وصف المدون

إعلان الرئيسية

أحدث الروايات

 


اسطورة خادعة

فتح عينيه على صوت زقزقة العصافير كما يفعل كل يوم ، فهنا في هذا المكان تبدأ العصافير في عزف أغنياتها مع أول خيوط الصباح ، و أنغامها وإن كانت عذبة مبهجة لكنها تظل تسرق النوم من عينيه ، وقد كان ذلك وما يزال  يهلكه فهو يسعى لينام أكبر قدر من الوقت ليهرب من حقيقة مكانه  ووضعه ، لكن ما باليد حيلة ..
 
للحظة لم يستوعب هذا الظلام الذي كان يحتوي المكان فتقلب في سريره ليجد السرير لينا عجيب الهيئة وإن لم يره في الظلام فقد شعر بليونته ونعومته ، بينما يلامس السرير ليستكشف الأمر اصطدمت يده بجسد ناعم غض فانتفض مذعورا
 
بسم الله أين أنا ، من هنا من هنا من ؟!
 
ليسمع صوتا ناعما يرد برقة مهلكة
. مابك حبيبي ماذا حدث ، هل رأيت كابوسا؟!
 
زادت توتره وعصبيته مع عدم رؤيته لشيء في الظلام فخرج صوته غاضبا جدا
 
حبيبي!!! ….    من أنت وأين أنا ؟!
 
أحس بحركتها فترقب ما سيحدث ليجد الضوء يسطع في الغرفة فأغلق عينيه بسرعة متألما من فرق الإضاءة  ، ثم بدأ في فتحهما ببطء لتتجلى صورة مبهرة  أمام عينيه ،
 
كانت تقف بجانب باب الغرفة حسناء بهية الوجه لها عينان كعيون المها بهما حور مهلك كالردى ، ولها أنف استقامت قصبته برقة ثم علت أرنبته قليلا ففاضت عزةً وكبرياءً، ولها فم صغير مكتنز قد رُسم بقدرة إبداع الله و صبغ بحمرةٍ  كأنها دماء قرابين العشق في محراب جمالها ، و كانت تمسك شعرها الحريري من الأمام بوشاح أسود مزين بزخارف وردية اللون زادها رقة وجمال.
أخرجه من تأملها صوتها الناعم وهي تقترب بحذر والقلق بادٍ عليها
 
ما بك .. ، ماذا يحدث معك ،فقط أخبرني ما بك ؟!
 
بدأ يستوعب ما ترتديه هذه الحسناء المهلكة ليصاب بالذهول فيبتعد عنها بسرعة وهو يستغفر ويمنع عينيه من النظر إليها خشية أن يقع في المحظور وما أسهل الوقوع في المحظور إن كان بهذه الفتنة .
 
-لا تقتربي إياك والاقتراب ، قفي بعيدا واستري نفسك بشيء ثم أخبريني من أنت ؟!
 
لم يكن ينظر إليها وإلا لكان رأى اتساع عينيها واحتقان خديها وهي تحاول أن تستر نفسها بحرج و نظرة الذهول لا تفارقها لتقول بصوت كسير وهي تخاطب نفسها
 
استر نفسي !!! منذ متى تستتر المرأة عن زوجها ، يا إلهي ماذا يحدث هنا ، أنا لا أفهم شيئا !!
 
بدأت ترتدي إدناء الصلاة والغرفة يعمها الصمت إلا من صوت أنين بكائها الذي تكتمه لتسمع صوته بعد مدة بنبرة أقرب للدهشة منها للاعتذار
 
لا تبكي ولكنني لا أفهم كيف أكون أنا زوجك أنت !!
 
لم يكن لديها ما ترد به إلا أن علا صوت بكائها وقد سمحت لنفسها بالانفجار بالبكاء بلا توقف حتى مع كل اعتذاراته الواهية الحذرة
 
بالله عليك اهدئي يا سيدتي ، أنا لا أعرف ما يحدث مثلك تماما ، فقد كنت بالأمس لا أزال أحاول صنع قارب لانجو..
 
رفع يده يبحث عن جرح كبير كان بها وهو يقول
 
انظري إلى هذه لقد قطعت يدي بالأمس وأنا أقطع الأخشاب في الجزيرة ، وقد كنت أنجزت جزء كبيرا .
 
