بوق آمون
«سيضرب الموت بجناحيه السامين كل من يُعكر صفو الملك»
كان يوم الجمعة هو أعظم أيام الأسبوع بلا منازع، اربع وعشرون ساعة من الراحة فقط، لا عمل، لا منبهات، لا إزعاج على الإطلاق، كان الهدوء يعم أرجاء العالم بأسره من حولي عندما كنت أمسك كوب الشاي الأخضر وأجلس على الأريكة أتجول بين قنوات التلفاز بلا اكتراث وافكر ماذا لو كانت أيام الأسبوع كلها جمعة؟ لم أكن لأتحرك من أريكتي مطلقًا، لكان العالم نسى ملامح وجهي من فرط.. قطع تفكيري صوت أعرفه جيدًا نظرت للتلفاز ووجدته أمامي ينطق جملته الشهيرة بعدما سأله مساعده الذي كان يقف خلفه يحمل بيده شمعة يمررها من خلال فتحة صغيرة "هل بامكانك أن ترى أيّ شيء؟" ف يرد عليه هوارد كارتر "نعم، إني أرى أشياءًا رائعة"
أبتسم ببلاهة كما أفعل في كل مرة أشاهد فيها هذا المشهد العظيم وأرفع صوت التلفاز إلى أقصى درجة ليصدح صوت المذيعة ذات الصوت الأنثوي ويدوي في جميع أنحاء المنزل "كان هوارد كارتر عالم المصريات الشهير أول إنسان تطأ قدمه أرض الغرفة التي تحوي تابوت توت عنخ آمون منذ أكثر من 3000 سنة، وقد أحدث هذا الاكتشاف ضجة إعلامية واسعة النطاق في العالم، نظراً للتوصل إلى مومياء الفرعون الصغير كاملة المحتويات وبكامل زينتها من قلائد وخواتم والتاج والعصي وكلها من الذهب الخالص والأبنوس.
من ضمن مقتنيات الفرعون الذهبي والذي يحيط حوله الكثير من الألغاز الغامضة كان البوق" تنهدت بانزعاج مُدركًا كيف سيينتهي الأمر، أكملت المذيعة بنفس الحماس وكأنها تحكي قصة السندريلا والوحش لمجموعة من الأطفال دون العاشرة "كان البوق يستخدم في مصر القديمة كآلة موسيقية عسكرية تعلن قيام وشن الحروب، أما بوق الملك توت عنخ آمون المثير فكان يبلغ طوله حوالى 50 سم، وفوهته كانت أسطوانية الشكل بحلقة فضية عند النهاية الخارجية ومثبتة فى أنبوب، وعلى الوجه الخارجى لطرف البوق المتسع، والذى يشبه الجرس، منظر يصور الملك توت عنخ آمون مرتديًا التاج الأزرق _التاج المفضل لأسرته_، ويمسك بالصولجان المعقوف ويقف أمام تمثال لرب الفنانين والصناع الإله الشهير بتاح فى هيئة مومياء.
في عام 1914 زار أحد علماء الفرنسيين المتحف المصري ونفخ في بوق آمون بغرض التجربة وقد فوجئ الجميع من دوى الصوت الذي صدر منه والمفاجأة الكبرى حدثت بعد ساعات قليلة وكانت قيام الحرب العالمية الأولى وما عقب البلاد من دمار، بعد مرور خمس وعشرون عامًا حاولت هيئة الإذاعة البريطانية تسجيل صوت البوق على الهواء مباشرةً بالمشاركة مع مصلحة الآثار المصرية وقبل البدء بالعزف بخمس دقائق انقطعت الكهرباء وانطفأت الاضواء مما دب الرعب في قلوب كل الموجودين لتسجيل هذا الحدث العظيم ثم استطاعوا العزف لمدة خمس دقائق متواصلة لم يعقبها إلا انكسار البوق واندلاع الحرب العالمية الثانية بعد البرنامج ب اشهر، تلك الحرب بكل أحداثها المريعة.
