يوم من الحياة
***
وقفت حسناء أمام باب الغرفة الأبيض وقد جذبها انعزال الغرفة عن بقية الغرف فقد كانت في أقصي نهاية الممر ، ناظرت الفتاة الراقدة في الداخل وفي يدها شئ يشبه الخاتم تضغط عليه كل ثانية والأخري ، كانت تراها عن طريق المربع الزجاجي الطويل الموجود في الباب والذي يسمح برؤية جزء من الغرفة ، مرت عدة دقائق وهي تتأملها ، شئ ما يدفعها لأن تتعرف علي هذه الفتاة ، ربما لأنها تريد أن تملأ فراغ ما ناشئ في قلبها ، فراغ توّلد منذ ماتت أمها علي فراش المستشفي الأبيض وهي ليست جوارها ، تريد أن تمنح الحب لكل الذين اختارهم المرض الخبيث ، لأن أمها ماتت بعد أن تغلب عليها في حرب الشفاء فكان الفناء مصير ، نظرت إلي الممرضة التي اقتربت من تلك الغرفة وهي تحمل طبق من المعدن عليه بعض الطعام ، أوقفتها وهي تقول
_ عذرًا ، هل لي أن أسألك سؤال ؟!
أومأت الممرضة بوجه بشوش وهي تجيب
_ تفضلي .
ابتسمت حسناء شاكرة وسألتها بفضول
_ هل تعرفين هذه المريضة ؟
طالعت الممرضة " رؤيا " عن طريق المربع الزجاجي وهي تقول بأسف
_ بالطبع أعرفها منذ سنوات وأنا آتي إليها بالدواء وخلافه إنها فتاة في العشرين تُدعي رؤيا وهي هنا منذ ثلاثة سنوات ونصف تقريبًا ، ادعي لها .
عقدت حسناء حاجبيها فأكملت الأخري
_ إنها تعيش آخر أيام حياتها بعد أن تملك منها الوحش الخبيث فقد هاجم رئتيها أجاركِ الله .
ارتفع حاجبيها بدهشة وتوسعت عينيها قليلًا ، الكرة تُعاد ... أمها أيضًا ماتت علي يد نفس المرض ( سرطان الرئة ) قبل خمس سنوات وكانت تقطن في نفس الغرفة ، شعرت بسوء تلك الجملة التي قالتها الممرضة ، هي لم تسمعها في مكان أمها فقد أوصت الممرضين بعدم إخبارهم بخبر اقتراب الأجل إلا بعد أن تموت ، كانت حنونة حتي وهي علي فراش الموت ، لم ترُد لها أن تحيا تلك اللحظات المميتة معها ، لم ترد لها أن تشعر بتلك الأحاسيس البشعة ، أرادت لها دائمًا الراحة ... لأنها أم ، إلا أنها مازالت تُعاني من تأنيب الضمير لأنها تركتها وحدها تحارب الموت بلا دعم ، بلا أي دعم ، استطردت الممرضة
_ هل من شئ آخر أستطيع فعله ..؟!
أومأت حسناء قائلة
_ هل أهلها يعرفون ذلك ..؟!
نفت الممرضة قائلة بأسف
_ أهلها لا يأتون لزيارتها أساسًا وهي لم ترد إجبارهم بذلك ، تريد الموت بسلام .
_ إذًا اتصلي بهم واخبريهم .
قالتها حسناء بقوة فعقدت الممرضة حاجبيها فأردفت الأخري
_ أنا أيضًا أمي كانت مريضة في المشفي هنا وعاشت آلام الموت وحيدة دون أن يعلم أي منا ، صدقيني الأمر سئ جدًا ، هي تحتاج عائلتها جوارها لذا عليكِ فعل ذلك .
استنكرت المريضة
_ لقد عرض عليها الطبيب ورفضت لماذا أفعل أنا ..؟!
زفرت حسناء بضيق وشعور أحسنه منذ خمس سنوات يعاد داخلها من جديد ، الصدمة الممزوجة بالاختناق ، تستطيع تخيل شعور أي أحد منهم ما إن يعرفوا بالأمر ، الإحساس الذي سيحسونه مميت ، بل هو أسوأ من ذلك ، قالت حسناء بإصرار
_ حسنا لا تفعلي أنتِ ، انا سأفعل ، فقط أعطيني رقم أي أحد منهم .
