لمحه اخيرة من طيف - خلود عز الدين
تلفتت خلفها
بهلع لتجده مازال يلاحقها، شعرت به يقترب أكثر حتى كادت تسمع حسيس أنفاسه الغاضبه
، شدت خطاها تسرع وهي تتلمس طريقها في الظلام وتقاوم الرعب الذي وصل بها منتهاه
وابتلع روحها قبل أن يبتلع معالم الطريق من حولها، لحظة فقط وكان مطاردها قد تمكن
منها وجذبها بعنف من حجابها حتى تقطع حول رقبتها، خذلها صوتها عندما حاولت الصراخ،
أرادت أن تقاوم لكنها وجدت كل شيء قد تلاشى وابتلعه الظلام من حولها سوى ضحكته
المقيتة ونظراته القاسية، فتحت عينها بقوة وهي تراه يرفع السكين الحاد لرقبتها
فتحررت صرختها أخيرا عالية مرتعبة وهي تحاول دفعه بأقصى ما تستطيع بقوتها الخائرة
لتجد نفسها تسقط فجأة ثم ينتشر الضوء من حولها وقبل أن تستوعب كانت في حضن والدها
الذي حملها ورفعها من الأرض، بينما يصلها صوت
والدتها المشبع بالبكاء وهي تمسد
لها رأسها وصدرها وتقرأ عليها آيات من
كتاب الله، لتغمض عينيها و تستكين إلى صدر والدها وقد هدأت صرخاتها لكن هيهات
للألم أن يهدأ وقد عاد كابوسها من جديد.
بقيت فترة لا
تستطيع أن تجزم هل هي في اليقظة أم في النوم
فكوابيسها لا تختلف كثيرا عن واقعها، تناهى إليها صوت والدها يتحدث بصوت
سكن الشجن نبراته وقد ظن أنها خلدت إلى
النوم : إنه بلا شك ذنبي ربي يعاقبني في
ابنتي لأنني خذلت أخي، إنني أموت كل يوم وأنا أرى ابنتي وزهرة حياتي تذبل مني ولا
أملك لها سقيا، ليتني لم أكن جبانا فيما مضى.
أردت أن تقوم
وتحضنه وتخبره أنه مجرد كابوس وأنها ستكون بخير لكنها حقا لم تكن بخير كما أنها لم
تستطع الاستيقاظ، فاستمعت إلى والدتها
التي قالت من بين دموعها : إنه القدر وحسب، لا تربط أمورا لا صلة لها ببعضها، أخاك
هو من أخطأ عندما طالب بما ليس له وتعدى حدوده مع جده وأباه وما كان بيدك حيلة
ساعتها، هو لم يعطك فرصة لمساعدته لقد اختفى بالله عليك ولم يظهر بعد تلك الليلة
المشؤومة.
رد والدها
بنبرة مريرة مليئة بالحسرة: لقد مات بحسرته وترك أولاده يتعذبون بفقرهم بينما نحن
نتنعم بأموالنا، مات دون أن نستطيع إنقاذه
وإعادته إلينا لقد خذلناه ولم نبحث عنه.
أحست رغم
غيابها بين النوم واليقظة بغضب أمها وهي تقول : لا تقل هذا فأنت لم تكف عن البحث
عنهم حتى وجدتهم وحاولت دعمهم ورعايتهم لولا رفض زوجة أخيك الحقودة تلك
، وها أنت دائما ما تحاول التقرب من أولاد
أخيك وتفتح لهم صدرك وقلبك حتى وهم يعاملونك بجفاء وقسوة بدافع من أمهم .
ليقول والدها
بغصة : لو كنتِ مكانها لفعلتي مثلها، أنا أجد لها الكثير من الأعذار التي لن
أسردها عليك مرة أخرى فأظنك حفظتها من كثرة ما ذكرتها لك، لكن تأكدي أنني لن أتوقف
عن التقرب من أولاد أخي مهما كان الثمن.
سمعت أمها ترد بعنف وانفعال شديد : افعل ما يحلو لك
لكن إياك وإقحام ابنتي في خطط مصالحاتك تلك بأي شكل من الأشكال فأنا لن أقبل أبدا
أبدا ، لقد هددتني تلك الحقودة بأن تأخذ ابنتي مني وتحرق قلبي عليها وتأكد أنني
سأحرق الدنيا كلها قبل أن يمس ابنتي سوء.
