الحقيقة المخفية
الليلة الأربعين ..
لقد توفى أخي منذ تسعة وثلاثون ليلة ، وهذه
هي الأخيرة كما أخبرني أنه في تمام الساعة
الثانية عشر من ليلته الأربعين بعد موته ستتغير حياتي بأكملها ،
لذلك سوف أنتظر ما سيحدث عند منتصف الليل
بعدما رأيت الموت رؤي العين كُل ليلة بسبب أغرب أحداث مرت على بشري من قبل ، فكُل
ما رأيته وسمعته كان بعين وصوت أخي المتوفي حديثًا والذي وافته المنية أمام عيني !
دعوني أقص لكم ما حدث ريثما تدق
الثانية عشر علّني أرحل لأبي وأمي وأخي كي ينتهي هذا الكابوس ..
أنا أمجد عمري هو تسعة وعشرون سنة ،
توفي والدي ووالدتي في سنة واحدة قبل
أن أعي ما يحدث ..
كنت وقتها في الثانية عشر ، غلام ذكي
متفوق في دراسته توفى والديه وتركوه لأخيه الأكبر الذي تحمل مسؤوليته هو وأمه لعدة
شهور قبل وفاة أمي ،
كان يعمل كل ما يخطر على البال حتى
يلبي احتياجاتنا كي يريح أمي المُتعبة من كثرة الهموم ، توفى والدي في حادثة عمل
في أحد مصانع الحديد ، كل ما تكرم علينا به رؤساء مجلس إدارة المصنع الكبير ، حفنة
من الجُنيهات استطعنا به أن نبتاع شقة صغيرة في أحد الأحياء الشعبية حتى لا نعاني
من الشقق المستأجرة وخاصة أن معاش أبي لن يغطي حتى مأكلنا ومشربنا ،
أخي وقتها كان يكبرني بثلاث سنوات فقط ، رفض أن
اترك مدرستي لتفوقي وقرر أن يعمل هو كي اُكمل أنا تعليمي وأخذ شهادتي الكبيرة التي
ستُنقذنا من هذا الفقر ..
ولكن أمي لم تتحمل سوء معيشتنا الشديدة
رغم جهود أخي المُضنية ، اصابها مرض عُضال توفت على أثره قبل ذكرى وفاة أبي بشهر
واحد ،
غلام في سني الصغير وفي ظروفي البائسة
سيكون خياره الوحيد هو الضياع ، ولكن أخي أبى ذلك فقد قام مقام والدي بشكل لم
اتخيله حتى استطعت الوقوف على قدمي وقررت أن لا أخذله أبدًا مهما حييت ..
وقتها كان يعمل في أكثر من عمل ويمتهن
عدة مهن لا علاقة لها ببعض ، الأهم عنده كان المال الذي يغطي حاجتي ،
عمل مع ميكانيكي سيارات ، وبعد عدة
شهور عمل مع بقال كصبي يوصل الطلبات ، وأخرى مع سمكري سيارات ، نهاية بعامل بناء ،
حتى قابل أحد زملاء ابي القدامى ويبدوا أن مظهره الغير لائق وصدمته لوفاة والدتي جعل
قلب الرجل ينفطر عليه فاقترح على أخي أن يعمل كعامل في المصنع براتب مُجزي لنا ،
لن أنسى وجه أخي يومها حين عاد للمنزل
يتراقص بفرح شديد ويحتضنني ويخبرني بالبشرى وأن اصدقاء والدي قد اجتمعوا اليوم وذهبوا
لرئيس مجلس الادارة كي أعمل في المصنع بدوام كامل ،
ولكني للعجب لم استطيع أن افرح مثله بل انفطر
قلبي عندما تذكرت تفاصيل حادثة والدي ، يومها حزن أخي كثيرة وتشاجرنا لأول مرة منذ
وفاة والدي لاعتراضي الشديد على هذا العمل ، لدرجة أنني أصريت أن اترك المدرسة
وأعمل حتى لا يضطر للعمل في هذا المصنع المشؤوم ، وعندما صرحت له بذلك صفعني على
وجهي وبغضب شديد قال لي :
-
لو قولت كدا تاني ولا أنت اخويا ولا أعرفك ..
ثم تركني
وخرج من الشقة وعلامات الحزن تقطر وجعًا من ملامحة ، لا أدري هل هو حزين لأنه
صفعني أم لأنه خائف مثلي أن يكون مصيره مثل أبي !
