميل … اذا انها ليست غانيه… انها اميرة اندلسية تنتقم لاجل شرفها ولاجل كل ما عانته و لاجل كل من فقدتهم على يد الصليبيين …
و مجددا عاد لوعيه عند شلال اشور ليجدها تقف امامه على المياه… تلك هي الكونتيسة عيشة التي رأها ام بمعني ادق التي اخته هي في جوله سرعه الى ذكراتها التي عاشتها منذ قرون…
فتح الياس فمه ليقول
- انت هي الكونتيسة عيشة...
ابتسمت الكونتيسه عيشة و هي تشير اليه ليقترب اليها في المياه… و بكل ارادته و جوارحه تحرك الياس اليها لكن تبخر كل شئ حين انطلقت صافرة الحارس وقد صرخ الحارس الاخر به يقول
- انت.. من انت؟ كيف دخلت الى هنا؟ توقف عندك
اقترب الحراس اليه باخر لحظه مانعين اياه من ان يلقي نفسه في المياه… همس الياس بكثير من الشرود و التيه قائلا
- انا فقط اريد مقابلتها… انها الكونتيسه انا فقط اردت مقابلتها هي من دعتني الى هنا
نظر الحارس اليه بذهول ثم نظر الى الاخر الذي ينظر برعب يمينا ويسارا ثم قال
- اتعلم عمن يتحدث هذا؟
ابتلع الحارس الاخر لعابه بقلق وهو يقول
- اجل.. انه يتحدث عنها… عيشه قنديشه… لقد دعته وتريده...
نظر الحارسان اليه ثم قال احدهم الى الياس
- انها جنيه قاتله لا تستمع اليها قف وتعال معنا انها ستنهي حياتك ستاخذك لمكان لا رجعة منه
نظر له الياس ثم قال
- لا انها اميرة… انها الكونتيسة عيشة… ليست بجنيه وليست بغانيه… انها فقط تنتقم ممن قاموا باذيتها… انها الكونتيسة عيشة…
تمت بحمد الله