اقترب من النافذة يزيح ستارتها ويحاول دفع النافذة لتفتح وهو يقول
 
- سأريكِ الأخشاب هناك بقرب الشاطئ
 
فجأة وبينما هو يدفع النافذة اختل توازنه وكاد يسقط أرضا فأغمض عينيه للحظة وحين فتحهما وجد نفسه على السرير الخشبي الذي صنعه بعد أن وصل الجزيرة بفترة قصيرة حين كان قد خرج في رحلة الصيد وقرر أن يبتعد عن مكانه المعتاد من باب التغيير حتى وصل إلى مكان لا يعرفه ولم يعد يعرف للعودة سبيلا.
حاول مرارا وتكرارا أن يحدد اتجاه العودة  لكن العاصفة التي بدأت على حين غرة زادت الأمر سوء ليتحطم قاربه ويظل يصارع الأمواج ويطلب من الله النجاة حتى لاحت له هذه الجزيرة بعد أن كان قد فقد كل أملٍ بالنجاة ،
 
تأمل حاله بيأس أتراه حقا نجا ، ترى أيعقل أن تكون النجاة في المكوث في جزيرة معزولة ونائية لا يستطيع أن يخرج منها !!
 
استغفر الله وقام ليتوضأ ثم صلى فرض ربه بخشوع وهو يدعو الله أن يتقبل منه فهو لا يستطيع تحديد المواقيت الصحيحة لكنه يحرص على الالتزام بفروضه الخمسة ، ثم دعا  الله أن يلهمه الصبر ويعينه ليستطيع الخروج من هذه الجزيرة.أشرف  على جذع شجرة متأملا الجزيرة  فتذكر حكايات أهل القرية عن جزيرة مهجورة تحيط بها منطقة خطيرة كدرع  لا نجاة منه  وتقول الأسطورة أن هذه الجزيرة تسكنها جنيات بارعات الجمال .
انقطع تفكيره للحظة هل من الممكن أن تكون هذه هي الجزيرة؟!
وتلك المنطقة التي انكسر فيها قارب صيده وفقد بها كل شيء بل وكاد يفقد حياته كذلك هي درع الجزيرة؟!
 فكر ساخرا كيف أن الأساطير تحوي العديد من الخرافات لكي تجمل الحقائق المؤلمة ، ربما الحكايات محقة في أن ما يحيط هذه الجزيرة النائية منطقة خطرة وهو بالفعل فقد قاربه بعد صراع شديد مع الرياح والأمواج واكتمل الصراع  بالأمطار لتكون صورة الأسطورة كاملة عن خطورة المكان وعواصفه ، لكن الشق الثاني من الأسطورة  ذلك الذي يحكي عن حوريات الجزيرة الجميلات ليس صحيحا أبدا  فهو هنا منذ ما يقارب سبعة عشرة يوما يحسبها كاملة بالليل والنهار ولم يلتق أحدا هنا وقد تجول في الجزيرة بكل اتجاهاتها ولم ير شيئا أبدا .
 
نفض عنه الذكريات والأساطير وقام ينهي قاربه الذي يبنيه ليستخدمه في الرحيل عائدا إلى قريته وأمه ، بدأ بتثبيت الألواح التي صنعها بالأمس من جذوع الأشجار ،وبينما يعمل لمح جرح ذراعه الطولي فتذكر الألم الذي شعر به ساعةٙ أصابه الحجر المدبب في يده ولا يدري لما ذهبت أفكاره نحو الحسناء التي أراها يده في حلمه العجيب ، أغمض عينيه وهو يتذكر وجهها الفاتن وجسدها المغري فضحك وهو يتذكر إصرارها في الحلم على أنها زوجته ، يا إلهي هل من الممكن أن يتزوج في الحقيقة بفتاة أشبه بـحسناء فاتنة بل أشبه بحورية من أرض الأساطير !!
 
كان الوقت قد قارب الغروب عندما انتبه أنه ما زال ينقصه بعض الأخشاب فقرر أن يحاول الحصول على مزيد منها  قبل غروب الشمس ، اتجه لأحد الأماكن بالجزيرة حيث  كان قد رأى فيه العديد من الأشجار ثم بدأ بالبحث عما يحتاجه  ، بحث حتى تعب دون جدوى  ، بينما كان يبحث بتركيز لفت انتباهه شيء أسود معلق بغصن شجرة يتطاير مع الهواء ، اقترب بحذر يحاول الوصول للغصن ليصيبه ذهول رهيب وهو يتبين الوشاح الأسود بزهوره الوردية ، ذلك الذي يشبه تماما ماكانت ترتديه زوجته الحسناء في الحلم ، سحب الوشاح وظل ينظر إليه متعجبا  وهو يتلفت بحثا عن أحد في الجوار لكنه لم يجد أي أثر لأحد  ، وكان الظلام قد بدأ يغزو المكان فأسرع بخطواته عائدا إلى المكان الذي يأوي إليه ليلا وهو يقبض يده بقوة على الوشاح.
 
