مرآتي لا تكذب
المؤلم في مهنتي تلك أن نظرات من يتطلع إليّ من بعض الأفراد بها شيء من الدونية، الاحتقار؛ وكأني لا أصلح أن أرتقي للطبقة السامية.
عند تلك الزاوية النائية، في أقصى ذلك البهو المتسع، المفروش بالمقاعد المعدنية المتناثرة، وتحديدًا على هذا المكتب الخشبي الذي لا يتجاوز في حجمه مترًا، جلست خلفه على مقعدي الجلدي العتيق الذي تشققت جوانبه من أثر قِدمه. كنت أراقب الوافدين على العيادة بنظرات روتينية فاترة، لم أهتم بما يخوضونه من معاناة قاسية، ليس عليّ أن أهون الأمر عليهم، أو حتى أصغي إلى شكواهم، همي الوحيد كان تنفيذ تعليمات الطبيب بحذافيرها؛ الدقة في ترتيب المواعيد والأدوار تجنبًا للمشاكل المفتعلة، وتلقي أجرة الكشف كاملة فيما عدا بعض الأشخاص ممن له استثناء معين، أما البقشيش والنفحات الزائدة فليست شأنه، ومع هذا كانت إلى حدٍ ما شحيحة.
أنا فتاة قاربت على إتمام الرابعة والعشرين ربيعًا، لا أحمل شهادة عليا؛ لكني تلقيت تدريبًا جيدًا في مدرسة التمريض، على أساس أن امتهن تلك المهنة السامية لاحقًا بعد إعدادٍ مناسب؛ لكن شاءت الأقدار ألا أتبع دربي الحالم، والتحقت بالعمل في عيادة أحد الأطباء وأنا في الخامسة عشر، ومنها انتقلت إلى أخرى، وهكذا، ظللت أخوض التجربة العملية حتى اكتسبت خبرة مناسبة تؤهلني للعمل في مكانٍ أفضل. لا أملك من سمات الجمال سوى زوجٍ من الأعين البنية المتسعة، بينما أنفي يمتاز بالطول، وشفتاي ليست صغيرة منمقة، أما عن تقاسيم جسدي فهي إلى حدٍ ما ممتلئة، لذا أنا أعد نفسي غير رشيقة القوام، وبالطبع يزين رأسي حجابًا أبيض اللون، فيظهرني داكنة البشرة.
المؤلم في مهنتي تلك أن نظرات من يتطلع إليّ من بعض الأفراد بها شيء من الدونية، الاحتقار؛ وكأني لا أصلح أن أرتقي للطبقة السامية. اعتدت التعامل مع نظرات الازدراء -مهما اختلفت درجتها- بكل ترفع، وعزة نفس، خاصة ممن يصنفون أنفسهم بأنهم من علية القوم، لم ألقِ لهم بالاً، وعكفت على مواظبة ما أؤديه بحرفيةٍ، كأني لم ألمس هذا الشعور المنتقص للنفس في طريقة تعاملهم الجافة معي. بين الحين والآخر كان يأتي إلى العيادة بعض مندوبي شركات الأدوية، شباب حديثي العهد بتلك المهنة الشاقة، يحاولون تأدية ما كلفوا به على أكمل وجه، ليحظون في النهاية بمكافأة مجزية، أو راتب مناسب يدفعهم للاستمرار في دوامة الحياة الشاقة. يقفون أمامي باحترامٍ، ويتعاملون معي بلطفٍ وتهذيب؛ وكأني أملك بطاقة توصية –غير عادية- تسمح لهم بالدخول للقاء الطبيب، لعرض منتجهم الطبي عليه، خاصة حينما تكون العيادة تعج بالمرضى، يريدون حينئذ أن أمنحهم الأفضلية، حينها فقط أشعر وكأني امتلكت العالم، تربعت على عرش النفوذ والسلطة، أحدد من يحق له الدخول، ومن يجب عليه الانتظار، يا له من شعورٍ يملأني غبطة!
أشير لهم بيدي، وأدعوهم للجلوس مع ابتسامة لطيفة باعثة على الأمل، وأتسلل بيدي الأخرى باحثة عن الدرج الأخير في مكتبي المتواضع لأُخرج خلسةً ما أخبأه فيه بحذرٍ وترقب؛ مرآتي السحرية. احتضنها في راحة يدي، وأدسها بين طيات ملفات نتائج المرضى المفرودة على السطح الخشبي المزدحم، ثم أرفع ذلك الملف الذي يحتويها للأعلى نصب عيني، كأني أراجع ما به؛ لكني في الحقيقة ألقي نظرة خاطفة على مظهري العام، حجاب رأسي المنضبط، ملامح وجهي المرهقة، عينا المها الساحرة، وأخيرًا أحمر الشفاه الزهيد المفترش على ثغري، لعَّل أحد هؤلاء الشباب يجد في شخصي لمسة من الأنوثة، فيرمقني بنظرة أتوق للشعور بها تنفذ إليّ.
أعيد مرآتي إلى مكانها في خفة، وأسرق نظرات عابرة نحوهم، واللهفة تحرق كبدي لرؤية أحدهم يطالعني باهتمامٍ؛ لكن سرعان ما تتبدد الأوهــام، وتتبخر أحلام اليقظة، لكوني أجدهم مشغولين بالنظر إلى الهواتف الذكية الموجودة في أيديهم. تنهيدة ثقيلة تنفلت من صدري مغلفة باليأس، وينحني ظهري في استياءٍ، وأبدو غائمة الوجه، كسيرة النفس، لكوني قد عدت شبحًا غير مرئي للعامة، مجرد ممرضة تنظم حركة العمل بالعيادة، أشعر بتضاؤل حجمي، بتحولي لكتلة مهمشة لا يدركها أحد، أكاد أغرق في هذا الشعور الخانق؛ لكن يُقبل عليّ آخر يستأذني في لباقة بمحاولة إدخاله قبل البقية، أتجرأ على رفع رأسي الذليل إليه، والنظر في عينيه لأشبع حلمًا لن يبرح حدود مخيلتي.
أؤكد له بثقةٍ أني أبذل ما في وسعي لأجله، فيغدق عليّ ببسمة بشوشة ممتنة، مصحوبة بنظرة غير متعالية، وعبارات مجاملة تطيب لها الآذان، تجعل وجهي العابس يلين ويُشرق، ونظراتي الحزينة تتوهج وتلمع. ينسحب مندوب الشركة عائدًا إلى مكانه بهدوء، يتفقد ما في حقيبته الطبية، وأنا أراقبه في اهتمامٍ حذر، بينما تنسل يدي للأسفل في حرصٍ باحثة عن المرآة، أكرر نفس الخطوات، وأنظر في انعكاسها بإمعان، إنها لا تكذب! ما زالت بي لمحة منسية من الأنوثة، تظهر مع أول بذرة للاهتمام، ربما لن تدوم تلك اللحظات العابرة للأبد، وحتمًا بعد ذهابه سأعود إلى ما كنت عليه، متقوقعة بداخل شرنقة رقيقة، تنتظر من يمزق نسيج خيوطها بصبرٍ لا ينضب؛ لكنها كانت كفيلة بإنعاش روحٍ بدت قبل قليلٍ نكرة ومهملة.
-تمت بحمد الله -

♥️♥️♥️
ردحذف