وبعد عدة أسابيع من المداومة على العمل
الجديد الشاق كما كان يخبرنا والدي إلا أنه كان سعيدًا ولكنه لم يتحدث معي في
الساعات القليلة التي كنا نجلس بها سويًا إلا عن شخص واحد وهو المهندس " محمود " مفتاح السر
والمسؤول الوحيد عن فاجعتي في أخي ،
كما كان يقص لي أخي يسمونه
" عبقرينوا " لم تقف أمامه مشكلة فنية
في أي آلة من الآلات التي لا حصر لها في هذا المصنع الكبير ، لم يتحدث عن أحد غيره
طوال سنوات ،
كان يمثل له المثل الأعلى الذي افتقده
منذ صغره حتى في حياة أبي ، فقد كان يعامله بجفاف شديد لأنه لم يكن بتفوقي في
الدراسة لذلك مان منبوذ عند أبي ، على عكس المهندس محمود الذي يعامله معاملة خاصة باهتمام
زائد عن الحد كما كان يقول لي أخي فهو لم يكن يناديه سوى " صديقي الصغير
"
حتى حانت لحظتي الخاصة وهي دخولي "
الثانوية العامة " لم يدخر جهدًا فوق الجهد حتى أظل متفوقًا وأكثر بقليل إلى
أن صار كل أمله أن اُصبح مهندسًا كمثله الأعلى ،
مرت السنة الدراسية الثقيلة التي
انهكتني للغاية وجاء اليوم المُنتظر ، يوم اعلان النتيجة .. لا أتذكر أنني كنت
اعاني من القلق أو الخوف من القادم ، فعلت ما بوسعي كي يفرح أخي فقط وبعدها لم أكن
أبالي بأي نتائج ، لم ينم ليلتها وظل جالسًا بجواري كلما غفوت أيقظني كي انظر
للحاسوب الذي ابتاعه لي ، مرت على أخي أسوء ساعات انتظار حتى ظهرت النتيجة بعدما
أوشك على فقد الأمل ،
ولكنها ظهرت كما يرغب ، لقد حصلت على
مجموع كلية هندسة ببضع درجات ،
لم أرى أخي بهذه السعادة من قبل ، لقد
قام من مكانة وبدأ في الرقص بشكل هيستري وهو يمسك يدي لأرقص معه ، ثم احتضنني
ليحملني ويدور بي بسعادة وهو يقول :
-
عملتها يا وحش ، يا أشطر وأجمل أخ في الكون ..
وأخيرًا تعب جه بفايدة ،
حاولت
مقاطعته ولكنني عجزت عن ذلك ، فأنا لا أرغب في الالتحاق بكلية الهندسة ، بل كان
شغفي الوحيد هو الرسم ، حاولت أن احدثه عن رغبتي في الالتحاق بكلية الفنون الجميلة
ولكني توقفت حتى ينتهي من فقرته السعيدة والفخورة بي ،
عندما
انتهى ونظر نحوي تلك النظرة التي انستني تعب سنتين كاملين ، استجمعت شجاعتي
واخبرته بهوايتي ، انقلبت سعادة أخي لحزن ثم تبعها غضب شديد جعلها يصرخ بي :
-
هتدخل كلية الهندسة ورجلك فوق رقبتك ، ومش بس
كدا دا أنت هتدخل القسم اللي هقولك عليه كمان ..
ثم
أتبع صراخه بتهديد صريح أنه سيقطع مصروفي الشهري وسوف يرفع يده عني لو أصريت على
رغبتي ، ثم تركني غاضبًا منه ومن نفسي على تسرعي الذي حطم احلامه ،
دلفتُ
لغرفتي ونمت وأنا حزين على ما آلت إليه الأمور بيننا ، ولكن كرامتي انتصرت حينما
قررت أنا أفعل ما أريده وسوف أعمل بجانب الجامعة التي أريدها وليست التي يتمناها
أخي وسوف اتكفل بمصاريفي ..
بعدما استغرقت في النوم عدة ساعات شعرت
بيده تتجول على رأسي بحنان افتقدته من أمي ، فهي الاي كانت تفعل هذا دائمًا ،
تأتيني في الليل وتُمسد على شعري وهي تتلوا بعض الآيات ثم تتركني بعد تُقبل جبهتي
وتذهب ،
فعل أيمن كما كانت تفعله أمي حتى ظننت
أنني أحلم بها ، ولكني حين فتحت عيني وجدته هو ،
اعتدلت جالسًا فوجدته يضع امامي طعامًا
فاخرًا ومياه غازية وكعكة كبيرة مزينة ومكسوة بالفواكه كما أحببتها دومًا ،
نظر لعيني الحزينة وقال لي :
- محتفلناش بنجاحك وتفوقك يا بطل
أجبته بغضب :
- أنا هشتغل وأدخل الكلية اللي أنا عاوزها
يا أيمن وكتر خيرك على كدا ..
ترقرقت عيناه بالدموع وجرني لأحضانه
وهو يقول بصوتًا شجي لم اسمعه منه من قبل :
- أنا عمري ما هخليك تتخلى عن هوايتك بس
الفن دا هواية ممكن جدًا اخليك تحافظ عليها وهديك كل الفلوس اللي تحتاجها عشان تتعلمها
في كورسات وعند أحسن فنانين ، لكن اللي أنا عاوزك تدرسه مش هتعرف تتعلمه غير في جامعة
كبيرة ، انا عاوزك تملُك مستقبلك ومستقبل العالم كله يا أمجد ، لو سمعت كلامي صدقني
هوصلك لمكانة وهدف هيخلدوا اسمك في التاريخ ، دا غير اللي هتوصله أنت بمساعدتي هيخلنا
مع بعض للأبد ومعنا فلوس مش هنعرف نعدها ..
تعجبت من حديثة الغريب كليًا ولكني لا
أنكر أنه اقنعني بوجهة نظره ، أنا بالفعل استطيع الرسم جيدًا وبإمكاني تعزيز
موهبتي بطرق كثيرة ولكن ما قاله لي أخي لن استطيع الحصول عليه سوى بالعلم ،
وافقت ورضيت واحتفلت معه وبالفعل
التحقت بكلية الهندسة قسم " ميكاترونيكس
" بناءً على طلبه ،
مرت الخمس سنوات كان الفضل الكبير لمرورها
بهذه السهولة توفيق من الله أولًا ثم أيمن ،
اته أن يظل فخورًا بي وأنا أتخرج من
الجامعة بتقدير كبير لأرى نظرة الحفاوة بعينيه مثلما رأيتها كل سنة تفوقت بها ،
ليعدني هو أنني لو استمريت على هذا التفوق سيجعلني التحق بجامعة كبيرة في الخارج
وانه يدخر من الأن المال لذلك ،
رفض أيمن رفضًا تامًا أن أعمل وقت اجازتي
الصيفية كي اساعده في المصروفات ، كلما فاتحته بذلك الموضوع يقول لي :
-
مالكش دعوة
أنت اجتهد بس وكل اللي أنت عاوزه هجيبهولك ..
