وصف المدون

إعلان الرئيسية

أحدث الروايات

 



عطر المرآه

خلود عز الدين

 

وقف أمام المرآة يعدل من قميصه  ويعقد ربطة عنقه وأفكاره كلها هناك حولها،  تنهد بحرقة وهو يغمض عينيه للحظات فالأمر بينهما وصل منحنا غريبا حتى بات لا يعرف كيف يعيد الأمور إلى نصابها، لذلك دعاها اليوم ليخرجا سويا لعل ذلك بعيد للأجواء صفائها وتنقشع معه عاصفة الكراهية العجيبة تلك التي لا يعرف  لظهورها بينهما سببا.

 تلفت حوله يبحث عنها ورائحتها تتخلل أنفه وروحه بينما يراها تدخل متهادية في مشيتها،  جميلة جدا وهادئة كما كانت دائما وشبح ابتسامة يزين محياها  وقماش فستانها الرقيق الذي ناسبها بشدة يرفرف حولها ما جعل دقات قلبه تعلو وهي تتقدم إليه،

حالما التقت عيناهما ضاع في جمالها للحظة أخذته خارج الزمن ، قبل أن تشتعل عينيها  في اللحظة التالية بتلك اللمعة الغريبة وهي تلمح زجاجة العطر في يده ، اقتربت بجنون جعله يتراجع خطوة للخلف وهي تصرخ به في انفعال شديد :

"ليس هذا العطر اللعين مرة أخرى !"

وقف أمامها مذهولا ليقول محاولا امتصاص غضبها :

"لماذا أنت غاضبة هكذا حبيبتي،  إنه مجرد عطر"

قبل أن يستوعب ما يحدث  كانت قد انقضت عليه تنتزع زجاجة العطر من يده، ذلك العطر الذي كاد يودي بعقلها في الفترة الأخيرة، ثم نظرت إليه ومازالت شرارات الغضب لم تخفت من عينيها ،  بينما كان هو حائرا ينظر إليها في استغراب وسؤاله لم يغادر لسانه، دفعته بينما تقذف زجاجة العطر إلى المرآة لتنكسرا معا وتتناثر الشظايا حولهما .

فجأة شعر بألم شديد وبسائل دافئ يتدفق على طول عنقه ، وضع يده هناك ورفعها فرأى دما أحمرا قانيا يغرقها، أحس بالرعب وهو يتحسس عنقه و يستوعب الجرح الذي يقطعه عرضيا وتلك الدماء الكثيفة التي تسيل منه،  فاتسعت عيناه وارتفعت إليها ليجدها تنظر إليه في ذهول وهي تمسك بيدها شظية زجاج مكسورة من المرآة بشكل نصل حاد،  تراجع للخلف في هلع دون أن يستطيع تفسير الأمر حتى سقط على منضدة المرآة وتساقطت الأشياء من حوله، بينما وقفت هي تنظر إليه في صدمة وقد بدا شاحبا مذعورا والدماء تسيل بتدفق غزير من عنقه ، رفعت يديها التي تقطر دما أمام عينيها تنظر لدمائه و لا تعرف كيف وصلت إليها ، ثم نظرت إلى عنقه ذلك الذي طالما وقف أمام هذه المرآة يغرقه من ذلك العطر اللعين،

أرادت أن تهرع إليه لتحتويه وتعيد لون الحياة إلى وجهه، وتخبره أنها تحبه ولكنها تكره ذلك العطر الذي يسرقه منها وأنهما سينجوان من كل هذا الهراء ، لكن قوة غريبة جعلتها ترفع عينيها ناحية المرآة لتجدها سليمة ولا أثر لأي كسر بها ، وهناك بجانبها تقبع زجاجة العطر ممتلئة وكأنها لم تُمس يوما، اتسعت عيناها واقتربت من المرآة تريد أن تلمسها وقلبها يكاد يتوقف من الفزع ،

لكنها لم تستطع الحراك فحاولت الصراخ وهي تنظر هناك إلى ذلك الممدد كالأشباح على منضدة المرآة تمد له يدها لعله ينقذها لكنه ظل ينظر إليها في خوف وعيناه تنتقل ما بين يديها الملطخة بدمائه وما بين عينيها التي ملأها الخوف والجزع  ليزداد هو شحوبا قبل أن تراه يفقد الوعي وهو يسقط  داخل المرآة ، ساعتها كفت عن المقاومة، وسلمت أمرها لتغمض عينيها في انتظار القادم.

 

عندما فتحت عينيها وجدت نفسها ككل مرة ممددة في سريرها، وضوء خافت يعم بالمكان، توجست من الالتفات فظلت تنظر في الفراغ من مكانها لبرهة قبل أن تغلبها عيناها وتتجه صوب المرآة فتراها هناك، صورة امرأة فاتنة تشع بوهج خافت تتوسط مرآتها وعلى ثغرها تعلو بسمة ساخرة قبل أن تحمل في يدها زجاجة العطر ذاك وتبدأ في رشه برائحته الكريهة حتى توشك هي على الإختناق، حاولت أن تهرب من الغرفة لكنها ظلت عاجزة عن الحركة،  وهي تستمع إلى صوت كالفحيح حفظته عن ظهر قلب وقد علا من حولها :

 " هنا مملكتي كل رجل وقف أمامي وشم عطري مصيره إليّ أنا، لا تقاومي فلعنتي لا فرار منها "

ثم تعلو تلك الضحكة المقيتة فتغمض هي عينيها مرة أخرى في انتظار قادم لا فرار منه.

 

بعد فترة كان صوت باب الشقة يُفتح من الخارج فلا يقابله سوى الصمت والخواء،  دخلت أختها الشقة  ثم وقفت على باب غرفة النوم الفارغة يلفها حزن شديد دون أن تتجرأ على الولوج إليها، ووقف زوجها ورائها يحتوي كتفيها بيده في لفتة من دعم يشاركها به منذ فقدت أختها،  ظلت على وضعها حتى قطع صوت زوجها الصمت هادئا مواسيا وهو يجذبها بلطف قائلا:

"هيا عزيزتي علينا أن نذهب من هنا "

دفنت وجهها بصدره وهي تقول بإعياء أنهك قلبها:

"دعنا نبحث مرة أخرى في المكان، ربما نجد ما يدلنا على مكانهما"

رفع وجهها يحتوي وجنتيها ويقبل جبينها باهتمام قائلا:

"حسنا استريحي أنت هنا وأنا سألقي نظرة أخيرة على هذه الغرفة ونرحل بعدها مباشرة، لن نبقى بعدها دقيقة واحدة  في هذه الشقة، اتفقنا؟!"

أومأت له برأسها دون رد حقيقي وهي تتجه إلى أريكة قريبة وتلقي بنفسها عليها، بينما دخل هو بخطواتٍ حذرةٍ إلى الحجرة ليضيء المصباح ويختفي عن عينيها،

دقائق مرت قبل أن تزكم أنفها رائحة كريهة، فنهضت تستطلع الأمر بينما تسمعه يقول:

"حبيبتي وجدت زجاجة عطر غربية برائحة مميزة جدا هنا!!!"

 

تمت

خلود عزالدين ( #تراتيل_البنفسج )

 

عطر المرآة

 

#عطر_المرآة

#قصة_قصيرة

 

 

التصنيفات:
تعديل المشاركة
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

Back to top button