لم يكن الجميع على قناعةً تامة بإرتباط النفخ في البوق بوقوع الحروب والكوارث وكان البعض يعتبرها خرافة من ضمن هؤلاء كان أحد أمناء المتحف المصري الذي قام بالنفخ في البوق في عام 1967 منكرًا فكرة لعنة آمون التي انطلقت في هذه الآونة وكان الأمر ليمر مرور الكرام لولا قيام حرب 1967 بين العرب وإسرائيل والتي انتهت نهاية مأساوية بهزيمة العرب واحتلال الكثير من اراضيها، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد حيث قام أثري مصري كنوع من الدعابة بالنفخ في البوق وما لبث أن قامت حرب الخليج الثانية بين العراق والكويت واُختتمت تلك السلسلة من الأحداث الدموية بنفخ أحد الأثريين في البوق عام 2011 مما أدى إلى اندلاع ثورة الخامس والعشرين من يناير.
كل تلك الأحداث كان من شأنها ترسيخ معتقد أن النفخ في البوق معناه قيام الحرب أو حدوث كارثة كبرى مما دفع الدولة لتشديد الحراسة على البوق ومنع ايًا كان من الاقتراب منه و..قاطع صوت المذيعة الرقيق نغمة هاتفي المزعجة مما جعلني ألعن المُتصل قبل أن أراه وعندما رأيته لعنته مرة أخرى، كان المحقق يعقوب، اضطررت للرد وقد وصلني صوته وهو يكرر نفس العبارة "أستاذ سيف، بوق آمون اختفى من المتحف، بوق آمون اختفى، لقد اختفى"
كانت مجرد كلمات بسيطة لكنها حملت بين طياتها الكثير من الدماء والأرواح المزهقة، شعرت بالخوف يتسلل إلى أعماقي. ماذا يمكن ان يحدث اسوء من هذا؟ هل هي نهاية العالم الذي طالما تحدثت عنها الافلام الإنجليزية؟
استعدت قوايا بصعوبة بالغة وارتديت معطفي الأسود، أُسميه معطف الطوارئ يجعلني أظهر كصورة محدثة ل ويل سميث، يا الهي كم اعشق هذا الرجل بكل ما يحمل من صفات، إنه ذاك الرجل الذي.. وبخت نفسي، فيما افكر أنا الآن! العالم سيحترق بعد أيام معدودة، أو ربما دقائق.
هرعت إلى المتحف حيث وجدت يعقوب يقف وسط مجموعة من محققي الشرطة لا يوازيهم في الطول إطلاقا، كان الاقصر والاسمن من بينهم. عندما لاحظ قدومي تقدم وسألني بمنتهى الجدية "جاوبني بكل صراحة، هل هناك فتاة في حياتك يا استاذ سيف؟" ارتبكت قليلا وبدا لي صوتي ثابتًا بينما كانت جميع مخارج الحروف مغلقة تمامًا وانا أخبره "عن ماذا تتحدث يا رجل، أيّ فتاة؟" ضحك يعقوب بشدة، كل مرة يتحدث معي بطريقة المحققين هذه انخدع واظنه يتحدث بجدية بينما يكون يمزح كالعادة، ضرب على كتفي ضربة آلمتني بشدة لكن لم اشأ اظهار ذلك على ملامح وجهي، لطالما كنت أود الظهور بمظهر القوي أمامه، لا أدري السبب لكن ربما لأني بالفعل ضعيف!
ابتسمت عندما أشاد بجاذبية مظهري، عززت كلماته ثقتي بذاتي، يالسذاجني! كيف يمكن لكلمة، أن تحملني إلى السماء السابعة وأخرى تقذفني من هناك!
عندما لاحظ يعقوب شرودي تنحنح قائلًا "أين ذهبت يا صديقي، لست وسيمًا لهذه الدرجة" ضحكت كثيرًا على إثر كلماته الأخيرة وضحك هو الآخر معي وما لبث أن انتقلت ملامح وجهه إلى الجدية المطلقة عندما تذكر الظرف الاصفر، وهتف في وجهي "الظرف، لقد نسيت اخبارك!" كدت أصاب بذبحة صدرية أثر صوته المرتفع،
سلمني يعقوب الظرف بنظرة تخفي اكثر مما تُظهر بكثير، فتحته بخوف وعيناي ترتجفان، هل سينفجر المتحف فوق رؤوسنا الآن؟ لا أستحق الموت هكذا.
كان الظرف يحمل ورقة صغيرة مطوية مطبوع عليها عبارة "سأُذيقكم الجحيم"
تمنيت لو أنها كانت الكاميرا الخفية لتخرج فتاة مدللة من أيّ مكان الآن ويصفقوا جميعًا بحرارة واتظاهر أنا بالخجل والصدمة ويعطوني بعض الملايين واعود إلى منزلي التي ستكون اخر مرة اعود إليه لأني على الأغلب سأهاجر خارج البلاد، ضربني هذا اليعقوب على كتفي ضربة أخرى كانت أقوى لكني استحققتها، أحتاج أن اضغط على زر إيقاف أبدي لهذا العقل.
