وصف المدون

إعلان الرئيسية

أحدث الروايات

 




الحقيقة المخفية 2 ..

 

 

الليلة الأربعين ..

 

لقد توفى أخي منذ تسعة وثلاثون ليلة ، وهذه هي الأخيرة  كما أخبرني أنه في تمام الساعة الثانية عشر من ليلته الأربعين بعد موته ستتغير حياتي بأكملها ،

لذلك سوف أنتظر ما سيحدث عند منتصف الليل بعدما رأيت الموت رؤي العين كُل ليلة بسبب أغرب أحداث مرت على بشري من قبل ، فكُل ما رأيته وسمعته كان بعين وصوت أخي المتوفي حديثًا والذي وافته المنية أمام عيني !

دعوني أقص لكم ما حدث ريثما تدق الثانية عشر علّني أرحل لأبي وأمي وأخي كي ينتهي هذا الكابوس ..

 

أنا أمجد عمري هو تسعة وعشرون  سنة ،

توفي والدي ووالدتي في سنة واحدة قبل أن أعي ما يحدث ..

كنت وقتها في الثانية عشر ، غلام ذكي متفوق في دراسته توفى والديه وتركوه لأخيه الأكبر الذي تحمل مسؤوليته هو وأمه لعدة شهور قبل وفاة أمي ،

 

كان يعمل كل ما يخطر على البال حتى يلبي احتياجاتنا كي يريح أمي المُتعبة من كثرة الهموم ، توفى والدي في حادثة عمل في أحد مصانع الحديد ، كل ما تكرم علينا به رؤساء مجلس إدارة المصنع الكبير ، حفنة من الجُنيهات استطعنا به أن نبتاع شقة صغيرة في أحد الأحياء الشعبية حتى لا نعاني من الشقق المستأجرة وخاصة أن معاش أبي لن يغطي حتى مأكلنا ومشربنا ،

 

 أخي وقتها كان يكبرني بثلاث سنوات فقط ، رفض أن اترك مدرستي لتفوقي وقرر أن يعمل هو كي اُكمل أنا تعليمي وأخذ شهادتي الكبيرة التي ستُنقذنا من هذا الفقر ..

ولكن أمي لم تتحمل سوء معيشتنا الشديدة رغم جهود أخي المُضنية ، اصابها مرض عُضال توفت على أثره قبل ذكرى وفاة أبي بشهر واحد ،

غلام في سني الصغير وفي ظروفي البائسة سيكون خياره الوحيد هو الضياع ، ولكن أخي أبى ذلك فقد قام مقام والدي بشكل لم اتخيله حتى استطعت الوقوف على قدمي وقررت أن لا أخذله أبدًا مهما حييت ..

 

وقتها كان يعمل في أكثر من عمل ويمتهن عدة مهن لا علاقة لها ببعض ، الأهم عنده كان المال الذي يغطي حاجتي ،

عمل مع ميكانيكي سيارات ، وبعد عدة شهور عمل مع بقال كصبي يوصل الطلبات ، وأخرى مع سمكري سيارات ، نهاية بعامل بناء ، حتى قابل أحد زملاء ابي القدامى ويبدوا أن مظهره الغير لائق وصدمته لوفاة والدتي جعل قلب الرجل ينفطر عليه فاقترح على أخي أن يعمل كعامل في المصنع براتب مُجزي لنا ،

لن أنسى وجه أخي يومها حين عاد للمنزل يتراقص بفرح شديد ويحتضنني ويخبرني بالبشرى وأن اصدقاء والدي قد اجتمعوا اليوم وذهبوا لرئيس مجلس الادارة كي أعمل في المصنع بدوام كامل ،

 

 ولكني للعجب لم استطيع أن افرح مثله بل انفطر قلبي عندما تذكرت تفاصيل حادثة والدي ، يومها حزن أخي كثيرة وتشاجرنا لأول مرة منذ وفاة والدي لاعتراضي الشديد على هذا العمل ، لدرجة أنني أصريت أن اترك المدرسة وأعمل حتى لا يضطر للعمل في هذا المصنع المشؤوم ، وعندما صرحت له بذلك صفعني على وجهي وبغضب شديد قال لي  :

-    لو قولت كدا تاني ولا أنت اخويا ولا أعرفك ..

ثم تركني وخرج من الشقة وعلامات الحزن تقطر وجعًا من ملامحة ، لا أدري هل هو حزين لأنه صفعني أم لأنه خائف مثلي أن يكون مصيره مثل أبي !

وبعد عدة أسابيع من المداومة على العمل الجديد الشاق كما كان يخبرنا والدي إلا أنه كان سعيدًا ولكنه لم يتحدث معي في الساعات القليلة التي كنا نجلس بها سويًا إلا عن شخص واحد وهو  المهندس " محمود " مفتاح السر والمسؤول الوحيد عن فاجعتي في أخي ،

كما كان يقص لي أخي يسمونه

 " عبقرينوا " لم تقف أمامه مشكلة فنية في أي آلة من الآلات التي لا حصر لها في هذا المصنع الكبير ، لم يتحدث عن أحد غيره طوال سنوات ،

