وصف المدون

إعلان الرئيسية

أحدث الروايات

 


عشق ابدي

 

شهقة عالية خرجت منها وهي تضرب صدرها بيدها

"هل جننت، ألا تعرف خطورة الأمر، كيف تسمح لشيء كهذا أن يحدث؟!  يا إلهي لقد ظننت أنها نزوة وستمر ولكنك فيما يبدو لم تكتفِ بالاعتناء بواحدة، وتريد أن تأتي بمجنونة أخرى!"

رد عليها وهو يقف وقد فقد قدرته على التحكم بانفعاله

" أمي لا أسمح لك،  ندى ليست مجنونة، وأنا فعلا أعرف خطورة الحمل، ولكننا درسنا الأمر واستشرنا عدة أطباء قبل هذه الخطوة، وأنا راضٍ بما سيرزقني الله به أيا كان وضعه"

قامت تقترب منه لتربت على كتفه برفق قائلة وهي تحاول أن تمتص غضبه لعلها تقنعه بما تريد:

" إذا كنت تحبها احتفظ بها لا أطلب منك أن تطلقها، لكن لماذا تجازف بينما يمكنك أن تتزوج بأخرى عاقلة وسليمة  وتنجب منها يا بني"

قال بعد أن سحب نفساً عميقاً وعاد ليجلس ويُجلس أمه بجانبه:

"أمي حبيبتي أنا لا أريد زوجة أخرى أنا مكتفٍ بزوجتي، ولا أريد غيرها، ولا تقلقي لقد اطمأننت من الأطباء، صحيح ما زال الإحتمال موجودا، لكنهم أكدوا أنه ضعيف جدا، خاصة أننا لسنا أقارب"

ردت وهي تحرك شفتيها بحركة استياء:

"الأقارب،  آهٍ لو كنت تزوجت من الأقارب لما كان هذا حالك، كنت اتمنى لك أجمل فتيات العائلة تلك التي …"

قاطعها بحزم

"يكفي أمي،  أخبرتك من قبل هذا الأمر منتهي بالنسبة لي ، لقد جئت أخبرك أنني سأرزق بطفل وكنت أتخيل أنك ستفرحين لي لكنك تصرين كما عادتك مؤخرا على تمزيق سعادتي و .."

وضعت يدها على فمه تسكته بجزع وقد غرغرت دموعها عينيها لتقول:

"لا يا ولدي إياك أن تتفوه بهذا الهراء، سعادتك هي سعادتي كل ما في الأمر أنني أمٌ  تريد لولدها الأفضل دائما، ليسعدك ربي يا ابن قلبي وبطني، وليرزقك من فضله بالذرية الصالحة المعافاة "

 

عاد من ذكرياته يرتشف بمهل من فنجان قهوته، و يتأمل المشهد أمامه، أمه على كرسيها ونوارة حياته وبهجتها تجلس على كرسي صغير أمام​ جدتها مستسلمة لضربات الفرشاة  في شعرها العسلي الناعم، وهما تضحكان على شيء لم يصل لأذنيه، لكن سعادتهما وصلته تماما وهو يرى إشراق وجه أمه والصغيرة تشاكسها فتضحك ثم تضربها ضربة صغيرة مازحة على كتفها.

التفت يتأمل زوجته الجميلة التي تجاورهما، ليجدها منشغلةً بقطعة من القماش يبدو أنها تقوم بتطريزها وقد قربتها من عيونها العسلية وكورت فمها من شدة التركيز، ومال شعرها يجري كشلال مموج على أحد كتفيها فكانت لوحة من البهجة والإغراء، أصدر صوتا خفيفا جعلها تنتبه له فرفعت رأسها تنظر إليه، ليغمز لها بعينيه وهو يرسل لها قبلة في الهواء، جعلت وجنتيها تشتعلان بحمرة الخجل، وتنظر إليه نظرة عتاب جعلته يضحك بصوت مرتفع فيزيد من إحراجها لتقوم وهي تتخذ من تجهيز الطعام حجة للهرب .