نظرت له نظرة خوف وسألته "ماذا سنفعل الآن، النفخ في هذا البوق يعني احتمالية قيام الحرب العالمية الثالثة، هل تدرك خطورة الوضع؟" نظر لي يعقوب نظرة محققين "اعتقد أنك عالم آثار إن لم تخونني ذاكرتي، ألا يمكن إيقاف ذلك السحر؟"
كانت تلك اللحظة الوحيدة التي لعنت فيها ذاكرتي الضعيفة، لطالما كنت اعلم كل شيء عن كل ما يخص الآثار والسحر واللعنات، كنت مغرمًا بالفرعون توت عنخ آمون وكل ما يتعلق به، الآن، إن سألني أحدهم من هو والد الفرعون لن اتذكر. شعر بي يعقوب ف همس في أذني,"لا أعتقد أنه مكان مناسب للتركيز، دعنا نمر على منزلك نحتسي الشاي ونبحث في كتبك التي لا تنتهي لعلنا نجد فيها ما يفيد" لمعت الفكرة في عقلي، نعم، إنه على حق، يجب أن أذهب إلى المنزل وفورًا كنا في السيارة على الطريق المؤدي إلى منزلي.
"بالتأكيد هناك حل، بالتأكيد"
ظللت ارددها حتى وصلنا، اول خطوات الوصول إلى هدفك الايمان به وكنت مؤمن إني سأجد الحل وسأكون أول عالم أثري ينقذ العالم من ظلام لن يرحم أحد، أنا من سيذيقك الجحيم يا هذا، إنه لا يعلم مع من يعبث أنا عالم الآثار سيف الدين علام، ابتسمت إبتسامة عريضة قطعها يعقوب "حسنًا يا سوبر مان، عن ماذا نبحث الآن" نظرت له بتهكم، لم اعتد وجود اصوات بشرية في شقتي فكان الأمر مريب بشكل مبالغ فيه، يجب أن اتأقلم على هذا الصوت بضعة ساعات، أخبرت نفسي بهذا كي لا اعامله بفظاظة مرة أخرى، مهما كان يعقوب ضيفي.
أخبرته أن يبحث عن كل ما يخص الفرعون الصغير، بدأنا بالبحث وبعد مرور أكثر من نصف ساعة من وجدته، صرخت كطفل وجد لعبته بعد عناء بحث طويل، نظر لي يعقوب بتعجب وأقترب مني ليظهر أمامه أعظم كتب التاريخ على الإطلاق " عن مصر القديمة "
جلست على أول مقعد وجدته أمامي ويعقوب بجواري صامت تماما، امسكت الكتاب برفق وبدأت اتصفح محتوياته، الكثير من الألغاز الغامضة وراء البوق، الكثير من الحوادث المأساوية، كل هذا كان كفيل أن يرفع الضغط في دمي لكني تماسكت، تكون أو لا تكون يا سيف الدين، تكون او لا تكون.
بعد قراءتي الدقيقة لكل حرف في الكتاب علمت أن بعض علماء المصريات المشهورين كانوا على يقينٍ تام أنه مادامت هناك لعنة ف دائمًا ما يكون هناك ما يمنعها، وقد ظهرت على جدارن مقبرة توت عنخ آمون صورة كان يظهر بها الملك حاملاً بيده اليمنى البوق واليسرى كان يحمل بها بردية.
بصيص من الأمل ظهر أمامي وجال في خاطريي أننا سنذهب للعثور على البردية ونجدها وينتهى الأمر لكن ليت الأمر بتلك السهولة، ذُكر في الكتاب أن تلك البردية مفقودة منذ آلاف السنين ولم يُعثر عليها مطلقًا وإلا ما كانت تلك الحروب قامت من الأساس، امتقع وجهي، أيكون الحل أمامي ولا استطيع الظفر به؟
نظر لي يعقوب تلك النظرة التي لطالما تمنيت ألا أراها، كنت ذلك الطفل الذي يجلس في نهاية الصف كي لا يضطر إلى الحديث مع آخرين كي لا يرى تلك النظرة، نعم، كنت الشاب الذي تعبر بجواره الفتيات وكأنه غبار، لا شيء، لطالما كنت لا شيء، دائمًا ما تتلون نظراتهم بالشفقة والسخرية واللابأس، أهنالك بأسًا أكثر من هذا بحقك؟
ربت يعقوب على كتفي في طريقه للخارج بعدما فقد الأمل في أن أتكلم، استوقفته على الباب "دعنا نموت ونحن نحاول" نظر لي يعقوب نظرة فخر حمستني بشدة ف انطلقت إلى الداخل احضر حقيبة ظهري التي لا أستخدمها إطلاقا وأحضر بعض المعدات سألني يعقوب بقلق "إلى أين؟" نظرت له بثقة "إن اضطررنا للإلتفات حول المحروسة بأكملها من أجل العثور على البردية، سنفعل" وانطلقنا إلى الأقصر مباشرةً.