حتى جاء آخر يوم في اختباراتي للسنة
الأخيرة ، منذ الصباح وعند خروجي كان أيمن في حالة عجيبة لم الاحظها من قبل ،
عيناه زائغة ويرفض النظر إلي !
حتى انه ذهب للعمل دون توديعي كل ما
قاله :
-
ما تتأخرش بعد الامتحان عاوزك ضروري ،
انهيت
اختباري كما ارتضيت وشعرت بالسعادة لانتهائي من هذه الجامعة التي استفزت كل قواي ،
ولكن في النهاية أخي كان مُحقًا ، رغم المجهود الشاق إلا أنني الأن ذو علم كبير ..
عُدت
للمنزل فوجدت أخي ينتظرني في غرفتي ، تعجبت من ذلك ولكنه لم يمنح لي فرصة للتفكير
..
فقد
حمل عدة مستندات كبيرة من على مكتبي ووضعهم بين راحت يدي وهو يقول لي :
-
من انهارده
دا شغلك الشاغل ، مش عاوزك تعمل حاجه غير أنك تقرأ الأبحاث والتجارب دي وتكملها ..
سألته بدهشة مما يقوله :
- الأبحاث دي بتاعت مين يا أيمن ؟!
رفض أن يُخبرني واصر على قوله :
- اعمل اللي بقولك عليه ولما تخلصهم قراءة
هاخدك لمكان ماحدش يعرفه غيري ..
امسكت المستندات بكلتا يدي ووضعتها
اعلى المكتب الخشبي الخاص بيا وجلست على مقعدي كي انظر نظرة سريعة لأول بحث منهم
ثم امضي لأغير ملابسي واحضر طعامًا سريعًا وأعود أدراجي ، ولكني حين جلست وشرعت في
قراءة أول بحث لم استطيع القيام من موضعي حتى سمعت آذان الفجر ،
اضطررت للقيام لأقضي حاجتي واصلي فرضي واحضر بضعة لقيمات تسد جوعي وعدت لمكتبي ولم
ابرحه حتى أذان الظهر وظللت هكذا لثلاثة أيام حتى انتهيت منهم جميعًا ..
فضولي كان أقوى من الراحة أو النوم ،
غفوت على المكتب لبضعة ساعات من كثرة إرهاقي الشديد ، ولكن عقلي ظل يعمل فيما
قرأته ،
آلة كبيرة ستجعل من يدلف داخلها غير
قابل للفناء ، سينتقل عبر الهواء لجسد آخر في كون آخر بعمر جديد ، حتى يتقدم عمره
فيعاود الكرة وهكذا ..
ضرب من الجنون المنطقي المدعوم بالأدلة
والبراهين العلمية ،
الأبحاث جميعها عن " الانفجار
العظيم " و " ميكانيكا الكم " و كيفية تحديث الطاقة وانتقالها عبر"
الفوتونات " ونظريات مجنونة متداخلة قيد التجربة ولكن كما قُلت هي في النهاية
علم
منطقي قابل للتنفيذ !
فزعت من نومي حين كدت اسقط من على مقعدي فنظرت
حولي لعدة ثوانِ حتى عدت للواقع ، ركضت نحو غرفة أخي وايقظته من نومه وقد انفجرت
الأسئلة من فمي دون سيطرة وأخي ينظر لي في صمت مُطبق ،
غاظني ما يفعله وصرخت به :
-
جاوبني يا أيمن ما تبصليش كدا
نظر لي بعينان ناعسه وهو يردد :
-
مكنتش عارف أنك هتخلص بالسرعة دي أنا افتكرت
معتك شعر على الاقل ، عمومًا مدام خلصت يبقى قوم البس على ما البس انا كمان وتعالى
معايا ،
عدت لغرفتي على عجل وارتديت ملابسي
سريعًا وخرجت من الغرفة لأجده امامي ،
اشار لي لأتبعه فنزلنا الدرج وصعدنا
لعربته القديمة المتهالكة التي اشتراها بعد ادخار لسنين طويلة لينطلق بها وسط
الزحام ثم صعد للكوبري في وسط المدينة لينعطف بسرعة جنونية نحو الصحراء !
لم يجيب على اسئلتي سوى بكلمة واحدة :
-
بطل اسئلة وهتعرف كل حاجة في وقتها ..
بعد
فترة ليست بقصيرة من السير وسط الظلام والفراغ الكبير ، وبعدما تكسرت عظامي من
تراقص العربة وهي تمُر فوق الحجارة وتنعطف يمينًا ويسارًا بقوة وامامي اضاءة
السيارة القوية التي تشير على عدم وجود حياة في هذه المنطقة الفارغة مما جعلني
احاول السيطرة على خوفي المُفرط الذي بدأ يظهر على جسدي المتعرق وحركات قدمي
المتوترة ولكني لم استطيع التفوه بكلمة مرة أخرى ، لأني اوقن أن أخي لن يجيب على
شيء ..
وأخيرًا
توقفت السيارة أمام باب حديدي كبير وضخم للغاية ، تلتصق البوابة بمبني كبير لا
ملامح له !