كان يمثل له المثل الأعلى الذي افتقده منذ صغره حتى في حياة أبي ، فقد كان يعامله بجفاف شديد لأنه لم يكن بتفوقي في الدراسة لذلك مان منبوذ عند أبي ، على عكس المهندس محمود الذي يعامله معاملة خاصة باهتمام زائد عن الحد كما كان يقول لي أخي فهو لم يكن يناديه سوى " صديقي الصغير "

حتى حانت لحظتي الخاصة وهي دخولي " الثانوية العامة " لم يدخر جهدًا فوق الجهد حتى أظل متفوقًا وأكثر بقليل إلى أن صار كل أمله أن اُصبح مهندسًا كمثله الأعلى ،

 

مرت السنة الدراسية الثقيلة التي انهكتني للغاية وجاء اليوم المُنتظر ، يوم اعلان النتيجة .. لا أتذكر أنني كنت اعاني من القلق أو الخوف من القادم ، فعلت ما بوسعي كي يفرح أخي فقط وبعدها لم أكن أبالي بأي نتائج ، لم ينم ليلتها وظل جالسًا بجواري كلما غفوت أيقظني كي انظر للحاسوب الذي ابتاعه لي ، مرت على أخي أسوء ساعات انتظار حتى ظهرت النتيجة بعدما أوشك على فقد الأمل ،

ولكنها ظهرت كما يرغب ، لقد حصلت على مجموع كلية هندسة ببضع درجات ،

لم أرى أخي بهذه السعادة من قبل ، لقد قام من مكانة وبدأ في الرقص بشكل هيستري وهو يمسك يدي لأرقص معه ، ثم احتضنني ليحملني ويدور بي بسعادة وهو يقول :

-    عملتها يا وحش ، يا أشطر وأجمل أخ في الكون .. وأخيرًا تعب جه بفايدة ،

حاولت مقاطعته ولكنني عجزت عن ذلك ، فأنا لا أرغب في الالتحاق بكلية الهندسة ، بل كان شغفي الوحيد هو الرسم ، حاولت أن احدثه عن رغبتي في الالتحاق بكلية الفنون الجميلة ولكني توقفت حتى ينتهي من فقرته السعيدة والفخورة بي ،

عندما انتهى ونظر نحوي تلك النظرة التي انستني تعب سنتين كاملين ، استجمعت شجاعتي واخبرته بهوايتي ، انقلبت سعادة أخي لحزن ثم تبعها غضب شديد جعلها يصرخ بي :

-    هتدخل كلية الهندسة ورجلك فوق رقبتك ، ومش بس كدا دا أنت هتدخل القسم اللي هقولك عليه كمان ..

ثم أتبع صراخه بتهديد صريح أنه سيقطع مصروفي الشهري وسوف يرفع يده عني لو أصريت على رغبتي ، ثم تركني غاضبًا منه ومن نفسي على تسرعي الذي حطم احلامه ،

دلفتُ لغرفتي ونمت وأنا حزين على ما آلت إليه الأمور بيننا ، ولكن كرامتي انتصرت حينما قررت أنا أفعل ما أريده وسوف أعمل بجانب الجامعة التي أريدها وليست التي يتمناها أخي وسوف اتكفل بمصاريفي ..

بعدما استغرقت في النوم عدة ساعات شعرت بيده تتجول على رأسي بحنان افتقدته من أمي ، فهي الاي كانت تفعل هذا دائمًا ، تأتيني في الليل وتُمسد على شعري وهي تتلوا بعض الآيات ثم تتركني بعد تُقبل جبهتي وتذهب ،

فعل أيمن كما كانت تفعله أمي حتى ظننت أنني أحلم بها ، ولكني حين فتحت عيني وجدته هو ،

اعتدلت جالسًا فوجدته يضع امامي طعامًا فاخرًا ومياه غازية وكعكة كبيرة مزينة ومكسوة بالفواكه كما أحببتها دومًا ،

نظر لعيني الحزينة وقال لي :

- محتفلناش بنجاحك وتفوقك يا بطل

أجبته بغضب :

- أنا هشتغل وأدخل الكلية اللي أنا عاوزها يا أيمن وكتر خيرك على كدا ..

ترقرقت عيناه بالدموع وجرني لأحضانه وهو يقول بصوتًا شجي لم اسمعه منه من قبل :  

- أنا عمري ما هخليك تتخلى عن هوايتك بس الفن دا هواية ممكن جدًا اخليك تحافظ عليها وهديك كل الفلوس اللي تحتاجها عشان تتعلمها في كورسات وعند أحسن فنانين ، لكن اللي أنا عاوزك تدرسه مش هتعرف تتعلمه غير في جامعة كبيرة ، انا عاوزك تملُك مستقبلك ومستقبل العالم كله يا أمجد ، لو سمعت كلامي صدقني هوصلك لمكانة وهدف هيخلدوا اسمك في التاريخ ، دا غير اللي هتوصله أنت بمساعدتي هيخلنا مع بعض للأبد ومعنا فلوس مش هنعرف نعدها ..

