وصف المدون

إعلان الرئيسية

أحدث الروايات

 



الكتاب الأخير


كنت دائمًا مغرمًا بالكتابة، قلمي وحده من كان رفيقي لسنوات وسنوات، خرجت من صومعتي لفترة من الزمن ولكنني عدت دون إرادتي لا أعرف كيف، لم يعد أحدٌ يراني الآن ذلك أن شيئا غريبًا كان قد حدث لي سأخبركم به الآن.

 

بدأ الأمر حين قررت تأليف كتاب ضخم في علم الإجتماع، قررت أن أغادر إلى مكان آخر أكثر هدوء، وجدت حجرةً صغيرةً ملائمة جداً.

أعتقدت أنها الأفضل حقا، وبالرغم من كونها حجرة صغيرة إلا أنني أحببتها، كانت هادئة للغاية وبدأت العمل فيها على كتابي وكنت سعيدًا في بادئ الأمر.

 

ثم بدأت تحدث لي أشياءُ غريبة، أصوات دائمة حولي لا تصمت إلا نادرا، وصفارات أسمعها على فترات متباعدة، وأحيانا كنت أشعر بضوضاءٍ عجيبةٍ تنطلق من حيث لا أدري.

 

أما الأغربُ على الإطلاق فهو ذلك الصوت الذي لا أنفك أسمعه بجانبي وكأنه دقات ساعة تستمر حتى مالا نهاية بصوتها الرتيب، حتى كدت أوقن أن الحجرة مسكونة بالأشباح لا محالة.

 

وها أنا أتحمل هذه الحجرة بكل أشيائها الغريبة حتى أستطيع إنهاء كتابي بعيدًا عن وحشة المنزل القاتلة منذ رحلت مؤنستي الجميلة.

 

سأحكي لكم قصتي الأجمل تلك التي ماذكرتها يوما إلا ورسمت على شفتي بسمة لا تفارقني .

 

كنت من أسرة بسيطة من أعماق الريف البعيد ، وصلت المدينة طالبا بكلية الآداب، مرت السنين حتى حصلت على شهادتي باجتهاد ومثابرة استحققت من ورائها أن أكون معيدًا وتدرجت في سلك الجامعة حتى وصلت أستاذا جامعيا له وضعه ومكانته،

لكنني لم أكن اجتماعيا مطلقا  ولم أحظ بحب الزملاء أو الطلبة أو تفاعلهم إلا بقدر حاجتهم لمعلومة ما أو الاستفسار عن شيء يخص دراستهم .

 

حتى رأيتها كانت طالبة مجتهدة دَرسّتها لسنوات، قبل أن أسلم رآيتي معترفا أنني سقطت في هواها بلا رجعة، واكتشفت لحظتها متفاجئا أن سنين العمر مرت دون أن أدركها ، متى زوجت أخواتي ومتى ماتت أمي ومتى ومتى ...

كلها كانت أحداثا في حياتي تمر دون أن ألتفت إليها و كأنني آلة لا تعرف التوقف ولا التقاط الأنفاس.

 

لا أعرف كيف ولا متى استجمعت شجاعتي يوما و تحدثت معها طالبا الزواج منها وبرغم فارق السن الكبير وكل تلك الشائعات عن الأستاذ المتجهم الأعزب الذي يهابه الجميع، لكنها وافقت!!

 

لم أجد يوما سببا واحدا يدفعها لهذه الموافقة، لكني إن كنت معجبا بها ساعة إذٍ، فقد صرت أحبها بل أتنفسها عشقا حتى الآن.

وهكذا غرقت بعدها في نوع من الحياة لم أكن أعرف وجوده من قبل، وطوال السنوات الثلاث التي تلت ذلك عشت مدللا في حبها، لم أستطع يوما تحديد ما أحببته فيها أكثر ، هل كان ذلك الحنان الذي يتدفق منها جارفا فيحتوي كل من حولها، أم تلك الابتسامة التي لم تفارق شفتيها يوما فتناقض عبوس شفتيَ الدائم.

 

فأنا الذي تربيت يتيما بعيدا عن الحب والحنان أغرقتني فيهما على كبر، وتنعمت بدفءٍ لم يعهده القلب قبلا ولن يعرفه بعدها.