ترجل
أخي من السيارة اتبعها انا ليفتح هذا البوابة الحديدية بأرقام اليكترونه ضغطها على
شاشة صغيرة موضوعة أعلى طرف البوابة ،
انفتحت
البوابة على مصرعيها وحين دلفنا خطوتين انغلقت خلفنا ثانية ،
ممر
طويل لم أرى مساحة من الظلام الدامس وقبل أن انطق بدأت المصابيح من فوقي تضئ واحدة
تلو الأخرى ،
فغرت فاهي بانبهار حين اتضحت الرؤيا !
معمل أبحاث متكامل ، لا يوجد به احياء
أو أموات ،
- بتاع مين دا يا أيمن ؟!
كلمات نطقتها بدهشة وعيني تفحص الآلات
بدقة مثل الكاميرا الفوتوغرافية ،
اجابني أخي وهو يفتح بوابة أهرى لم
اراها أمامي وأنا أنظر حولي :
- بشمهندس محمود .. بقالنا ١٠ سنين أنا
وهو بنبني فيه ،
تعجبت ونظرت له بغرابة وأنا أتساءل
بجدية تامة :
- ومين بيمولكم عشان تبنوا مكان زي دا ؟!
لم يجيب هذا السؤال ودلف للداخل ليقف
أمام آلة ضخمة يحيطها الزجاج من كل اتجاه ، غرفة زجاجية كبيرة على جانبيها تروس
حديدة موصولة بأسلاك ملونة لا عدد لها ولا حصر !
تتبعت بعيني نهاية الأسلاك فوجدتها
تسير بتجاه غرفة زجاجية أخرى على علو كبير تحيطها الشاشات بعرض حائطها على شكل
دائري ،
شهقتُ بذهول فابتسم لي قائلًا :
- اقفل فمك دا يا أمجد لسه على الانبهار
كتير ، واعمل حسابك بكرة هيكون موتي وفي الليلة الأربعين هتعرف أنت هتعمل إيه بالظبط
..
*****************
توقفت
قليلاً لأستوعب ما سمعته ولم أستطع..
أخي
سيموت غدًا وفي ليلة موته الأربعين سأعرف ما يجب علي فعله !
ما هذا
الهراء !!
ضحكت
بسخرية على ما قاله وكأنه بالفعل يمزح معي ، ولكن علامات الجدية التي ارتسمت على
وجهه لم تكن مزحة من مزاحته السيئة أبدًا !
امسك
أيمن بكلتا يدي وتطلع نحوي بعينان ثابتة لا تحيد عني وهو يقول لي :
-
دي مش لعبة ولا
هزار يا أمجد اللي بقولك عليه هيحصل ، كل السنين اللي فاتت كنت بحضرك للحظة دي ،
بمجرد ما تملك العلم والأبحاث اللي اديتهالك كدا مهمتي خلصت والباقي عليك أنت ،
أنت اللي في إيدك ترجعني ونفضل سوا على طول ..
تسمرت كالشجرة بعيون تجري على تفاصيل المكان..
أحاول الربط بين ما درسته وما قرأته في تلك
الملفات..
أحاول
تقريب معلوماتي بالأبحاث ونهايتها المنطقية..
أحاول
رسم خطوط بين النظريات التي درستها مقرباً إياها لمحاولات التطبيق أمامي ، هل يقصد
أيمن أن هذه الآلة تم تطبيقها بالفعل !
خلايا
عقلي تتقافز بداخله لدرجه الانفجار.. ولكن قفزت أمامي صورة أيمن ..
ماذا
يعني أنه سيموت غداً؟
كيف
عرف؟
وأين
المهندس محمود؟
ولماذا
أنا؟؟؟؟؟
يداي
تضم رأسي الذي يوشك على الانفجار.. نظرت لأيمن لأجد بعيناه لمحات يمكن أن تكون من
شفقة أو اعتذار أو خوف من الخذلان..
نظر لعيني
الزائغة قائلاً :
-
أنا ربيت راجل
يُعتمد عليه ، مافيش وقت لكل الأسئلة اللي سألتها أو اللي هتسألها ، وما فيش وقت لتوهانك
دا هتلاقي كل الأجابات اللي أنت محتاجها في وقتها بس أهم حاجه دلوقتي قبل ما يجي
آواني أني اسلمك المفاتيح وأكواد التشغيل والباقي كله عليك أنت يا بطل ..
ما زلت انظر نحوه وكأنه ضربني أعلى رأسي ، ولكنني
انتبهت لشيءً هامًا :
-
باقي إيه اللي
عليا يا أيمن ! هو أنا اللي هشغل الآلى دي ؟!
نفضت يدي من بين كفيه وصرخت به :
-
أنت أكيد
اتجننت ! أنا مش هتحرك إلا اما افهم كل حاجه ، ومنك دلوقتي ..
-
وقف أمامي وبرجاء
شديد قال لي :
-
أمجد أنت أملنا
كلنا ، ما حدش هيعرف يكمل اللي بدأناه غيرك ، احنا عملنا معجزة لناس كتير فاضل أخر
خطوة والمعجزة دي تتحقق ..
وضعت يدي على كتفه وبحيرة شديدة تسألت :
-
إيه اللي أنت
بتقول دا يا أيمن ! انتوا مين ؟! ومين اللي هيستفيد من أنه ما يموتش ويفضل ينتقل
من جسد لجسد ، يا أيمن أنت واعي للي بتقوله دا ؟!