 

تعجبت من حديثة الغريب كليًا ولكني لا أنكر أنه اقنعني بوجهة نظره ، أنا بالفعل استطيع الرسم جيدًا وبإمكاني تعزيز موهبتي بطرق كثيرة ولكن ما قاله لي أخي لن استطيع الحصول عليه سوى بالعلم ،

وافقت ورضيت واحتفلت معه وبالفعل التحقت  بكلية الهندسة قسم " ميكاترونيكس " بناءً على طلبه  ،

مرت الخمس سنوات كان الفضل الكبير لمرورها بهذه السهولة توفيق من الله أولًا ثم أيمن ،

اته أن يظل فخورًا بي وأنا أتخرج من الجامعة بتقدير كبير لأرى نظرة الحفاوة بعينيه مثلما رأيتها كل سنة تفوقت بها ، ليعدني هو أنني لو استمريت على هذا التفوق سيجعلني التحق بجامعة كبيرة في الخارج وانه يدخر من الأن المال لذلك ،

رفض أيمن رفضًا تامًا أن أعمل وقت اجازتي الصيفية كي اساعده في المصروفات ، كلما فاتحته بذلك الموضوع يقول لي :

-    مالكش دعوة أنت اجتهد بس وكل اللي أنت عاوزه هجيبهولك ..

 

حتى جاء آخر يوم في اختباراتي للسنة الأخيرة ، منذ الصباح وعند خروجي كان أيمن في حالة عجيبة لم الاحظها من قبل ، عيناه زائغة ويرفض النظر إلي !

حتى انه ذهب للعمل دون توديعي كل ما قاله :

-    ما تتأخرش بعد الامتحان عاوزك ضروري ،

انهيت اختباري كما ارتضيت وشعرت بالسعادة لانتهائي من هذه الجامعة التي استفزت كل قواي ، ولكن في النهاية أخي كان مُحقًا ، رغم المجهود الشاق إلا أنني الأن ذو علم كبير ..

 

عُدت للمنزل فوجدت أخي ينتظرني في غرفتي ، تعجبت من ذلك ولكنه لم يمنح لي فرصة للتفكير ..

فقد حمل عدة مستندات كبيرة من على مكتبي ووضعهم بين راحت يدي وهو يقول لي :

-    من انهارده دا شغلك الشاغل ، مش عاوزك تعمل حاجه غير أنك تقرأ الأبحاث والتجارب دي وتكملها ..

سألته بدهشة مما يقوله :

- الأبحاث دي بتاعت مين يا أيمن ؟!

 

 رفض أن يُخبرني واصر على قوله  :

- اعمل اللي بقولك عليه ولما تخلصهم قراءة هاخدك لمكان ماحدش يعرفه غيري ..

امسكت المستندات بكلتا يدي ووضعتها اعلى المكتب الخشبي الخاص بيا وجلست على مقعدي كي انظر نظرة سريعة لأول بحث منهم ثم امضي لأغير ملابسي واحضر طعامًا سريعًا وأعود أدراجي ، ولكني حين جلست وشرعت في قراءة أول بحث لم استطيع القيام من موضعي حتى سمعت آذان الفجر ،

اضطررت للقيام لأقضي حاجتي واصلي فرضي  واحضر بضعة لقيمات تسد جوعي وعدت لمكتبي ولم ابرحه حتى أذان الظهر وظللت هكذا لثلاثة أيام حتى انتهيت منهم جميعًا ..

فضولي كان أقوى من الراحة أو النوم ، غفوت على المكتب لبضعة ساعات من كثرة إرهاقي الشديد ، ولكن عقلي ظل يعمل فيما قرأته ،

آلة كبيرة ستجعل من يدلف داخلها غير قابل للفناء ، سينتقل عبر الهواء لجسد آخر في كون آخر بعمر جديد ، حتى يتقدم عمره فيعاود الكرة وهكذا ..

ضرب من الجنون المنطقي المدعوم بالأدلة والبراهين العلمية ،

الأبحاث جميعها عن " الانفجار العظيم " و " ميكانيكا الكم " و كيفية تحديث الطاقة وانتقالها عبر" الفوتونات " ونظريات مجنونة متداخلة قيد التجربة ولكن كما قُلت هي في النهاية علم

منطقي قابل للتنفيذ !

 فزعت من نومي حين كدت اسقط من على مقعدي فنظرت حولي لعدة ثوانِ حتى عدت للواقع ، ركضت نحو غرفة أخي وايقظته من نومه وقد انفجرت الأسئلة من فمي دون سيطرة وأخي ينظر لي في صمت مُطبق ،

غاظني ما يفعله وصرخت به :

-    جاوبني يا أيمن ما تبصليش كدا

 

نظر لي بعينان ناعسه وهو يردد :

-    مكنتش عارف أنك هتخلص بالسرعة دي أنا افتكرت معتك شعر على الاقل ، عمومًا مدام خلصت يبقى قوم البس على ما البس انا كمان وتعالى معايا ،

 

عدت لغرفتي على عجل وارتديت ملابسي سريعًا وخرجت من الغرفة لأجده امامي ،

اشار لي لأتبعه فنزلنا الدرج وصعدنا لعربته القديمة المتهالكة التي اشتراها بعد ادخار لسنين طويلة لينطلق بها وسط الزحام ثم صعد للكوبري في وسط المدينة لينعطف بسرعة جنونية  نحو الصحراء !

لم يجيب على اسئلتي سوى بكلمة واحدة :

-    بطل اسئلة وهتعرف كل حاجة في وقتها ..