كان دور
والدها ليقول بلهجة هادئة لكنها أحست كم كانت
حاسمة وقوية : ابنتك هي ابنتي أيضا، أنا لن أرضى لها إلا ما يرضيها، ولو
حدث وزوجتها لابن عمها فتأكدي أن ذلك لأنه يستحقها فعلا، ولن أجد لها شابا في كمال
أخلاقه وأدبه، أنت تعلمين أنني لست من
يغصب ابنته لشيء، لكن إن ارتضته سأكون سعيدا جدا ولن أسمح لك أو لأي شخص
بتجاوز حدوده في الأمر، هل سمعتني
جيدا ؟!
انقطع بعدها
الحوار لتشعر بهما يغادران غرفتها بغضب ،
حاولت الاستيقاظ مرة أخرى ففشلت، ووجدت
أحداث يومها الذي ظنته مميزا تمر أمامها منذ وقفت أمام مرآتها سعيدة تمسد فستانها
الجديد بكفيها وتتلمسه بفرحة طفولية استعدادا ليومها الأول بالجامعة، حسبت أن هذا
اليوم سيكون ميلادا جديدا لها وتوهمت أنها ستخرج للحياة واثقة وثابتة ، بعد أن ظلت
أسيرة لقوقعة خوفها وحرمت نفسها من التحرك أو الانطلاق بعيدا لسنوات طويلة ،
لكن لعنتها التي توهمت لفترة أنها غادرتها عندما انقطعت
عنها الأطياف والكوابيس قد عادت مرة أخرى ، فما أن خرجت من محيط حيها ووصلت إلى
تلك البقعة المنعزلة التي لابد أن تعبرها لتصل إلى محطة القطار حتى ظهر طيفها
الأسود اللعين وبدأت لحظات المطاردة المخيفة ، في الواقع ذلك الطيف لم يهاجمها
أبدا ولا تعرف ماذا يريد منها هي فقط تشعر به يتبعها كما فعل اليوم ويطاردها بصمت
منذ زمن بعيد ربما منذ كانت في العاشرة من عمرها، لكن طيفها الأسود الذي يظهر في
كابوسها ينجح في إمساكها ويرفع سكينته إلى رقبتها لتستيقظ كل مرة صارخة
مرتعبة، لا تعرف كم مر من الوقت حتى استطاعت
أخيرا أن تفتح عينيها وتستيقظ ، انتبهت إلى الوقت فوجدت موعد جامعتها قد اقترب،
نهضت من فراشها وبدأت تتجهز بهدوء أمام مرآتها وهي تضع بعض الكريم تخفي به سواد
الأرق والإرهاق تحت عينيها، سواد قررت بعزم بعد ليلة طويلة من التفكير فيما يشبه
الغيبوبة أن تمحو كل آثاره من روحها، وقد
حانت اللحظة الحاسمة.
بعد فترة كانت
قد وصلت إلى المنطقة المعزولة خارج حيها وجدت قلبها يخفق بعنف من شدة الخوف لكنها
تماسكت وظلت تسير بهدوء ظاهري منتظرة أن تلمح طيفها المطارد، ما هي إلا لحظات حتى
لمحته يتعقبها فالتفت فجأة وأسرعت ناحيته وقد أخرجت سكينة كانت تخبئها في حقيبتها واتجهت
إليه لتصرخ بصوت حاولت جعله قويا واثقا لكنه خرج مرتعشا رغم عنها : من أنت؟! وماذا تريد مني؟!
لم تتلقى ردا وبدأت تتضح لها الرؤية لتجد أنها أمام شخص
طويل بجسد رجولي متناسق العضلات يرتدي ملابس سوداء ويضع قبعة تخفي أغلب معالم وجهه
بينما يرفع قبة قميصه الأسود ليخفي ما تبقى من ملامحه بها، وقفت تتأمله بحذر
وتنتظر أي رد فعل منه، لكنه بقي صامتا يتأملها كما تتأمله بصمت، وهو ينظر مبهورا إلي فمها الذي زمته في تحفز و
عينيها الواسعتين اللتين ارتعش فيهما الخوف رغم كل الشجاعة التي تقف بها أمامه ،
ظل سؤالها
ماذا تريد مني يتردد في رأسه، ماذا يريد منها أنه لا يعلم حقا، لم تكن سكينتها
تخيفه مطلقا، تأملها ببطء لأول مرة من قرب لتخطف أنفاسه بجسدها الغض الذي لم يستطع
ثوبها المحتشم أن يخفى منه معالم الأنوثة والفتنة، أمال رأسه ينظر إليها ويفكر أنه
يستطيع بحركة واحدة أن ينتزع سكينتها ويحكم قبضته عليها لكنه أبدا لن يفعل، ظل يتأملها بافتنان خارج عن إرادته لتفاجئه
عندما قررت أن تكسر الصمت وتقوم بخطوة متهورة وهي تقنع نفسها أنه لا مجال للتراجع
طالما قررت المواجهة، فاقتربت خطوة واحدة وهي ترفع سكينتها في تحفز وتقول : انزع
قبعتك دعني أرى من أنت.