زفر بضيق شديد وازاح يدي من أعلى كتفه ليُمسك بها
ويجرني خلفه قائلًا :
-
أنا تعبت من
أني أقولك ماعدتش وقت وأنت مصمم تتكلم في حاجات فات الآوان عليها .. تعال معايا ..
سحبني
من يدي ليوقفني أمام لوحة كبيرة مليئة بشاشات ومفاتيح ملونة بألوان الطيف..
كل لون
منهم في لوحة منفصلة يتدرج بها من الفاتح للغامق ..
ضغط على لوحة مثل لوحة الشطرنج باللونين الأبيض والأسود..
لا أعلم على أي مربع ضغط ليتحرك جزء من اللوحة
الأكبر يشبه الشاشة ليقف امامها تمامًا مناظرًا إياها لتنقسم لجزئيين بينهم خيوط
ضوئية صفراء ، كل جزء تحرك يلف حول رأسه ليقف أمام أذنيه كما السماعات ليتحول لون
الخيوط الضوئية للأبيض وتنير اللوحة الأكبر معلنة عودتها للعمل..
تحرك ضاغطاً مرة أخرى على مفاتيح لم أتابعها لدهشتي
، وربما صدمتي !
أتى
ساحباً إياي لأقف مكانه أمام الشاشتين الأصغر.. آمراً بألا أتحرك وألتزم بالتنفس
بهدوء..
سمعته رغماً عن صوت الصفير الصادر من الشاشتين
ولون خيوطهم الذي تحول للأصفر مرة أخري أثناء دورانها حول رأسي لتقف أمام عيني
تماماً ليتغير اللون للأبيض وتنطفئ تماماً !
لا
أعلم كم مر من الوقت ، ولكن احساسي بجسدي وكياني وكأنني كائن هلامي مُسير لا مخير !
خاصة
عندما سحب أيمن يداي بالتبادل ليضعهم على شاشة أخرى كما البصمة للبطاقة الشخصية
بدون حبر ..
سحبني
مرة أخرى وأنا لم أعي ما حدث فعينان تزوغان في المنطقة بأكملها تُسجل كل ما حدث
وتحلله بمنطقية دقيقة للغاية ..
أجلسني
أخي على مكتب دائري واضعاً أمامي ملف كبير بأوراق ملونة بنفس الوان المفاتيح في
اللوحة وبنفس ترتيبهم ودرجاتهم... كان ذلك دليل التشغيل ، توقعت ذلك ..
-
أمجد أنت دلوقتي
ليك نفس السُلطة على المكان زيي وزي المهندس محمود تماماً ،
بصمة عينيك و أذُنك و
جمجمتك دخلت للنظام وكل دا اتخزن واتسجل ،
كل أكواد فتح الأبواب مكونة من ٨ أرقام هما
تاريخ ميلاد أبي وأمي وأنا وأنت بالترتيب ، بصمة صوتك دخلتها من قبل وتم تخزينها هي كمان .. المكان
دا لعنة لو ما ركزتش في اللي بقولهولك يبقى عليه العوض في سنين عمري وعمرك ،
وضعت سبابتي على عيني وفركتهما بعنف وتوتر شديد ،
ليمسك أخي يدي بقوة وينزعها من على عيني وهو يُكمل حديثه دون اكتراث لما اعانيه :
-
قدامك ساعة تحفظ بها أول سبعه صفحات زي ما أنت
حافظ اسمك وأنا هروح اعملك فنجان قهوة دُبل عشان تعدل دماغك ،
أدار لي ظهره فأوقفته وأنا أتساءل بحزن قد افتك
بي :
-
عرفن
منين أنك هتموت بكره يا أيمن ؟!
نظر
لي نظرة لم أفهمها ليقول بجدية :
-
استنيت منك
مليون سؤال قبل دا يخص مطلوب منك..
قاطعته بغيظ
:
-
أنا مش روبوت
يا أيمن هنفذ من غير ما أفهم وبمجرد ما تقولي أنا هموت بكرة هقولك ألف مبروك واروح
جري اعمل الجنان اللي بتقولي عليه دا ،
لم يجيبني فنتقلت من حالة الغضب الشديد للقهر
الشديد وأنا التصق به كما كنت التصق بأمي :
-
أنا بس اللي
احدد الأسئلة اللي تهمني وأنا ما يهمنيش في كل دا غيرك ، أنا مش عاوز أعمل كدا أنا
عاوز نعيش أنا وأنت زي الناس ، نتجوز ونخلف ونعمل عيله كبيرة ، يا أيمن حاول تفهم
..
احتضنني وهو يربط على ظهري مقبلاً لكتفي قائلاً
:
-
أنت كمان أهم
حاجه عندي في الدنيا وعشان كدا صممت أن انت تدخل كلية الهندسة عشان أنت الوحيد
اللي هآمن على نفسي معاه وعارف وواثق أنك تقدر ، الوقت كان ضيق وأنت خلصت قبل ما
توقعت بكتير عشان كدا مش هلحق افهمك كل حاجه بس عارف ومتأكد أنك هتفهم وهتوصل
لوحدك ،
ثم تركني أدور حول نفسي وذهب !
لم
أستطيع فعل شيء سوى ما اراده ،
الثقة المغلفة
بالألم في كلماته أجبرتني على الرجوع لحالتي الهلامية السابقة.. وجلست لأحفظ السبع
ورقات ..