بعد فترة ليست بقصيرة من السير وسط الظلام والفراغ الكبير ، وبعدما تكسرت عظامي من تراقص العربة وهي تمُر فوق الحجارة وتنعطف يمينًا ويسارًا بقوة وامامي اضاءة السيارة القوية التي تشير على عدم وجود حياة في هذه المنطقة الفارغة مما جعلني احاول السيطرة على خوفي المُفرط الذي بدأ يظهر على جسدي المتعرق وحركات قدمي المتوترة ولكني لم استطيع التفوه بكلمة مرة أخرى ، لأني اوقن أن أخي لن يجيب على شيء ..

وأخيرًا توقفت السيارة أمام باب حديدي كبير وضخم للغاية ، تلتصق البوابة بمبني كبير لا ملامح له !

ترجل أخي من السيارة اتبعها انا ليفتح هذا البوابة الحديدية بأرقام اليكترونه ضغطها على شاشة صغيرة موضوعة أعلى طرف البوابة ،

انفتحت البوابة على مصرعيها وحين دلفنا خطوتين انغلقت خلفنا ثانية ،

ممر طويل لم أرى مساحة من الظلام الدامس وقبل أن انطق بدأت المصابيح من فوقي تضئ واحدة تلو الأخرى ،

فغرت فاهي بانبهار حين اتضحت الرؤيا !

معمل أبحاث متكامل ، لا يوجد به احياء أو أموات ،

- بتاع مين دا يا أيمن ؟!

كلمات نطقتها بدهشة وعيني تفحص الآلات بدقة مثل الكاميرا الفوتوغرافية ،

اجابني أخي وهو يفتح بوابة أهرى لم اراها أمامي وأنا أنظر حولي :

- بشمهندس محمود .. بقالنا ١٠ سنين أنا وهو بنبني فيه ،

تعجبت ونظرت له بغرابة وأنا أتساءل بجدية تامة   :

- ومين بيمولكم عشان تبنوا مكان زي دا ؟!

لم يجيب هذا السؤال ودلف للداخل ليقف أمام آلة ضخمة يحيطها الزجاج من كل اتجاه ، غرفة زجاجية كبيرة على جانبيها تروس حديدة موصولة بأسلاك ملونة لا عدد لها ولا حصر !

تتبعت بعيني نهاية الأسلاك فوجدتها تسير بتجاه غرفة زجاجية أخرى على علو كبير تحيطها الشاشات بعرض حائطها على شكل دائري  ،

 

شهقتُ بذهول فابتسم لي قائلًا :

- اقفل فمك دا يا أمجد لسه على الانبهار كتير ، واعمل حسابك بكرة هيكون موتي وفي الليلة الأربعين هتعرف أنت هتعمل إيه بالظبط ..

 

**********

تسمرت أنظاري المصدومة فوق ملامحه المسترخية وكأن ما يتفوه به شيئاً عادياً .. أخي يخبرني بموعد وفاته ويطلب مني تقبل الأمر بكل أريحية .. وبعد دقائق انعقد فيها لساني عن الحديث خرجت الحروف من فمي متعثرة  :

-      أنا مش فاهم حاجة !

 ابتعد عني خطوتين و أشار نحو الغرفة الزجاجية قائلاً بابتسامة مؤكدة :

-      بكرة لما أموت هايبدأ العد التنازلي وفي خلال الأربعين يوم دول هايظهرلك علامات كتير.. كل اللي عايزه منك إنك تفهم وتبحث عن كل كبيرة وصغيرة ..

 

أنهى حديثه بضغطة على مكبس كهربائي ليغلق الغرفة ثم حثني على الخروج كلياً من المكان لنستقل السيارة ونعاود أدراجنا كما أتينا ..

وفي صباح اليوم التالي حدث ما كان مُتوقَع وتوفي أخي بسكتة دماغية أثناء النوم.. حاولت التظاهر بالحزن أمام الجميع وما عزز من موقفي هو الخوف من المجهول الذي أُساق إليه دون فهم ،  وبعد مرور أيام الحداد الثلاثة بدأت رحلتي في عالم افتراضي من صنع أحلام ورؤى غريبة يظهر فيها أخي داخل عوالم أغرب..

 الحلم الأول كان يقف بجوار تمثال لرجل ذو ثلاث أيادي يرفع ساقه بحركة راقصة موضوع داخل دائرة عملاقة حوافها عبارة عن أشكال حجرية تشبه ألسنة اللهب.. استيقظت فَزِعاً عندما رأيت التمثال يتحرك وكأنه يؤدي رقصة معينة وصوت ضحكات أخي العالية يصم آذاني.. حاولت الاستفاقة قدر المستطاع ثم هرعت إلى حاسوبي المحمول كي أبحث عن صورة حقيقية لذلك التمثال على أرض الواقع.. وبالفعل وجدتها إنه تمثال الإله الهندوسي (شيڤا).. في البداية تعجبت لكن مع التعمق في استكشاف الأمر شعرت ببعض القلق حيث أن ذلك الوثن في الثقافة الهندية يرمز إلى الشر والقسوة والخراب وينسب إليه النار فهو الملك المدمّر وغالبا ما يسمى "المسيطر" و الذى يعمل على تخريب جميع الصور التي تتبدى فيها حقيقة الكون .. جميع الخلايا الحية وجميع الكائنات العضوية وكل الأنواع وكل الأفكار وكل ما أبدعته يد الإنسان وكل الكواكب وكل شيء وهو أحد الثالوث الهندي المقدس إلى جانب (براهما) الخالق و(فيشنو) الحافظ وهذه الآلهة الثلاثة هي أقانيم لإله واحد هو الروح الأعظم الذى يسمونه "أتما" .. أغلقت الحاسوب وأنا أعصر عقلي لأصل إلى حل لتلك الأحجية الغامضة لكن دون جدوى وما كان مني إلا الانتظار حتى إشعار آخر .. وفي الليلة التالية رأيت الحلم الثاني حيث كان يقف أخي فوق قمة (برج بابل) .. يشير إلى السماء بكفيه والغريب أنه لم يحدثني ،