 

تابعها بعينيه مبتسما وهو يفكر أنه لم يلم أمه ، فكيف يلومها إذا كان والدها نفسه كان يرفض إتاحة فرصة لابنته وكان أول من وقف في وجهه عندما طلبها للزواج، أنها بلا شك جناية مجتمع بأكمله بحقها وحق من هم مثلها، أغمض عينيه عائدا لذكرياته التي لم يمحوها الزمن فما زال يذكر انبهار طفلٍ صغيرٍ بعيونها التي انصهر فيها العسل عندما رآها للمرة الأولى وهي تدخل إلى صفه في المدرسة ، بقيت في صفِّه لعدة أشهر لازمها  فيها بل وجعل نفسه حارسها وحاميها خاصة أنه أكتشف أنها تسكن قريبا منه، كان سعيدا بدوره جدا لكنها لم تكن سعيدةً أبدا، كطفل حينها لم يفهم أو يستوعب نظرتها الحزينة،  حتى فوجئ باختفائها ذات يوم وعندما سأل عنها كان الجواب " لقد ذهبت لمدرسة للمتخلفين أمثالها!! "

مرت السنوات وقد حُفرت نظرتها الحزينة في قلبه، وعندما بدأ يكبر تقصَّى أمرها فعلم أنها شُخصت بمرض التأخر الذهني، ذلك المرض الذي جعلها غير قادرة على التفاعل الإجتماعي، كما أثر على استيعابها الدراسي والمنهجي فنُقلت إلى مدرسةٍ للحالات الخاصة.

 

لم ينسها يوما، ظل يراقبها من بعيد لسنوات، حتى ذلك اليوم عندما كان عائدا من مدرسته الثانوية فرآها تنزل من حافلة مدرستها، وقف يتابعها كما اعتاد كل فترة، وقد تفاجأ بأنها ارتدت حجابا زادها جمالا إلى جمالها، حاول أن يلمح عينيها لكنها كانت تسير في صمت وهي تنظر إلى الأرض، فجأة وجد طفلين مشاغبين يدوران حولها ويحاولان جذب حجابها  بينما وقفت هي في رعب شديد وقد انكمشت على نفسها و تمسكت بحجابها وأخذت تغلق عينيها بشدة ثم تفتحهما لتجد المشاغبين الصغيرين  مايزالان موجودين فتعيد إغلاق عينيها مرة أخرى، وكأنها تشاهد كابوسا مزعجا وتنتظر أن يزول ما أن تعيد فتح عينيها، أسرع بخطواته إليها ليزجر الصغيرين فيسارعان بالهرب، بينما ووقف ينظر إليها ليجدها مازالت تغلق عينيها بشدة فناداها بصوت منخفض:

"ندى"

فتحت عينيها على صوته وهي تنظر حولها في رعب لتجد الأولاد قد رحلوا، فرفعت رأسها  تنظر إليه وتتأمله للحظات ليجد نظرة الرعب قد تلاشت تماما، ووجدها تهتف بفرحة وهي تقترب منه وتضع يديها على شامته التي تجاور عينه اليمنى

"باسل "

ليرد متفاجأً "لازلتِ  تذكرينني "

ظلت تنظر إليه دون رد وقد أشرقت عينيها ولمع عسلهما كما لم  يره من قبل، ساعتها عاهد نفسه وعاهدها في صمت أنه سيكون شمسا تشرق في حياتها وبهجةً تنير روحها البريئة وقد أيقن لحظتها أنه سقط في عشقٍ أبدي.

 

حين أُغرقُ في عينيكِ عيني

ألمح الفجرَ العميقا

وأرى الأمسَ العتيقا

وأرى ما لستُ أدري

وأحسُّ الكون يجري

بين عينيك وعيني.

      أدونيس

 

خلود عزالدين ( #تراتيل_البنفسج )

التصنيفات:
تعديل المشاركة
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

Back to top button