"إذا لم تستطع حفظ
الأشياء وترتيبها ، منطقها "
قفزت تلك المقولة لمعلم الفيزياء في
مدرستي الثانوية لعقلي متذكراً كيف كانت مفتاحاً موجهاً لحفظ قوانين الفيزياء
وترتيب خطوات الحل..
وفي الواقع لم أجد صعوبة في تطبيقها
لحفظ السبع ورقات الثمينة..
كانت ممنطقة ومُرتبة بحيث أصبح كل
ما على فعله هو التقاط ذلك المنطق فقط ،
قبل ان أكمل لابد ان اشيد بعبقرية
المهندس محمود .. نعم هو عبقري ،
عبقري لدرجة انه ربط بين النظريات
والمعادلات الفيزيائية والرياضية الناجحة ورقياً والغير قابلة للتطبيق فعلياً على
أرض الواقع..
لا أعلم كم استغرقه لينجز ويفعل
المستحيل ولولا انني في المعمل وامامي الاجهزة لقلت انه ضرب من الجنون ،
سأحاول أن أسهل عليكم ولا تسألوني
عن التفاصيل فهي معقدة بعض الشيء ..
" كل جسد حي له
هالة تحاوطه.. تلك الهالة أو ال Aura لها بصمة ربما
تشترك في لونها مع أخرين ولكن تفاصيلها تخص الجسد التابعة له كبصمة الإصبع تماماً..
تلك التفاصيل تتحكم في لون الهالة
وتعطيه ظلال من ألوان عدة تتداخل مع اللون الأصلي تبعا لتصرفاته وأفعاله ليست
الظاهرة منها فقط بل تبعاً لسرائره وحالته الصحية..
لهذا قُسمت الألوان بدرجاتها واصبحت
هي أساس التوجيه والتوجه لتلك الأبحاث..
في الاوراق السبعة هناك دلالات
مختصرة للألوان ولما تشير إليه.. كذلك شرح مختصر لعمل اللوحات والشاشات والمفاتيح ،
رفعت رأسي لأجد أيمن واقفاً أمامي..
بعينيه دمعات محبوسة فضحتها لمعتها
ابتسم واقترب حاملا طبقين بكل منهما
كوب قهوة ورغيفاً محشواً بالبيض والجبن والبسطرمة ذلك المزيج المحبب إليه خاصةً
وإلى أسرتنا عامة كعدوى منه..
وضع امامي الطبق واشار بعينيه
اللامعة أن أبدأ بالأكل..
نظرت لساعتي لأجد أن الباقي على
آذان الفجر ساعة.. لم أستطع تتبع الوقت لأعرف كم استغرقني من الوقت..
- ٣٥
دقيقة ..
نظرت اليه لاستطلع ماذا يعني
!
- خلصت اللي طلبته منك في ٣٥ دقيقة
بالضبط ،
أنا قعدت كام يوم على ما
حفظتهم ،
وضعت الصحن من يدي وقرب المقعد منه
قائلًا :
- أيمن أنت عارف أني مش هقدر اخالفك
معملتهاش قبل كدا ومش هعمل دلوقتي بس ،
اوقفني بإشارة من يده واشار نحو
صحني :
- خلص أكلك واشرب قهوتك بسرعة عندنا
شغل كتير ..
بعد عشرة دقائق وقف عند كل لوحة
وسألني ماهيتها فأجبت في ضوء ما فهمته لاجدني أمحي بدون قصد لمحة الترقب بنظراته
لرضا وربما فخر..
تحرك ليقف أمام جهاز مكعب الشكل
ارتفاعه مترين ونصف تقريبا بحوائط شفافة كالزجاج يخرج منه أسلاك مختلفة اللون
والقطر متصلة بلوحة مفاتيح ملصقة بالحائط المقابل له ،
نظرت مجدداً للجهاز محاولا ً تذكر
اي معلومة عنه فلم أجد.. أشار أيمن على لوحة المفاتيح برأسه
بينما يتحرك ليفتح باب الجهاز ليدخله..
- دخل الكود وأعطي أمرك الصوتي بالمسح
... دا جهاز قراءة الهالة !
هو بالفعل كذلك !
انقبض قلبي وتوترت قليلًا ولكني في
النهاية تمكنت من ادخال الكود ،
نظرت إليه بداخل الجهاز واقفاً
فاتحاً يديه موجهاً باطنهم ناحيتي..
أومأ برأسه كإشارة لي بإعطاء الأمر
الصوتي الأن..
نفذت الأمر،
وأضاء الجهاز،
وسمعت ذبذبات،
ورأيت دخان،
وانقشع الدخان،
ورأيت هالة أيمن،
مضيئة،
الضوء لا يترك مجالا للشك،
إنه ضوء الخلاص،
لقد اقترب الوقت ،
إنه إشارة الموت
!
"الدعاء يغير
القدر"
هذا ما اجتاح ذهني وتملكه، ربما لست
ملتزماً لحد كبير وربما لن يتقبل الله دعائي لسبب أو لأخر.. تاه عقلي في متاهات
ومدارات لم اتخيلها يوماً وكالعادة أخرجني أيمن من متاهاتي بسؤال..
- أنت طفيت الجهاز ؟!
خرج أيمن من داخل الآلة فتحركت أنفذ
بتثاقل مغشي بدموع لامعة بعيني تأبى النزول وتحرق القلب..
- أمجد ... احنا اعتمادنا كله عليك تنهي
اللي بدأناه ، معتش غير مرحلتين بالظبط سأ..
نفضت يده غاضبًا ومقاطعاً :
- أنتم مين .. مين يا أيمن ؟؟ .. فين عبقرينوا بتاعك ؟! طب
فين عقلك ! طب فين أنا ! انا فين من حسباتك !