 مجرد إشارات مبهمة لا أفهم منها شيء وكالسابق استيقظت مفزوع وأنا أنطق كلمات تشبه تعويذة تستحضر شيء ما وهي :

 (يا أحفاد نوح مقامكم في شنعار ينتظر قيامكم من مرقدكم فلتستعيدوا مجدكم )..

لم أجد ملاذ سوى حاسوبي كي أبحث عن السر الذي يربط الأثر العراقي العتيق بالكلمات التي رددتها أثناء النوم وبالصدفة وبعد بحث طويل وجدت أن هذا البرج ورد ذكره في التوراة فقد جاء في سفر التكوين (الفصل 11 من 1 – 9) أن أحفاد نوح هم من قاموا ببناء برج بابل بعد نهاية الطوفان في سهل شنعار وكان هدفهم من بناءه الوصول إلى السماء ..

 

زادت حيرتي أكثر من تلك المعلومة التي لا أدري مدى صحتها فالمعروف في الوثائق التاريخية أن (برج بابل) تم بناؤه بواسطة الملك (النمرود) وأيضاً لنفس الهدف (الصعود إلى السماء).. مسحت على وجهي براحتي في محاولة مني لتمالك أعصابي التي أصبحت قاب قوسين أو أدنى من الانهيار.. الوضع يزداد غموضاً ولا أستطيع الربط بين الإشارتين فما علاقة تمثال (شيڤا) ببرج (بابل)؟.. ومن هم أحفاد نوح؟.. وماذا يكون سهل شنعار؟.. نفضت تلك الأفكار من رأسي ثم نهضت متجهاً نحو المطبخ لأحضر كوباً كبيراً من النسكافيه لعله يعيد إليّ بعضاً من تركيزي .. مرت الأيام وأنا أنتظر الإشارة الثالثة.. كنت أظن أن أخي سيأتيني كل ليلة من الليالي الأربعين لكنني لم أره سوى مرتين في خلال أسبوعين بعد وفاته..

وحينما كنت أجلس كعادتي أتصفح مواقع الشبكة العنكبوتية بملل مما يحدث أصابني دوار غريب وإذ فجأة اهتزت الأرض تحت أقدامي وانتشر حولي ضباب كثيف حجب رؤيتي تماماً ..

 تسارعت دقات قلبي وتملك الخوف مني بشدة وما أثار رعبي أكثر صوت أخي الذي يهتف بإسمي.. بدأت الرؤية تتضح شيئاً فشيئاً.. اختض جسدي عندما وجدت نفسي أقف في مكان يشبه بوابة ضخمة محاطة بضوء أزرق متوهج.. يقف أمامها رجل ضخم الجثة .. مطموس الوجه وبيده مطرقة عملاقة في آخر سلاحها المعدني شعاع يشبه البرق.. تسمرت مكاني من شدة الهلع لا أقوى على تحريك أطرافي.. اتسعت حدقتاي حتى كادت أن تخرج مقلتاي من محجريهما عندما اقترب أخي من ذلك الرجل قاصداً عبور البوابة فتلقى ضربة عنيفة من مطرقته العملاقة جعلت جسده يتبخر كالدخان وصوت جهوري خشن يصدح في الأرجاء بقوة كادت أن تصم آذاني :

 (أيها الوغد لا أحد يستطيع عبور بوابة النجوم) ..

 أوصدت عيني مستسلماً لذلك القدر اللعين وبحركة سريعة عُدت إلى منزلي وكأن شيئاً لم يحدث.. صدرت مني شهقة عالية كمن يقاوم الموت وبدون تفكير فتحت الحاسوب لأبحث عما يسمى ببوابة النجوم.. وجدت مقالات عديدة جعلت دوامة من التساؤلات تغلف تفكيري حيث أن في عشرينات القرن الماضي عثر مجموعة من العلماء الألمان على شيء غريب في بغداد لكنهم تكتموا عليه وعندما هُزم النازيون في الحرب العالمية الثانية أخبروا الأمريكان عنه وفي عام  2003 احتلت القوات الأمريكية الأراضي العراقية ودخلوا بغداد والمنطقة الخضراء حيث يوجد هذا الشيء الذي  يطلقون عليه (بوابة النجوم) والتي يعتقدون أنها منطقة عبور من الأرض إلى السماء لكنها مقدسة ولا يمكن نقلها من مكانها بالإضافة إلى أنها محروسة بقوى خفية لم يستطع أحد اختراقها.. تملك الذهول مني وأغلقت حاسوبي فاغراً فاهي ببلاهة.. يا إلهي لقد أوشكت على الجنون ومازلت لا أستوعب العلاقة بين كل الإشارات التي تلقيتها من أخي منذ وفاته المزعومة.. شيڤا،  برج بابل، بوابة النجوم.. كيف ترتبط تلك الأشياء ببعضها؟.. وما هو الخيط الذي سيصلهم جميعاً كي تكتمل الصورة..