بدأ إحساس
غريب من المتعة والتسلية يسري بروحه، ليجد
نفسه يريد أن يشاكسها ويستمتع بردود أفعالها المميزة، لكنه قرر أن يمحو نظرة الخوف
أولا، فنزع قبعته وعدل من قميصه ووقف منتظرا ردة فعلها،
شهقة كان كل
ما استطاعت أن تنطق به وهي ترى ابن عمها الأكبر يقف أمامها وقد علا وجهه نظره
غريبة لم تستطع أن تفهمها، ربما لم تعد خائفة لكنها أضحت مشتتة لا تعرف ماذا تفعل،
خفضت سكينتها وألقتها أرضا لتقترب منه بعد أن تمالكت أنفاسها قائلة لنفسها قبل أن يكون له : إذا لم كنت تتبعني
طوال هذه السنين ؟! كنت تحميني أليس كذلك؟!، ليس منطقيا أبدا أن تكون قد خططت
لتؤذيني ؟!
رفعة حاجب مع
نظرة ساخرة كانت كل رده عليها، تجاهلت حركته وهي تقترب منه أكثر وبدأت تتأمله وهي
تكمل كلامها: هل تعلم أنا على يقين أنك لن تؤذيني أبدا ، دائما ما يتكلم عنك أبي
وعن أخلاقك ونجاحك في عملك وعنايتك بإخوتك ووالدتك إنه يحبك كثيرا وأنا كذلك.
كان دوره
لتتسع عيناه فمن بين كل ردود الأفعال التي تخيلها لم يتوقع هذا أبدا، لينتفض فزعا
قبل أن يستوعب صدمته بعد لتكمل عليه وهي تصفق جزلة بيديها بينما تقول : أليست
الفتاة لابن عمها، وأنت كنت تتبعني طوال السنين التي مضت لتحميني وتحافظ علي وأكون
من نصيبك أليس كذلك ؟!
كان ينظر إلى
ابتسامتها الغريبة حائرا ليجد نفسه يعود لسؤالها لماذا كان يتبعها؟! ، لقد نشأ وتربى ووالدته تحكي له كيف ظُلم أبوه
من أسرته وكيف ضيعوه فمات مقهورا، وفي كل لحظة كانت تغذي شعوره بالظلم كانت كذلك
تخبره أنها إنما تربيه وتهيئه للانتقام
لأبيه منهم ،ربما لم يقتنع بكلامها عن
الانتقام لكنه لم يكن ليخذل أمه، و حين تشرب كل كلمة عن الظلم والعجز والقهرجعل
جُل غايته أن يُجنب هذا الشعور لإخوته وقد فعل وأنهى مهمته الأولى فهاهو وقد بلغ
الرابعة والعشرون كون لنفسه ولاخوانه حياة
كريمة مشرفة بعيد عن العجز والقهر وحان وقت الثانية،
لكن ، يقف أمام
ابنة عمه التي تتبعها لسنوات ورآها تكبر أمامه منتظرا اللحظة الحاسمة لينتقم من
عمه بها ، لكنه بدل أن يفعل يجد نفسه يقف مبهورا بعفويتها وجمالها، وهاهي الحمقاء
تثرثر وتتحدث عن زواجه منها، لا يعرف كيف أمال رأسه ينظر إليها باستماع عجز عن
مقاومته وهو يقول لها: إذا أنت تخطبينني لنفسك آنسة حور ؟!
شهقت بينما
تنظر إليه بعتاب ثم رفعت حاجبها مقلدة نظرته الساخرة قائلة : بل أخبرك بما ينقصك
لتكون حياتك أفضل يا أستاذ هيثم
!!
ما أن سمع
قولها حتى انطلقت ضحكته عالية وهويشعر بسعادة غريبة و يدرك أن حياته فعلا ينقصها
الكثير، بينما احمرت وجنتاها وهي تحاول أن
تخفي إنبهارها بضحكته الرجولية وملامح وجهه الذي تخلى عن عبوسه وسخريته فترفع رأسها بشموخ بدا له لذيذا جدا وهي تقول:
إلى اللقاء يا ابن عمي العزيز، ربما أراك قريبا من يعلم ؟!
لتبتعد عنه
وتتركه يقف ورائها مشدوها بها، بينما تكاد هي تقفز فرحا وتقاوم أن تنظر خلفها
لتلمح لمحة أخيرة من طيفٍ مخيف صار حلما جميلا .
تمت ...
خلود عزالدين