_ لا صلاحية لدي لفعل ذلك ، لكن أقترح ألا تتعبي نفسك في الوصول إليهم يكفي أن تهوِّني عليها مرارة الداء ، كل ما يحتاجه مريض سرطان هو إنسان صادق لا ينظر إليه بنظرة المرض ، إنسان غريب عنه يخفف عليه آلام العلاج ، أظن أن هذا سيفيدها أكثر من إصرارك علي مكالمة أهلها الذين قد يكونوا علموا بذلك من من طبيبها أساسًا .
كان هذا قول الممرضة الذي نهت به حديثها متحركة إلي إحدي الغرف الأخري ، فنظرت حسناء إلي الباب المقابل لها ثم طرقته ودخلت ، اقتربت حسناء من رؤيا وابتسامة صغيرة مرتسمة علي شفتيها ، ثم قالت
_ مرحبًا ، كيف حالك ؟
بادلتها رؤيا الابتسامة وردت
_ في خير حال .
مدت حسناء يدها إليها قائلة
_ انا حسناء .
صافحتها الأخري وقالت
_ وانا رؤيا .
جلست حسناء علي كرسي جوارها وقالت
_ في الواقع أريد أن أكون صديقتك .
استنكرت رؤيا
_ ماذا ؟!
ردت الأخري بتلقائية
_ أريد أن أكون صديقة لكِ ، صديقة .
ابتسمت رؤيا وقالت
_ لكن صداقتنا التي تريدينها لن تستمر طويلًا .
ادعت حسناء عدم الفهم فأكملت رؤيا
_ انا اعيش آخر ايامي حاليًا في الواقع .
_ لماذا تقولين هذا ، ومادمت هي كذلك لماذا مازلت في المشفي .
ردت رؤيا
_ إذًا أين سأكون غير هنا ، أظن أن هذا هو المكان المناسب .
_ ليس كذلك ، مثلا متي هي آخر مرة ذهبتِ فيها إلي الشاطئ ، رأيتِ البحر ، متي آخر مرة خرجتِ فيها من المشفي. .
أجابت الأخري
_ منذ زمن .
تحدثت حسناء بحماس وهي تمسك بكفي رؤيا التي كانت مصدومة مما تقوله الأولي ، لأول مرة أحدهم يتحدث إليها بهذا الحماس ، لأول مرة تجلس مع أحد الغرباء لعدة دقائق طوال ، لأول مرة تشعر أن الغرباء أيضًا قد يكونوا افضل من كل قريب ، كل هذه أشياء لأول مرة تخوضها وهي فقط في حسناء .
_ يمكننا أن نأخذ يوم واحد فقط نفعل فيه كل هذا يا رؤيا ، ما رأيك ؟
سألتها رؤيا بهدوء
_ لماذا تريدين أن تفعلي هذا ، لماذا عليكِ أن تضيعي يوم كامل من حياتك مع أحد لا تعرفينه اصلًا .
إجابتها حسناء بسؤال آخر
_ ألن يسعدك هذا .
_ سيسعدني .
_ إذا لنفعل هذا يا رؤيا .
***
ربما ليس من المنطقي أن تكون حسناء بهذه اللطافة مع إنسانة لا تعرفها ، لكن من المنطقي أن تكون أكثر من لطيفة حين تري والدتها في وجه فتاة شابة سرق المرض عمرها ، ستكون أكثر حنانًا حين تسعد فتاة قدرها كقدر أمها المتوفية ، كل هذا يجعل تصرف حسناء أكثر من منطقي ، ويجعلها اسمًا علي مسمى .. حسناء .
وربما ليس من المنطقي أن تكون رؤيا قد وثقت في فتاة قابلتها لأول مرة ، لكن من المنطقي أن تسعد بلقائلها وحديثها حين تكون مريضة سيئة الحظ لم تنل حنان الأهل في رحلة مرضها .. حينها تكون الثقة توضع في يد غريب كان لطيفًا ..فقط كان لطيفًا .
مر يومان ...