للأسف لم أجد إجابة ورغماً عني سقطت في نوم عميق لم استفيق منه إلا في صباح اليوم التالي وعلى عكس المتوقع مرت الأحداث التالية بهدوء تام ولم أستقبل أي إشارات من أخي خلال تلك الفترة حتى اليوم الأربعين من وفاته وتحديداً في تمام الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل.. وأثناء جلوسي في غرفتي استعداداً للنوم تفاجأت بجرس الباب يدق برتابة شديدة.. نهضت بتكاسل والحنق يسيطر عليّ لأرى من الطارق الداعي في مثل هذا الوقت المتأخر .. فوجئت بمحمود صديق أخي المقرب يقف بملامح غير مقروءة.. رحبت به بتوجس لكنه رفض الدخول قائلاً بصوت خفيض جعلني أتسمر مكاني :

-      يلا يا أمجد.. أيمن مستنيك !

 اضطربت أنفاسي بشدة لكني حاولت السيطرة على نفسي ثم دخلت لغرفتي كي أرتدي ملابس تصلح للخروج وتبعته في صمت تام.. استقلنا سيارته ووصلنا لنفس المكان الذي أخذني إليه أخي قبل وفاته بيوم واحد ..

قام محمود بفتح البوابة الحديدية بينما أنا أسير خلفه داخل الممر المظلم ومن مكان يعلمه أضاء مصباح الإنارة لتظهر بوابة الغرفة الزجاجية.. أشار لي بالدخول دون أن ينبس بحرف فأطعته بخوف من منظر الأسلاك الكثيرة حتى وصلنا للغرفة الزجاجية الثانية المملوءة بشاشات العرض الكبيرة..

وقف أمامي يطالعني بغموض زاد من حدة توتري وأخيراً تحدث بهدوء منافي للموقف :

-      أكيد انت عايز تعرف أخوك فين وبيعمل إيه دلوقتي ؟! .. أومأت برأسي إيجاباً ولم أرد .. بينما ابتسم هو ابتسامة غير مريحة ثم قام بتشغيل شاشات العرض ..

 صُدِمت مما رأيت.. أخي موجود بالفعل لكنه جالس على كرسي موصول به أسلاك كهربائية .. كل سلك موضوع على جزء معين من جسده.. رأسه.. قلبه.. أطرافه.. تقريباً جميع مراكز الأعصاب الحسية.. ومن حين لآخر يتعرض للصعق بها بشكل جعلني أصرخ بهيستيريا في ذاك الذي يقف بثبات وكأن شيئاً لم يحدث :

-      أنتوا  عملتوا فيه إيه؟ !

عقد محمود ذراعيه خلفه قائلاً وهو يدور حولي :

-      هو اللي اختار والدور جه عليك ..

هدرت به عالياً :

-      وانا مش هاعمل أي حاجة غير لما توقفوا تعذيب فأخويا  ،

 ضحك باستهزاء قائلاً :

-      انت مفكر الموضوع بمزاجك؟.. كل اللي بيحصل وهايحصل اليد العليا فيه ليا أنا و...

سكت لبرهة يراقب ردود أفعالي المتشنجة ثم قال ببطء:

-      أحفاد نوح  ..

ثم فرقع بإصبعيه الوسطى والإبهام ومن العدم ظهرت الإشارات الثلاثة التي تلقيتها خلال الأربعون يوم الماضية (شيڤا).. (برج بابل).. (بوابة النجوم).. وقف محمود في المنتصف رافعاً ذراعيه لأعلى لتتبدل ملامحه بأخرى غريبة .. لحيته نمت وأصبحت أكثر طولاً ..عينيه برزتا أكثر ووجهه اكتسى بلون أزرق مضيء حتى ملابسه تحولت لشيء يشبه عباءات السحرة يصيح بصوت هز الأركان (شنعار ينتظر قيامكم من مرقدكم فلتستعيدوا مجدكم)..

 ثم وجه حديثه إليّ بفحيح كريه :

-      شيڤا يعني الخراب والدمار اللي هايحل على كوكب الأرض لو مانفذتش تعليماتي بالحرف.. وبرج بابل رمز لعمل أحفاد نوح الغير مكتمل و لازم نصحيهم عشان يكملوه ،

 سألته رغم الرعب المسيطر على دواخلي :

-      وبوابة النجوم؟!

 أجابني ضاحكاً :

-      دي اللي هارجع منها لنيبيرو بس بعد ما أكمل فتح باب السماء لأحفاد نوح..

ابتلعت ريقي بصعوبة وتساءلت مجدداً بخوف :  - انت مين؟..

أجابني بزهو فارغ وصوت جهوري :

-      أنا الـNephilim الوحيد المتبقي من عشيرتي اللي خالفت الأوامر وتواصلت مع عالمكم .. استجمعت شجاعتي ورديت عليه بثبات ينافي الموقف :

-      - معنى كده إن فيه عوالم تانية غير العالم الموجود على كوكب الأرض ؟!