ولأول مره وأخر مره مسكت بتلابيب
أبي وأخي غاصاً بعبراتي المنفلتة
لفني بذراعيه مدمدماً بعبارات
مخنوقة لم تصلني..
يحاول جاهدًا لملمة شتاته وشتاتي المفروشين
أرضاً..
هدأت حاضناً إياه أكثر تسيطر علي
ذكرياتنا سويًا مع وبدون أبوينا شاعراً بعظِم ما رماه علي .. سيطرت على نفسي قدر
ما استطعت ، هذه سويعاته الأخيرة .. هذه طلباته الأخيرة .. وهذه مشاهده الأخيرة..
تباً لمحاضرات التنمية البشرية
وتباً لي إن لم أستغلها جيداً ..
نهضت أسحبه معي لأول مرة منذ بدأت
النهاية .. تخمين المطلوب لم يكن صعباً .. فلابد أن تبدأ تهيئة أيمن للاتي.. لا
يعلم سر الروح غير خالقها ولكن خذلان أيمن أصبح محالًا.. ولا وقت لأسئلة
ومناقشات.. أيمن اتخذ قراره وكفى ، ومطالب أنا بالتنفيذ واعادة أخي مرة
أخرى ..
دهشة تبعها تفهم ظهر بعيني أخي عندما شددته واقفاً..
وبألية عقلانية تحركنا في المعمل
بدروب غير متقاطعة ننفذ خطوات التجهيز.. الأخيرة ..
مرة أخرى
تباً لمحاضرات التنمية البشرية ..
"المجهول راعي
الخوف والمعرفة قاتلته"
يتنازع بداخلي شعورين متضادين الاول تقبيل العبقرينوا محمود
والثاني تقطيعه لمكعبات..
نعم حقق محالاً ونفذه ببراعة وتناغم
فوق الخيال ، وأنا في الأول والآخر رجل يعشق العلم حد النخاع ..
ولكن جره لأيمن معه يستحق عليه العذاب..
أنهيت تبديل بعض الشرائح المحترقة
ولكن هناك مشكلة مع بعض الكابلات الرابطة بين تلك الشرائح ولوحة التحكم فتلك
الكابلات انصهرت تماماً والتصقت بمخارج ومداخل الاسلاك الموصلة للطاقة للجزء الخاص
باستلام بيانات التشغيل والاوامر الصوتية ،
أيمن غامض جداً بشأن ملابسات ذلك
الاحتراق واكتفى بأن السبب حادث غير مقصود نتيجة ضعف وقوة التيار الكهربائي ..
نظرتي الثابتة لعينيه الفاضحة لضعف حجته أجبرته
على كشف أخر أسراره .. تنهد بقلة حيلة صاحبتها بسمة..
- بعد ما تشغل الجزء دا وتنتهي من
المرحلة الاخيرة ، دور على ملف في المكتبة الرقمية اللي هناك دي ،
أشار ناحية شاشة صغيرة بجوار الباب
، لتتبع عيني سبابته ليضيف بضحكة خبيثة اعرفها جيدًا :
-
المكتبة الرقمية مش هتفتح غير بعد تشغيل الآلة ، وقتها هتعرف اللي
حصل وهتلاقي هناك اجابة لكل اسئلتك اللي سألتها واللي لسه مسألتهاش ..
دلوقتي تعال معايا نرتاح لنا شوية وناكل لقمة واوريك مكان الأدوات اللي هتحتاجها للتصليح ..
بعد فنجاني الأول أتممت المهمة ..
حاولت الانتهاء بصنع الثاني قبل تجربة الجهاز .. فالشحن الخاص بتركيزي قارب على
النفاذ بعد كمية البيانات والمعلومات المتداخلة التي هاجمتني خلال الايام الأربعة
الماضية ، وها أنا الأن على حافة الجنون مع دخول اليوم الخامس !
اه الم اخبركم بماهيه الجهاز، عذراً ..
هذا الجهاز هو الأهم هو محور
التحويلات فهو المسئول عن تحويل الهالات حول الشخص لتلك الموجات المخزنة ونقلها
بعد ذلك لبعد أخر .. تلك الحجرة الزجاجية الشبيهة بالتابوت والمتصلة بالجهاز حيث
تسحب الهالات من الشخص ليس بها مشكلة ،
المشكلة اني لا اعتقد ان الوحدة الملحقة و
المسئولة عن تخزين الهالات مؤقتاً كافية وقوية لتتحمل الضغط لهذا فقد استخدمت
أسلاك بسمك أعلى عند التصليح كذلك تلك الشاشة الاخرى كان بها خلط بين اسلاك مداخل
ومخارج الطاقة وهذا ربما يكون سبب آخر لذلك الانفجار المسبب لانصهار الشرائح
والاسلاك السابقة ..
تحركت من امام ماكينة القهوة لأجد
أيمن واقفاً امام الجهاز ناظراً لتلك الشاشة.. ناولته فنجانه
- في أمل يا امجد ان الشاشة تشتغل !
ارتشفت كل ما في فنجاني من قهوة
وأنا اجيبه :
- هنشوف حالًا
وبالفعل أدرت مفتاح الطاقة لينير
الجهاز وتبدأ شاشته الرئيسية بإعطاء إشارات كذلك أضيئت تلك الحجرة الصغيرة
..