كان الحماس الشعور الطاغي على كل خلايا جسدي، لم أكن خائف، لا بأس من الموت في نهاية العشرينات، ماذا انتظر من الأساس؟ لا شيء. أخبرت يعقوب الذي ترك لي مقود السيارة كي ينام أننا سنبدأ أولاً بمعبد الدير البحري ومنه إلى معبد الأقصر وإذا لم يحالفنا الحظ فيهما بالتأكيد سيحالفنا في KV 62، مقبرة الفرعون الصغير توت عنخ آمون والتي تقع بوادي الملوك على ضفة نهر النيل الغربية.
"بالتأكيد هناك حل، بالتأكيد"
كان الطريق شاقًا وطويل، ثمانية ساعات من القيادة والتفكير المستمر، كان الأمر غاية في الإرهاق، لم اعتد السفر يومًا، ولم أعتده أبدًا وبرفقتي يعقوب كهذا أو أيّ إنسان، في النهاية وصلنا، أنا أحب النهايات مهما كانت سيئة على الأقل إنها نهاية، أحب أن أجلس مطمئنًا أن الأمر انتهى سواء كان خيرًا أم شر، الأهم أنه انتهى، لو كنا مجرد نهايات ما كان العالم ليشعر بالاضطراب يومًا. أيقظت يعقوب بعد بضعة محاولات فاشلة فتح عيناه بتثاقل، "أمامنا الكثير من العمل، من الأفضل أن تنهض الآن" كنت أشعر أنه لا يعلم من أنا من كثرة النظرات المريبة التي كان يصوبها نحوي، اتجهنا مباشرة إلى معبد الدير البحري، كانت توقعاتي مرتفعة كثيرا بشأن هذا المعبد من كثرة ما يقال عنه أنه يحمل داخله الكثير من المفقودات لكن للأسف ما حدث امسكني أنا وتوقعاتي وضرب بنا عرض الحائط ولم نجد شيئًا مما نبحث عنه أو حتى ما يدلنا عنه، خرجنا من المعبد ونحن نجر ورائنا خيباتنا، حاول يعقوب أن يجدد الأمل داخلي من عبارات إيجابية تحفيزية لكنه فشل.
كان اليأس أكثر ما لا استطيع مواجهته في حياتي.
توجهنا إلى معبد الأقصر ونحن فاقدي الحماس والشغف، خائري القوة، يسيطر اليأس على كل مشاعرنا. شاء القدر منحي فرصة ذهبية للعثور على ضالتي والوصول إلى هدفي، في مصادفة قدرية لم تحدث لي أبدًا وجدت جدارية بعد عناء من فك شفراتها ومحاولة ترجمتها تأكدت أن البردية التي يمكنها أن تأخذ بيد العالم من الظلام إلى النور موجودة في مقبرة توت عنخ آمون، هرعنا أنا والمحقق يعقوب إلى هناك فورًا لتصعقنا شروط البردية في إبطال مفعول اللعنة. كنت أعلم إني سيء الحظ، لطالما كنت اتعثر في كل خطوات حياتي وتذهب كل احلامي ادراج الرياح، كنت اعلم وكنت قد بدأت اعتاد الأمر، لا بأس ما دام الشاي واريكتي على قيد الحياة، لكن الأمر الآن يرتبط بالعالم، يرتبط بملايين وليس بشخص بلا قيمة مثلي، لما لا يتركني حظي العاثر ولو مرة؟
في وسط أفكاري المتخبطة صرخ يعقوب ب أذني وهو يشير إلى إحدى اجزاء البردية "سيف، هل رأيت هذا؟" نظرت حيثما أشار، كانت الكاتب بالهيروغليفية المعقدة وقد استغرق مني ترجمتها الكثير لكني استطعت أن اتوصل إلى أن الأسطورة تقول أن كاهن الفرعون كان يُدعى "حورمحب" وهو من قام بإطلاق اللعنة على البوق قبل وفاة الفرعون ب شهور قليلة، لطالما كان عدو الإنسان الوحيد هو الإنسان نفسه، قد اشترط حورمحب للتخلص من اللعنة في حين وقوع البوق في الأيادي الخاطئة قراءة نص البردية على أعلى نقطة في دير المدينة ليلة ميلاد آمون.