أجابني متعمداً التقليل من شأن الجنس البشري :

-      انتم مجرد فوتونات تافهة.. رزم صغيرة من الضوء بتتصرف كأنها جسيمات وأمواج .. صور هولوغرامية بتختفي لو شيلت عينك من عليها.. إنت ظاهر على هيئة جسم صلب لكنك فالحقيقة كرة غبية من الغاز،

 تذكرت أنني قرأت تلك النظرية في أحد الأبحاث التي أعطاها لي أيمن والتي كانت تتحدث عن فيزياء الكم وفرضية العوالم المتوازية.. وبعد تفكير لم يدم إلا لبضع دقائق سألته مرة أخرى :

-       إيه المطلوب مني؟!

 ارتفعت نبرته لتملأ المكان قائلاً :

-      تحقق حلمي وحلم أحفاد نوح وتصنع بوابة الكون .. كل طرق السحر والبناء مانفعتش.. الأمل الوحيد لينا فالعلم ،

اضطررت لمجاراته رغم اعتصار قلبي على حال أخي الذي يتعرض لشحنة قوية من الكهرباء :

 - موافق بس الأول تسيبوا أيمن ..

 اقترب مني يقول بتهديد :

-      احنا ماحدش يتشرط علينا ولو ماعملتش المطلوب منك مصيرك انت وأيمن هايكون الموت ،

حركت رأسي موافقاً ثم قلت :

-      هاعمل اللي اقدر عليه ..

 وبالفعل بدأت العمل على مشروع ضخم عبارة عن مصادم يطلق طاقة عالية جداً الهدف منه  الوصول إلى نواة خلق الكون وفي خلال فترة تعتبر وجيزة لضخامة المشروع استطعت بناء عدة كاشفات للجزيئات واعتمدت في عملي على مسرعات الجسيمات واكتشفت العديد من البوزونات التي غيرت مسار علم فيزياء الطاقة .. خمس سنوات وأنا شغلي الشاغل إيجاد المادة الأولية التي أدت إلى تشكيل الكون ..أجريت عدة تجارب قبل اللحظة الحاسمة والتي جاءت بعد عناء .. ولم أكن في حال يسمح بشرح ما سأقوم به لذلك المدعو بالـ Niphilim  أو كما يعرفه أخي بمحمود .. وقفنا متقابلين في ممر يبلغ طوله 27 كيلو متر كلٍ منا أمامه جهاز دفع مغناطيسي قوته ضعف ضغط جاذبية الأرض بـ 9000 مرة .. أدخلت جسدي في مكان مجوف به يستوعب حجم انسان طبيعي وطلبت منه أن يفعل مثلي بدء الجهاز في قراءة أجسادنا على هيئة مجموعة من البروتونات وبقوة تصل إلى 7 تيرا إلكترون ڤولت وبسرعة تعادل سرعة الضوء تحركنا في اتجاهين متعاكسين لنقطع النفق ثم اصطدمنا في نقطة معينة ومن بعدها تغير كل شيء..

 استيقظت شاهقاً بفزع كمن عادت إليه روحه لأجد نفسي في غرفة نوم داخل منزل لا أعرفه لكنه يبدو أنه منزلي.. انتبهت لصوت امرأة تهتف من الخارج :

-      يلا يا أيمن عشان تتغدى.. أنا هادخل أصحي بابا ..

جحظت عيناي بشدة مما أسمعه.. أين أنا؟.. ومن تكون تلك المرأة؟.. وأي أب تتحدث عنه؟.. قُطعت أفكاري عندما فُتِح الباب لتطل منه بوجه بشوش تقول :

-      انت صحيت ياحبيبي؟

 زادت صدمتي أكثر لكنني أومأت إيجاباً دون حديث .. اقتربت مني تتفحص ملامحي المستريبة متسائلة بتوجس:

-      مالك يا أمجد.. انت تعبان يا حبيبي ؟!

 إنها تعلم إسمي وتتحدث معي كأنني زوجها .. ابتلعت ريقي الجاف بصعوبة لأرد عليها بصوت محشرج من أثر النعاس :

-      أنا كويس ..

-       هل ما حدث ومررت به خلال خمس سنوات وأربعون يوماً مجرد حلم؟..

لا يمكن أنا واثق من أنني عشت تلك التجربة بكل ما فيها .. يا إلهي سأفقد عقلي.. أو ربما فقدته لا أعلم..

بينما تحدثت هي بابتسامة عذبة :

-      الغدا جاهز وأيمن مستنينا بره ..

 نهضت من الفراش سريعاً أسألها بترقب :

-      أيمن مين؟!

-       نظرت إليّ كمن تنظر لمعتوه وردت باستنكار :

-       سلامة عقلك انت نسيت ابنك !

 تسمرت مكاني للحظة ثم تحدثت محاولاً إخفاء ما يعتمل بصدري :

-      معلش أنا صاحي من النوم مش مركز ، و ك .. كنت بحلم بكابوس ،

وضعت يدها الناعمة على وجهي بفزع قائلة :

-      طب أنت حاسس أنك كويس دلوقتي ؟!

