الإنذار الأخير
"السلام
عليكم ، السلام عليكم ورحمة الله "
اتكأ بجسده الضئيل إلى عمود المسجد بعد
أن أنهى صلاته يسبح ويستغفر بهدوء ، لم يرفع نظراته للأعلى خشية أن تلتقي بعين
أحدهم فيرى فيها نظرة الشفقة التي يكرهها .
مهما ضاقت الحياة فسيكون الفرج من الله، هكذا
كان يقينه الذي يلقنه لقلبه اليائس كل يوم بعد كل صلاة ، لكن الفكرة التي باتت
تطارده منذ عدة أيام بدأت تهدم يقينه وتزيد من بؤس قلبه ، وهو حائر لا يهتدي سبيلا ولا يعرف طريق
الخلاص .
سمح لنفسه أن يغفو لعله يستقطع لحظاتٍ من راحة
في كنف رب رحيم ، لا يعلم كم مر قبل أن يشعر بيد حانية على كتفه .
" صابر
قم يا ولدي، لقد أخذك النوم أعرف أنك متعب
ولكن أحتاج أن أقفل المسجد ، هل أنت بخير؟
"
رد بأدب لا يفارقه
"نعم
بخير والحمد لله يا شيخنا "
قال الشيخ وهو يربت على كتفه
" أخبرني
متى ستجري العملية الجراحية التي قال لك عنها الطبيب ؟
"
صمت صابر للحظة قبل أن يبتلع غصة العجز
وهو يقول
"ليس
الآن يبدو أنه لم يحن الأوان لها بعد ، ادع الله لي بالفرج"
قال الشيخ وهو يخرج بضع ورقات نقدية
ويضعها في كف صابر
"فرّج
الله كربك يا ولدي ورزقك من واسع رزقه "
كاد أن يرفض وتنتصر كرامته على عجزه
لكن لمحة لأطفاله الجوعى مرت برأسه جعلته يقبض بيده على الورقات وهو يتمتم بشكر
هامس ويخرج مسرعا قدر ما يستطيع بعرج قدمه مطأطئ الرأس و الفكرة المجنونة تلتهم ما
تبقى من يقين في عقله وقلبه .
"أحتاج
العمل كثيرا يا سيدي ، مرت ستة أشهر وأنا
بلا عمل وأنت تعلم أن سقوطي من على السلم
هنا حطمني وفقدت كل ما معي حتى أستطيع أن أقف على قدمي من جديد وما زلت أحتاج
لعملية جراحية أخرى"
رد عليه صاحب المتجر بضجر شديد
"وماذا
ستعمل معي يا صابر وأنت بقدم عرجاء وظهر مكسور ، عندما كنتٙ بكامل صحتك كنت تحمل
الأقمشة بالكاد بجسدك الضئيل هذا ، أخبرني
ماذا تريد أن تعمل عندي الآن وأنت لا تستطيع حمل أي شيء "
رد بمحاولة أخيرة للحصول على العمل
"أنا
أعرف الأسعار جيدا سأساعد في البيع وأفعل كل ما تطلبه مني يا سيدي "
تذمر صاحب المتجر قائلا
"ارحل
من هنا أخبرتك أنني لا أستطيع إعادتك للعمل ، إرحل هيا
"
غصة من قهر مرت بحلقة وهو يجاهد ليدفن
كرامته عميقا ويخرج كلماته مستعطفا وقد
حسم أمره في قرارة نفسه
"حسنا
، لأجل الله ولأجل أطفال صغار تركتهم
جائعين ،
كل ما أطلبه أسبوع واحد يا سيدي ، لقد
عملت معك سنين ألا أستحق أن تقبل عملي معك أسبوعا واحدا فقط
"
ليرد عليه صاحب المتجر ببرود
"هنا
مكان عمل وليس مكانا للصدقات ، لكن لا بأس أسبوع واحد فقط ولا أريد أن أرى وجهك
بعدها ، وطبعا لن تأخذ نفس الأجر كما تعلم ، هيا أدخل وأبدأ بالعمل "
ليتحرك صابر بطريقة آلية وهو يرد بصوت ميت
"نعم
أعلم .. أعلم "
مر الأسبوع ثقيلا طويلا وهو يقاوم وجع
قدمه وآلام ظهره ويظهر التماسك بينما ينهار من الداخل قطعة قطعة ، أفكاره كانت
تتجاذب العراك ما بين بعضها البعض فتزيد الألم بقلبه ،مايزال لا يعرف هل ما ينتويه هو طريق الخلاص
أم الطريق إلى الهاوية ، لكنه مع كل نداء فظ مصحوب بسُبة أو كلمة بذيئة من صاحب
المتجر كان يحسم أمره ، و مع كل إنذار من صاحب البيت لإخلاء الشقة كان يقتنع
أنه على طريق الصواب .
خرج من المتجر وهو يقبض بقوة على الأجر
الذي حصل عليه مقابل الأسبوع ، وصل إلى عطارة مجاورة للمتجر
لينادى العطار قائلا
" هل
لديك سم للفئران ، عندي فئران كبيرة جدا وكثيرة العدد ، أهلكتني و احترت في أمرها
، أريد شيئا فعالا جدا لا يُبقي لها أثرا !!
"
ناوله العطار ما أراد ، وبدل أن يتجه
إلى البيت اتجه إلى أكبر مطعم للمشويات بالمدينة واشترى بالمال الذي معه كله وجبة
دسمة وبعض العصائر ، ثم اتجه إلى البيت بخطوات واهنة .
عندما وصل البيت قابله صاحب الدار
ليهتف به
"صابر
أين أنت ، ألم أخبرك أنه يجب أن تخلي الشقة ، لن أتكلم معك ثانية صابر لقد تحملتك
أربعة أشهر كاملة وأنا لست مطالبا بأكثر من هذا ، تذكر أن هذا هو إنذاري الأخير
بنهاية الأسبوع القادم أريد شقتي خالية أو إيجاري كاملا
"
رد بهدوء غريب
" لا
تقلق هو فعلا الأخير ، لن تحتاج أن تنذرني مرة أخرى يا سيدي
"
ليخرج صاحب البيت متعجبا من حال صابر
وهو يتمتم بكلمات متذمرة لم يسمعها صابر وهو يتجه إلى بدروم البيت بدلا من الاتجاه
إلى شقته .
بعد وقت قصير كان يقف في شقته يحمل
الطعام وينظر لزوجته التى وقفت تنظر إليه هي الأخرى من مكانها قرب باب المطبخ
المهترئ دون أن تتقدم وتقول
"أنا
لا أفهم !! ، هذا الطعام والعصير ألم يكلفاك الكثير لماذا إذاً ؟! ماذا عن الإيجار
أو الدواء ،أنا.. أنا لم أعد أفهمك مؤخرا !!
"
وضع الطعام بركن الغرفة وهو يأمر
الأولاد بأن يجهزوا المكان للوليمة التي أقاموا لها حفلا ثم اتجه إليها وعلى وجهه ابتسامة غريبة وحالما
أقترب منها رفع إحدى يديه يمررها على خدها قائلا
" يا
إلهي جميلة أنت كما كنت دائما أيتها الحبيبة ، لا تقلقي لن نحتاج لأن نفهم شيئا
بعد اليوم ، فقط تعالي نستمتع بالطعام و ادعي الله معي أن يرحمنا "
تمت بحمد الله
خلود عزالدين(تراتيل البنفسج)