شردت للحظات شعرت فيها أن الكهرباء انقطعت عني، لا اسمع، لا ارى، لا أشعر! كانت المعلومات كثيرة لاستيعابها حقًًا، ميلاد آمون لم يتبقى عليه سوى بضعة ساعات، فكرت أن أعود إلى أريكتي واغفو بضعة ساعات وليحترق العالم لكن لا، لا يمكنني الاستسلام الآن بعدما قطعت كل تلك المسافة، سحبت يعقوب من ياقة قميصه بعنف مبالغ فيه وانطلقنا إلى دير المدينة، يجب أن نكون هناك قبل الثانية عشر.
كان يعقوب خائفًا، لأول مرة أراه هكذا، لا أدري لما يبذل البشريون كل هذه الطاقة في سبيل كتم مشاعرهم، لما لا يُظهِرون ذلك بكل بساطة؟
كنت في عالمٍ آخر من الإحتمالات السلبية والتخيلات لما قد يحدث حينما دقت الثانية عشر وأعلنت عقارب الساعة شموخها واهتزت المدينة بأسرها على إثر صوت بوق دوى في السماء ليعلن
لم يكن الجميع على قناعةً تامة بإرتباط النفخ في البوق بوقوع الحروب والكوارث وكان البعض يعتبرها خرافة من ضمن هؤلاء كان أحد أمناء المتحف المصري الذي قام بالنفخ في البوق في عام 1967 منكرًا فكرة لعنة آمون التي انطلقت في هذه الآونة وكان الأمر ليمر مرور الكرام لولا قيام حرب 1967 بين العرب وإسرائيل والتي انتهت نهاية مأساوية بهزيمة العرب واحتلال الكثير من اراضيها، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد حيث قام أثري مصري كنوع من الدعابة بالنفخ في البوق وما لبث أن قامت حرب الخليج الثانية بين العراق والكويت واُختتمت تلك السلسلة من الأحداث الدموية بنفخ أحد الأثريين في البوق عام 2011 مما أدى إلى اندلاع ثورة الخامس والعشرين من يناير.
كل تلك الأحداث كان من شأنها ترسيخ معتقد أن النفخ في البوق معناه قيام الحرب أو حدوث كارثة كبرى مما دفع الدولة لتشديد الحراسة على البوق ومنع ايًا كان من الاقتراب منه و..قاطع صوت المذيعة الرقيق نغمة هاتفي المزعجة مما جعلني ألعن المُتصل قبل أن أراه وعندما رأيته لعنته مرة أخرى، كان المحقق يعقوب، اضطررت للرد وقد وصلني صوته وهو يكرر نفس العبارة "أستاذ سيف، بوق آمون اختفى من المتحف، بوق آمون اختفى، لقد اختفى"
كانت مجرد كلمات بسيطة لكنها حملت بين طياتها الكثير من الدماء والأرواح المزهقة، شعرت بالخوف يتسلل إلى أعماقي. ماذا يمكن ان يحدث اسوء من هذا؟ هل هي نهاية العالم الذي طالما تحدثت عنها الافلام الإنجليزية؟
استعدت قوايا بصعوبة بالغة وارتديت معطفي الأسود، أُسميه معطف الطوارئ يجعلني أظهر كصورة محدثة ل ويل سميث، يا الهي كم اعشق هذا الرجل بكل ما يحمل من صفات، إنه ذاك الرجل الذي.. وبخت نفسي، فيما افكر أنا الآن! العالم سيحترق بعد أيام معدودة، أو ربما دقائق.