ازحت كفها من على وجنتي وقبلتها برقة وأنا ابتسم بشق الأنفس ،  

ضحكت بخفة وتأبطت ذراعي تحثني على الخروج نحو غرفة الطعام قائلة :

-      إوعى تكون نسيت مراتك حبيبتك لاحسن أزعل منك والله ،

 تصنعت المرح كي أجد إجابة لتساؤلاتي قائلاً : - ممكن تفكريني انتِ أصلي شكلي نسيتك بجد : أحاطت رقبتي بذراعيها قائلة بعتاب حميم :

-      بقى كده تنسى طمطم يا وحش ،

 سألتها مبتسماً بثبات زائف :

-      طمطم دي دلع فاطمة؟

رفعت حاجبها تقول بحدة طفيفة :

-      أنت بتهزر ولا بتستهبل؟

 تعمدت الضحك حتى لا تكتشف الأمر قائلاً :

-      بهزر يا طمطم.. ممكن تنادي أيمن عشان ناكل لأني جعان أوي ..

 ابتعدت عني لتدخل غرفة أخرى من الواضح أنها تخص ولدنا.. بينما تهاوى جسدي على المقعد من خلفي وأنا أتفحص المكان حولي بأعين ذاهلة وما أثار دهشتي التاريخ المدون بنتيجة الحائط.. نحن الآن في عام 2020 ..كيف؟ .. مستحيل أنا كنت أدون تجاربي بالتواريخ وآخر تجربة سجلتها كانت بتاريخ 21 ديسمبر 2012 ..هل سافرت عبر الزمن؟.. أم أن التصادم الذي حدث بيني وبين الـ Niphilim نقلني لعالم موازي لا أدري عنه شئ؟.. أخرجني من دوامة أفكاري صوت زوجتي المزعومة هي تهتف باستياء :

-      مش معقول طول النهار قاعد عاللاب توب ولا عايز ياكل ولا يشرب ،

 تداخل صوت آخر مع صوتها ليحدث تشويشاً عميقاً في خلايا دماغي وإذا بفتى يبلغ من العمر حوالي سبعة عشر عاماً يقول بتذمر :

-      هو انا يعني قاعد بلعب؟..ما انتِ عارفة يا ماما اني بذاكر عشان أدخل كلية الهندسة اللي بحلم بيها ،

 يا الله ..ما هذا ؟.. إنه نسخة متطابقة من أخي في مرحلة مرهقته .. لم استطع الحديث من شدة الذهول وجلست معهما حول مائدة الطعام في صمت ..

وبعد دقائق طرأ ببالي سؤال ولن أجد إجابته إلا لديهما أفرغت ما في عقلي من كلمات لترمقني زوجتي بحيرة من أمري فما قلته غريب ويدعو للشك ..

ظلت تتبادل النظرات بريبة مع الفتى ثم أجابت سؤالي بسؤال :

-      أمجد إنت مالك انهاردة أنا بدأت أقلق !

 تحدثت بهدوء ينافي الصخب الذي يدور داخلي :

-      أنا بس كنت عايز أعرف أيمن أخويا فين ؟!  تركت زوجتي الطعام وشبكت أصابعها فوق المنضدة قائلة بتعجب :

-      أخوك مات من ست سنين في حادثة عربية وانت اللي دافنه بإيدك !

نزلت إجابتها على رأسي كالصاعقة.. إذن أخي مات بالفعل ..

-      كان له اصحاب؟!

سألتها فردت باستنكار لتجيب وهي تضيق عينيها بتوجل :

-      صاحبه الوحيد مات معاه في الحادثة.. كانوا ماشيين على طريق صحراوي وعربية أيمن كانت قديمة ما استحملتش واتقلبت بيه هو ومحمود الله يرحمهم ،

 شعرت بالدوار يضرب رأسي حتى أصبحت قاب قوسين أو أدنى من فقدان الوعي ولم أضف كلمة أخرى.. انتهت جلسة الطعام الغريبة تلك ثم انتقلنا لغرفة المعيشة أنا و ولدي المزعوم .. حاولت تجاذب أطراف الحديث معه وسألته بفضول :

-      انت عايز تدرس ايه في كلية الهندسة يا أيمن؟  أجابني الولد بحماس (ميكاترونيكس).. فغرت فاهي بصدمة أشد عندما أمسك حاسوبه الخاص ليفتح متصفح الإنترنت على موقع منظمة تدعى (المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية)..تقع على الحدود بين سويسرا وفرنسا ويرجع تاريخ تأسيسها لعام 1952 .. أمسكت الحاسوب سريعاً لأستوعب ما أراه.. المكان عبارة عن بوابة ضخمة مكتوب فوق لافتتها  CERN اختصاراً للمصطلح Conseil Européen pour  la Recherche Nucléaire كترجمة حرفية لكلمة المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية.. موضوع في مدخلها تمثال الإله الهندوسي (شيڤا) ومع تعمقي في القراءة إكتشفت أنها تعد أضخم مختبر في العالم لأبحاث فيزياء الجسيمات بل تقوم بتشغيل عدة مختبرات عالمية كبيرة أشهرها مصادم الهادرونات الكبير .. تصفحت الأبحاث والدراسات التي أجراها العلماء داخل هذا المكان.. يا إلهي إنها أبحاثي ودراساتي التي عملت عليها خمس سنوات متتالية... ذلك المختبر مختبري و تلك الأشياء تخصني لكن كيف سأثبت صحة حديثي؟.. كيف سأجعل العالم كله يصدق أنني مؤسس تلك اللعنة؟.. وأي كوارث ستحل على الكون إذا ما تداركت الأمر بأقصى سرعة؟ .......

 

****************

تعديل المشاركة
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

Back to top button