تحرك ايمن بهرولة للوحة التحكم الأم
مدخلًا كود الربط بينهم .. ثم اتجه لتلك الشاشة الصغيرة .. ربت عليها عدة مرات فلم
تضئ
- أمجد بص كدا بسرعة دا ميكروفون و و
وحده تخزين متصلين بالشاشة ممكن تعرف المشكله هنا إيه ، عاوزين نخرج المعلومات
اللي فيهم بسرعة ،
الشاشة سوداء مع انها متصلة بالطاقة
و زر التشغيل يشير انها تعمل ولكنها فارقت الحياة ..
حاولت عده مرات ولكن لا جديد ..
رأيت الإحباط على وجه أيمن وبدأ تنفسه يتسارع ويعلو وهو يضرب الشاشة بضربات
متباينة القوة وكأنها خصم يجب الخلاص منه راجيًا إياها أن تنطق !
هل ما حدث تالياً يخضع لقياس الزمن
.. حيث انطلقت شرارة كهربية كما شرارات البرق لتضرب أيمن وتلقيه ككرة تنس ليرتطم
بجهاز قراءة الهالة ليسقط ارضًا وفوقه الجهاز .
أتت لحظة الحقيقة.
مات أيمن ..
"المعرفة مستويات
ومواجهتها مستوى أخر"
علمت ما يجب علي فعله ولكن هل أنا
مستعد للتنفيذ !
تحركت كرجل آلي في اتجاه أخي ، تحركت وتركت قلبي ومشاعري مكاني ثابتة ، تحركت لأرى بقعة الدماء المتسعة وأسمع حشرجة
معافرة الروح للخروج ، حركت الجهاز من فوق
أيمن الساكن جسده إلا من بعض ارتعاشات متتالية ،
رأيت العين بدون نظرة
تحسست القلب بدون دقة
فضممت الجسد باستسلام جريح..
أنتم الأن تشاهدون فيلم رعب عن
كيفية التعامل مع جثة أخيك لتوجهها لمجهول ترجو منه الخلاص ..
ارقدته في حجرة الجهاز الذي أصلحته
ليقتله ..
لم أفارقه .. أصدرت أوامر التشغيل
الصوتي وهو أمامي .. رأيت الهالات تتجمع فوقه لتنير الشاشة المشئومة بقراءات لم اهتم بها ..
لا اعرف كم مر من الوقت .. سحبته
مره اخرى بعد أن توقف الجهاز ..
اتممت طلبك يا أيمن وحان وقت إكرامي
لك...
بعثت رسالة للرقم المقصود وفي خلال
ساعة أتى رجل بعربة نقل الموتى وبتصريح الدفن وتوجه للمقابر..
توجهت للبيت ونمت
..
نعم نمت ونمت ونمت..
ولا أعلم متى أفقت..
لم تصيبني حالة الإنكار المشهورة
..
اغتسلت ..
و أكلت ..
والأهم اتجهت للمعمل ضامراً عدة
أمور ..
لا تسألوني عن جيران او زملاء او
اصدقاء.. فلا شيء يهم الأن ، فقد فقدت صلتي
مع من حولي..
بحثت عن الملف المعنون بإسمي ووجدت أن
هناك اربعون ملفاً لكل منهم كود يفتح تلقائيًا بالتوالي بتاريخ اليوم الجديد وعند الساعة
الثانية عشرة صباحاً كل يوم بدءاً من يوم فتحي له ،
طبعاً لم أعد أطيق الأسرار ..
اذا كان هو عبقرينوا فأنا من أجدت
طريقه وأوجدت الحلول للمعوقات..
وفتحت الملفات بدون انتظار و نقلتهم
لجهازي المحمول..
عدت للبيت ورأيت توثيق مصور بدون
صوت في معظمه نتيجة للعطب السابق ..
رأيت أيمن يبني المعمل ويقف وراء
محمود مراقباً ومساعداً .. رأيت تجاربهم ورحلتهم وشجارهم .. فالمهندس محمود اراد
تجربه الجهاز على نفسه وحاول أيمن إيقافه ليتركوا المعمل سويًا ويعود محمود بعد
ذلك ويشغل الجهاز لينفجر أخذًا معه عبقرينوا المتهور وبدون أثر .. ولذلك أراد أيمن أن يعرف ما في
الذاكرة..
بعض المقاطع الصوتية توضح توثيق
محمود لبعض الاحداث.. ورسالته الاخيرة لأيمن ..
ما رأيته وعرفته كثييير
المهم أنني أخذت القرار
وذهبت للمعمل للمرة الاخيرة
..
واعدت ضبط الاجهزة
تريدون معرفة التفاصيل
..
حسناً ..
أنا الأن في اليوم الأربعون بعد
وفاة أيمن ..
الساعة الأن الثانية عشرة صباحاً..
وأنا في انتظار أهم حدث..
طائرتي..
نعم طائرتي..
فأنا متجه الأن لخارج البلاد ومعي
ملفاتي ولن أخبركم الأن بما فيها ولكن سأرضي بعض فضولكم.. ذلك الانفجار المجهول بالصحراء
الغربية المعلن عنه بالأخبار هو المعمل
وليس هجوم خارجي ..
لقد علمتُ الممول وسوف أنهي ما بدأه
أخي وصديقه ولكني لن اُنهيه كما يريدون هم بل كما أريد أنا !
وأخر رسالة بعثها محمود لأيمن وخو
يلفظ أنفاسه الأخيرة بعدما وصل للسر الكبير ومات أخي قبل أن يعرف فحواها هي :
" اهرب ومن معك
"
تمت وربما لا !
أمجد ..