هرعت إلى المتحف حيث وجدت يعقوب يقف وسط مجموعة من محققي الشرطة لا يوازيهم في الطول إطلاقا، كان الاقصر والاسمن من بينهم. عندما لاحظ قدومي تقدم وسألني بمنتهى الجدية "جاوبني بكل صراحة، هل هناك فتاة في حياتك يا استاذ سيف؟" ارتبكت قليلا وبدا لي صوتي ثابتًا بينما كانت جميع مخارج الحروف مغلقة تمامًا وانا أخبره "عن ماذا تتحدث يا رجل، أيّ فتاة؟" ضحك يعقوب بشدة، كل مرة يتحدث معي بطريقة المحققين هذه انخدع واظنه يتحدث بجدية بينما يكون يمزح كالعادة، ضرب على كتفي ضربة آلمتني بشدة لكن لم اشأ اظهار ذلك على ملامح وجهي، لطالما كنت أود الظهور بمظهر القوي أمامه، لا أدري السبب لكن ربما لأني بالفعل ضعيف!
ابتسمت عندما أشاد بجاذبية مظهري، عززت كلماته ثقتي بذاتي، يالسذاجني! كيف يمكن لكلمة، أن تحملني إلى السماء السابعة وأخرى تقذفني من هناك!
عندما لاحظ يعقوب شرودي تنحنح قائلًا "أين ذهبت يا صديقي، لست وسيمًا لهذه الدرجة" ضحكت كثيرًا على إثر كلماته الأخيرة وضحك هو الآخر معي وما لبث أن انتقلت ملامح وجهه إلى الجدية المطلقة عندما تذكر الظرف الاصفر، وهتف في وجهي "الظرف، لقد نسيت اخبارك!" كدت أصاب بذبحة صدرية أثر صوته المرتفع،
سلمني يعقوب الظرف بنظرة تخفي اكثر مما تُظهر بكثير، فتحته بخوف وعيناي ترتجفان، هل سينفجر المتحف فوق رؤوسنا الآن؟ لا أستحق الموت هكذا.
كان الظرف يحمل ورقة صغيرة مطوية مطبوع عليها عبارة "سأُذيقكم الجحيم"
تمنيت لو أنها كانت الكاميرا الخفية لتخرج فتاة مدللة من أيّ مكان الآن ويصفقوا جميعًا بحرارة واتظاهر أنا بالخجل والصدمة ويعطوني بعض الملايين واعود إلى منزلي التي ستكون اخر مرة اعود إليه لأني على الأغلب سأهاجر خارج البلاد، ضربني هذا اليعقوب على كتفي ضربة أخرى كانت أقوى لكني استحققتها، أحتاج أن اضغط على زر إيقاف أبدي لهذا العقل.
نظرت له نظرة خوف وسألته "ماذا سنفعل الآن، النفخ في هذا البوق يعني احتمالية قيام الحرب العالمية الثالثة، هل تدرك خطورة الوضع؟" نظر لي يعقوب نظرة محققين "اعتقد أنك عالم آثار إن لم تخونني ذاكرتي، ألا يمكن إيقاف ذلك السحر؟"
كانت تلك اللحظة الوحيدة التي لعنت فيها ذاكرتي الضعيفة، لطالما كنت اعلم كل شيء عن كل ما يخص الآثار والسحر واللعنات، كنت مغرمًا بالفرعون توت عنخ آمون وكل ما يتعلق به، الآن، إن سألني أحدهم من هو والد الفرعون لن اتذكر. شعر بي يعقوب ف همس في أذني,"لا أعتقد أنه مكان مناسب للتركيز، دعنا نمر على منزلك نحتسي الشاي ونبحث في كتبك التي لا تنتهي لعلنا نجد فيها ما يفيد" لمعت الفكرة في عقلي، نعم، إنه على حق، يجب أن أذهب إلى المنزل وفورًا كنا في السيارة على الطريق المؤدي إلى منزلي.
"بالتأكيد هناك حل، بالتأكيد"
ظللت ارددها حتى وصلنا، اول خطوات الوصول إلى هدفك الايمان به وكنت مؤمن إني سأجد الحل وسأكون أول عالم أثري ينقذ العالم من ظلام لن يرحم أحد، أنا من سيذيقك الجحيم يا هذا، إنه لا يعلم مع من يعبث أنا عالم الآثار سيف الدين علام، ابتسمت إبتسامة عريضة قطعها يعقوب "حسنًا يا سوبر مان، عن ماذا نبحث الآن" نظرت له بتهكم، لم اعتد وجود اصوات بشرية في شقتي فكان الأمر مريب بشكل مبالغ فيه، يجب أن اتأقلم على هذا الصوت بضعة ساعات، أخبرت نفسي بهذا كي لا اعامله بفظاظة مرة أخرى، مهما كان يعقوب ضيفي.