استطاعت حسناء الاستئذان من طبيب رؤيا ليوم واحد فقط .. تقضيه معها في أماكن تشتاقها الأخيرة ، استطاعت بعد أن اقنعت رؤيا بضرورة استغلال ولو يوم واحد فقط من هذه الحياة ، مادامت لم تفعل مع ثلاث سنوات وبضعة اشهر فعليها أن تفعل ذلك في آخر أيامها فيها ، عليها أن تودع الدنيا بطريقة مناسبة ... عليها أن تفعل ذلك .
***
جلست الشابتين علي رمال الشاطئ ، حسناء تراقب رؤيا بحماس لسعادتها .. تراها كيف تتلمس الرمال الصفراء بعيون لامعة ، كيف تنظر للبحر بعيون مشتاقة ، اختارت أن تقضي يومها علي شاطئ البحر ؛ حيث مكانها المفضل منذ صغرها حتي كبرت ، حيث مكانًا لن تندم أنها أضاعت يوم من أيامها الأخيرة فيه .
تنهدت رؤيا وقالت بحب
_ أنا ممتنة لكِ حسناء ، من الجيد أني استنشقت هواء الحياة من جديد ، من الجيد أنني أعيش يوم واحد من واحد .
_ من الجيد أني أري سعادتكِ ، من الجيد انكِ سعيدة .
مر اليوم سريعًا ، كان مملوءًا بالطاقة الإيجابية الاثنتين ، حسناء تشعر بالفخر لإنجازها الصغير الذي أسعد قلبًا علي وشك أن يغادر الحياة ، ورؤيا تشعر بالسعادة لاستغلالها ليوم واحد من هذه الحياة بعد سنوات من البقاء بين جدران المشفي البيضاء ، كم أن تخصيص وقتًا قليلًا من أجل إسعاد شخص حزين قادر علي تغيير الحياة ، أو نظرته للحياة ، فقط القليل من الزمن يخصص لإسعاد كل فترة قادر علي أن يجعلك سعيدًا في دنياك وفي آخرتك ، فالإنسان لا يحتاج إلا لإنسان آخر ، شخص يتمتع بالفعل بشعور الإنسانية الذي يفتقره البشر ، كتف مؤقت يستند إليه دون أن يقع ليوم واحد ... فقط ليوم واحد .
القلب سيسعد ... الروح ستحيا ... الحياة ستصبح بالفعل حياة .
***
الموت حق ..
الموت قدر لا مفر منه إلا إليه ..
محطة النهاية لكل إنسان والتي هي وجهته إليها مهما اختلفت الطرق التي يسلكونها .
مر يومان ..
وقد تدهورت صحة رؤيا للأسوأ .. وتفاقم الأمر سوءًا ، ووقع الأجل ، وها هي ذا تفترش سرير المرضي وأمامها طبيبها المتابع لحالتها وعدد من الممرضين ، عينيها تنغلق ببطئ ، جانبها ينطبقان لينغلقا علي دمعة متلألئة فرت من عينيها ، وابتسامة صغيرة احتلت شفتيها .
هي الآن تموت وهي راضية ، هي الآن تموت بعد أن التنصت حقها من الحياة فكان وقت أن يقتنص منها الأجل حقه فيقبض ملك الموت علي روحها .
هي كانت ... تموت ، هي الآن ... ماتت .
وقفت حسناء تراقب جسدها المسجي علي الفراش الابيض ودموعها تتساقط حزنًا علي روحًا قد فاضت إلي بارئها في هذه اللحظة ، كم هو صعب ان يكون المرء يحيا مع انتظاره للموت ، حاملًا هم كل لحظة آتية لاحتمالية موته فيها ، وعلي قدر خوفه علي قدر اشتياقه للقاء وجه ربه ، علي قدر خوفه يكن حزنه علي فراق أهله .
كانت النهاية موت رؤيا ، لكن بعد أن استغلت وقتًا أسعدت فيه قلبها ، فربما كان الزهد لثلاث سنوات وشهور كافٍ لجعله راضيًا ، لكن أخذ حقها من جمال الحياة توَّجه بالسعادة .
ماتت رؤيا وآلاف مثلها يموتون كل يوم .. لكن المهم أن تكون قد ماتت راضية ... سعيدة .
تمت بحمد الله..