انفتحت النافذة ليجد حديقة من أشجار البرتقال أمام عينيه ، أخرج رأسه باستغراب ليبحث عن القارب ولكن لم يجد أي أثر له ، انتبه إلى صوت بكائها فالتفت لها
 
توقفي الآن ، أنا لا أفهم ما يحدث اهدئي حتى نستطيع التفكير معا .
 
ردت عليه من وسط بكائها
 
في ماذا تريدني أن أفكر ، في كيف أن زوجي لا يعرفني
 
حسنا ، لنفترض أنني زوجك ، أخبريني كيف التقينا
 
بدأ صوتها يعلو بالبكاء من جديد لتقول بصوت مفهوم بالكاد من وسط بكائها
 
انت لا تتذكر شيئا عني ، انت لا تعرفني حتى يا إلهي زوجي ذلك الذي كان يتغنى بحبه لي منذ ساعات قليلة لم يعد يعرفني ولا يتذكرني ، أنا سأذهب لأبي لن أبقى معك ابداً
 
كانت تمسح دموعها التي لا تتوقف بطرف حجابها بعنف فانفلتت عقدة الحجاب وظهر الوشاح الذي تلف به شعرها قام يسحب الوشاح من شعرها قائلا
 
انظري هذا الوشاح لقد رأيته على غصن شجرة في تلك الجزيرة
 
ليكمل وهو يتفحصه
 
أنه هو فعلا هذه الورود رأيتها بعيني عندما سحبته من الغصن هناك ، هل كنت على الجزيرة ذلك اليوم ؟!
 
قامت من مكانها واتجهت إلى باب الغرفة وهي تقول
 
هذا الوشاح هديتك لي ، أنت أعطيتني إياه وألبسته لي ومن يومها وأنا لا أخلعه إلا نادرا لأنني أحببته كثيرا ، حسنا هذا يكفي خذ وشاحك وأنا سأذهب لأبي ولن أعود لك أبدا وعد أنت إلى جزيرتك تلك .
 
سبقها ليحول بينها وبين الباب
 
لا انتظري ، ارتدي وشاحك هذا وأنا سأهدأ تماما وأحاول التنقيب في ذاكرتي عن أي شيء.
 
لن أرتدي شيئا ، و سأذهب لأبي.
 
اقترب منها ببطء وفتنتها تغزو روحه
 
حسنا أنا سألبسك إياه مرة أخرى كما فعلت من قبل .
 
رفعت عينيها إليه وقد أشرق وجهها بابتسامة رائعة وسط الدموع جعلتها شديدة الفتنة وهي تقول
حقا تذكرت ذلك !!
 
سلم رايته وقد فقد قدرته على مقاومة فتنتها فجذبها إليه ليقدم قرابينه في محراب جمالها بعد لحظات أسند جبينه إلى جبينها ودقات قلبه تعلو بشده
كأنني في ..
 
ابتلع الكلمة وأغمض عينيه وهو يتذكر الأسطورة التي ملأت رأسه بأوهام لا أصل لها فهذا بالتأكيد مجرد حلم ،
 و فاتنتة هذه مجرد وهم  !!!
 
حين فتح عينيه مرة أخرى وجد نفسه على السرير الخشبي ومازال الوشاح في يده ، ضحك ساخرا من نفسه وهو يربط الوشاح في يده ثم قام إلى قاربه ينهيه بسرعة وعزم على الخلاص وقد قرر أن لا يستسلم فلو كان هذا حلما فليسعى إلى النجاة إذا لعله يكون يوما .
 
ظل يصارع الأمواج ليلتين كاملتين دون أن يغمض له جفن حتى لاحت له سفينة ضخمة ، وبعدها تضاربت الرؤية  والأصوات ، كان يسمع أصواتا كثيرة ويكاد يشعر بنفسه محمولا ، لكن آخر ما يتذكر أنه رآه كانت عيناها الجميلتين وهي تنظر إليه من ظهر السفينة بقلق وتصرخ
 
- هناك قارب به رجل أنقذوه بسرعه أنه جريح ...
 
تمت بحمد الله
 
خلود عزالدين

#تراتيل_البنفسج

التصنيفات:
تعديل المشاركة
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

Back to top button