أخبرته أن يبحث عن كل ما يخص الفرعون الصغير، بدأنا بالبحث وبعد مرور أكثر من نصف ساعة من وجدته، صرخت كطفل وجد لعبته بعد عناء بحث طويل، نظر لي يعقوب بتعجب وأقترب مني ليظهر أمامه أعظم كتب التاريخ على الإطلاق " عن مصر القديمة "
جلست على أول مقعد وجدته أمامي ويعقوب بجواري صامت تماما، امسكت الكتاب برفق وبدأت اتصفح محتوياته، الكثير من الألغاز الغامضة وراء البوق، الكثير من الحوادث المأساوية، كل هذا كان كفيل أن يرفع الضغط في دمي لكني تماسكت، تكون أو لا تكون يا سيف الدين، تكون او لا تكون.
بعد قراءتي الدقيقة لكل حرف في الكتاب علمت أن بعض علماء المصريات المشهورين كانوا على يقينٍ تام أنه مادامت هناك لعنة ف دائمًا ما يكون هناك ما يمنعها، وقد ظهرت على جدارن مقبرة توت عنخ آمون صورة كان يظهر بها الملك حاملاً بيده اليمنى البوق واليسرى كان يحمل بها بردية.
بصيص من الأمل ظهر أمامي وجال في خاطريي أننا سنذهب للعثور على البردية ونجدها وينتهى الأمر لكن ليت الأمر بتلك السهولة، ذُكر في الكتاب أن تلك البردية مفقودة منذ آلاف السنين ولم يُعثر عليها مطلقًا وإلا ما كانت تلك الحروب قامت من الأساس، امتقع وجهي، أيكون الحل أمامي ولا استطيع الظفر به؟
نظر لي يعقوب تلك النظرة التي لطالما تمنيت ألا أراها، كنت ذلك الطفل الذي يجلس في نهاية الصف كي لا يضطر إلى الحديث مع آخرين كي لا يرى تلك النظرة، نعم، كنت الشاب الذي تعبر بجواره الفتيات وكأنه غبار، لا شيء، لطالما كنت لا شيء، دائمًا ما تتلون نظراتهم بالشفقة والسخرية واللابأس، أهنالك بأسًا أكثر من هذا بحقك؟
ربت يعقوب على كتفي في طريقه للخارج بعدما فقد الأمل في أن أتكلم، استوقفته على الباب "دعنا نموت ونحن نحاول" نظر لي يعقوب نظرة فخر حمستني بشدة ف انطلقت إلى الداخل احضر حقيبة ظهري التي لا أستخدمها إطلاقا وأحضر بعض المعدات سألني يعقوب بقلق "إلى أين؟" نظرت له بثقة "إن اضطررنا للإلتفات حول المحروسة بأكملها من أجل العثور على البردية، سنفعل" وانطلقنا إلى الأقصر مباشرةً.
كان الحماس الشعور الطاغي على كل خلايا جسدي، لم أكن خائف، لا بأس من الموت في نهاية العشرينات، ماذا انتظر من الأساس؟ لا شيء. أخبرت يعقوب الذي ترك لي مقود السيارة كي ينام أننا سنبدأ أولاً بمعبد الدير البحري ومنه إلى معبد الأقصر وإذا لم يحالفنا الحظ فيهما بالتأكيد سيحالفنا في KV 62، مقبرة الفرعون الصغير توت عنخ آمون والتي تقع بوادي الملوك على ضفة نهر النيل الغربية.
"بالتأكيد هناك حل، بالتأكيد"
كان الطريق شاقًا وطويل، ثمانية ساعات من القيادة والتفكير المستمر، كان الأمر غاية في الإرهاق، لم اعتد السفر يومًا، ولم أعتده أبدًا وبرفقتي يعقوب كهذا أو أيّ إنسان، في النهاية وصلنا، أنا أحب النهايات مهما كانت سيئة على الأقل إنها نهاية، أحب أن أجلس مطمئنًا أن الأمر انتهى سواء كان خيرًا أم شر، الأهم أنه انتهى، لو كنا مجرد نهايات ما كان العالم ليشعر بالاضطراب يومًا. أيقظت يعقوب بعد بضعة محاولات فاشلة فتح عيناه بتثاقل، "أمامنا الكثير من العمل، من الأفضل أن تنهض الآن" كنت أشعر أنه لا يعلم من أنا من كثرة النظرات المريبة التي كان يصوبها نحوي، اتجهنا مباشرة إلى معبد الدير البحري، كانت توقعاتي مرتفعة كثيرا بشأن هذا المعبد من كثرة ما يقال عنه أنه يحمل داخله الكثير من المفقودات لكن للأسف ما حدث امسكني أنا وتوقعاتي وضرب بنا عرض الحائط ولم نجد شيئًا مما نبحث عنه أو حتى ما يدلنا عنه، خرجنا من المعبد ونحن نجر ورائنا خيباتنا، حاول يعقوب أن يجدد الأمل داخلي من عبارات إيجابية تحفيزية لكنه فشل.