 

كانت جميلة فياضة المشاعر بالقدر الذي كان يجعلني أزعجها كل ليلة وأنا أريد أن أتأكد أنها لن ترحل، لكنها دوما ما قابلت توتري بابتسامة مشرقة تزيدها جمالا، وبمزاحٍ رقيق ينتشلني من عالمي المنهك ويتركني سعيدا منتشيا، لكنه كان يزيدني خوفا وهلعا من لحظة الفراق، وكأنني كنت أشعر أنها سترحل دون وداع بلحظة خاطفة وابتسامة منهكة.

 

أفكر في بعض الأحيان أنه كان من المفترض أن أرحل أنا لا هي، لكنها الأقدار تأتي كما تشاء لا كما نشاء نحن،

مرت تلك الحياة قصيرة كحلم ليلة عابرة وقد رحلت إلى غير رجعة، لن أطيل الحديث عن حالي بعدها، لكنني تجاوزت الأمر بطريقة ما وعدت للكتابة بقوة وعزم هنا في هذه الغرفة الصغيرة العجيبة.

 

والآن أحاول إنهاء هذا الكتاب وأحاول التركيز به برغم كل الأصوات المنبعثة من حولي ، وبرغم تلك الصفارات العجيبة التي أسمعها على مدار اليوم،

لطالما قضيت فترات شبابي بالغرف المتهالكة في الأحياء الصغيرة وسمعت الكثير عن الأشباح وغيرها بل وأحسست بهم في ظلام بعض الليالي الباردة، لكنني لم أبالي يوما.

هذه الأيام بدأت الأمور تتطور بطريقة مزعجة حتى أكاد أجزم في بعض الأحيان أن أحدهم يلمسني ويتحسس صدري وجسدي ، لكنني تكيفت ولو مؤقتا بينما أصرٌ على استكمال كتابي حتى النهاية.

 

يدي اليوم تؤلمني قليلا ومع ذلك أحاول الإمساك بالقلم بقوة، خططت بيدي جملة جديدة

 

"فقط هو اليأس ما قد يقتلك إن تمكن منك، لكن ما عداه سيمضي وطالما تسلحت بالأمل فستنتصر يوما"

 

لا أفهم سياق الأمل هنا في كتاب متخصص عن علم الاجتماع لكنني اعترفت بيني وبين نفسي أن هذه الجملة رائعة فقط أريد أن أضيف إلى جوارها شيئا وأنمقها أكثر،

 

مهلا كأن طيفها الجميل قد مر أمام عيني، توقفت وتشتت تركيزي وقد اجتاحني الشوق بشدة، وتساءلت روحي هل هناك أمل أن أراها من جديد؟!!

 

يا إلهي صدري يؤلمني عند التفكير بها ، وكيف لي أن أحيا بدونها، أردت أن أرفع يدي لأمسده لكنني لم أستطع، وأصابعي تطبق على القلم بقوة وصوت صفارة عالية يرتفع من خلفي يضايقني، أردت الالتفات فعجزت عنه، لذا قررت أنني ربما أحتاج إلى بعض الراحة والتوقف عن الكتابة قليلا، فاستسلمت وارتخت يدي ثم سقط القلم...

 

تعالت ضوضاءٌ شديدةٌ بالغرفة وحركات سريعة وصفارات أجهزة كثيرة، وخطوات تروح وتجيء، وأصوات هنا وهناك...

 

هيا... مرة أخرى.... لنحاول ثانية......

 

قبل أن يتلاشى كل شيء ويخفت، بينما ينحني الطبيب بإنهاك ليكتب على ورقة كانت معلقة على حافة السرير بتفاصيل الحالة

 

" فارق المريض الحياة بعد غيبوبة دامت ستة أشهر!!!"

 

ثم يلتفت للممرضة باستغراب متسائلا

 

-أليس معه أحد؟!

 

فتجيبه في تأثر

 

-لا يا دكتور كل ما نعرفه أنه كان أستاذا جامعيا توفيت زوجته منذ فترة وأحضروه هنا مريضا قبل أن يدخل في هذه الغيبوبة ومنذ ذلك الحين لم يسأل عليه أحد.

 

تراتيل البنفسج

خلود عزالدين

 


التصنيفات:
تعديل المشاركة
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

Back to top button