كان اليأس أكثر ما لا استطيع مواجهته في حياتي.
توجهنا إلى معبد الأقصر ونحن فاقدي الحماس والشغف، خائري القوة، يسيطر اليأس على كل مشاعرنا. شاء القدر منحي فرصة ذهبية للعثور على ضالتي والوصول إلى هدفي، في مصادفة قدرية لم تحدث لي أبدًا وجدت جدارية بعد عناء من فك شفراتها ومحاولة ترجمتها تأكدت أن البردية التي يمكنها أن تأخذ بيد العالم من الظلام إلى النور موجودة في مقبرة توت عنخ آمون، هرعنا أنا والمحقق يعقوب إلى هناك فورًا لتصعقنا شروط البردية في إبطال مفعول اللعنة. كنت أعلم إني سيء الحظ، لطالما كنت اتعثر في كل خطوات حياتي وتذهب كل احلامي ادراج الرياح، كنت اعلم وكنت قد بدأت اعتاد الأمر، لا بأس ما دام الشاي واريكتي على قيد الحياة، لكن الأمر الآن يرتبط بالعالم، يرتبط بملايين وليس بشخص بلا قيمة مثلي، لما لا يتركني حظي العاثر ولو مرة؟
في وسط أفكاري المتخبطة صرخ يعقوب ب أذني وهو يشير إلى إحدى اجزاء البردية "سيف، هل رأيت هذا؟" نظرت حيثما أشار، كانت الكاتب بالهيروغليفية المعقدة وقد استغرق مني ترجمتها الكثير لكني استطعت أن اتوصل إلى أن الأسطورة تقول أن كاهن الفرعون كان يُدعى "حورمحب" وهو من قام بإطلاق اللعنة على البوق قبل وفاة الفرعون ب شهور قليلة، لطالما كان عدو الإنسان الوحيد هو الإنسان نفسه، قد اشترط حورمحب للتخلص من اللعنة في حين وقوع البوق في الأيادي الخاطئة قراءة نص البردية على أعلى نقطة في دير المدينة ليلة ميلاد آمون.
شردت للحظات شعرت فيها أن الكهرباء انقطعت عني، لا اسمع، لا ارى، لا أشعر! كانت المعلومات كثيرة لاستيعابها حقًًا، ميلاد آمون لم يتبقى عليه سوى بضعة ساعات، فكرت أن أعود إلى أريكتي واغفو بضعة ساعات وليحترق العالم لكن لا، لا يمكنني الاستسلام الآن بعدما قطعت كل تلك المسافة، سحبت يعقوب من ياقة قميصه بعنف مبالغ فيه وانطلقنا إلى دير المدينة، يجب أن نكون هناك قبل الثانية عشر.
كان يعقوب خائفًا، لأول مرة أراه هكذا، لا أدري لما يبذل البشريون كل هذه الطاقة في سبيل كتم مشاعرهم، لما لا يُظهِرون ذلك بكل بساطة؟
كنت في عالمٍ آخر من الإحتمالات السلبية والتخيلات لما قد يحدث حينما دقت الثانية عشر وأعلنت عقارب الساعة شموخها واهتزت المدينة بأسرها على إثر صوت بوق دوى في السماء ليعلن
"أنا أرى الجحيم أشعر به."
سيف الدين علام
تمت بحمد الله

أجمد قصة وأحمد غلاف لأحمد حد في الدنيا 💙
ردحذفعاش يا بينا براڤو عليكِ💙💙
ردحذفالقصه عظيمه والسرد عظيم والغلاف أعظم، كل الحب والدعم ي بنبن 😚💙💙💙💙
ردحذفقصه جميلة و غلاف جميل لأحلي بينا 🖤🖤
ردحذف