خرجت من بيته
تحمل بقايا تجربة قاسية خاضتها قسرا ، تلك التجربة التي أخذتها عنوة وتركتها مجرد
شبح يحمل روح أنثى خاوية ، وصدر خالي الوفاض سوى من الشر الذي سيجعلها أقوى
ويمكنها من العيش بأمان بعدما دعست من الجميع .. أمها القاسية وأبيها الطامع
وحبيبها صاحب أول طعنة غدر بعدما خذلها ومن الجولة الأولى ..
وبالنهاية
ذلك الزوج المتغطرس والذي يكبرها بعشرين عام .
ربما تكون قد
نالت حريتها بالأخير بتطليقه لها ولكن تبقى النتيجة غير مرضية ، فالآن لم يعد لها
أحد تلجأ إليه بعدما فقدت عائلتها سوى "إيثار" رفيقتها الوحيدة وعدوتها
الأولى على الإطلاق !
إتجهت سهير
إلى بيت إيثار بقلب منقسم نصفه يلتمس أحضان أمينة يحتمي بجدرانها وآخر يحمل شهوة
الانتقام من المذنب وممن لا ذنب له معا ، معلنا شعار الطغاة " المساواة في
الظلم عدل "
طرقت عدة
طرقات ، حتى سمعت صوته من خلف الباب متسائلا عن هوية القادم ، خفق قلبها للحظة قبل
أن تقوم هي بتحويل خفقاته تلك لنبضات ماكرة باغضة وكأنها استحضرت جميع قوى الشر
بتلك اللحظة ..
فتح الباب
فوجدها أمامه ، بهت ثوانِ لرؤيتها وقد تسارعت نبضاته حتى خيل له أن صوت دقات قلبه
قد يصل لها ، وربما كان محق فرؤيته على هذه الحال أشعرتها بانتشاء المنتقم وجعلتها
تنظر له بابتسامة مغوية معلنة انتصار كبريائها الذي سُحق لأعوام ..
وأخيرا لاحظ
ما أوقع به نفسه فتحولت نظرته الوله إلى عبوس وكأنه لا يرغب برؤيتها محدثها بنبرة
روتينية :
مرحبا سهير
.. انتظري لحظة سأخبر إيثار بقدومك ..
قال جملته
واختفى من أمامها على الفور لم يشأ منحها رفاهية الرد فهو لن يكرر خطأه الأول .
ذهب لزوجته
مستدعيا إياها بنبرة مغتاطة :
ايثار ..
تعاليّ بسرعة !
هرولت إلية
مسرعة ينتابها الدهشة :
ماذا هناك
خالد هل حدث شيء ما ؟
أجابها وقد
بدا عليه بعض الضيق :
لقد حضرت
صديقتك سهير وأنتِ تعلمين كم أبغض تلك المرأة .. اذهبي إليها واجعليها تغادر سريعا
فأنا لا أتحمل رؤيتها .
أومأت رأسها
بالموافقة وهي تتأفف بحسرة ..
تعلم جيدا
أنه لم يشعر بالارتياح أبدا تجاه صديقتها المقربة ، بل وخابت جميع محاولاتها في
اكتشاف سببا مقنعا لذلك ، ولم تحصل منه على إجابة شافية تطفئ شرر تساؤلاتها
المتقدة ، لا تعلم بأنه قد يمنحها الإجابة يوما ما بما سيحطم كل توقعاتها وربما
كيانها أيضا ...
*******************************
جلس على
مائدة الطعام ، ينظر لها تارة ولزوجته تارة ولأولاده قربان المستقبل تارة أخرى ،
لا يصدق أنها ببيته وبغرفة طعامه ، بل وترتدي ثياب زوجته ، عباءة منزلية عادية
رآها لآلاف المرات على زوجته والآن يرى نفس العباءة ولكن بشكل مختلف ..
جذابة .. ملفته .. ومغوية أيضا .. ويا للمصيبه !
كيف وافق
إيثار على هذه المهزلة ، لا يستوعب أنها ستمكث ببيته ولمدة شهر كامل ، نظر لزوجته
نظرة مغتاظة متذكرا حديثهما بالأمس و ...........
خالد بنبرة
غاضبة :مستحيل إيثار .. مستحيل ليست هذه المرأة بالأخص .
أجابته إيثار
بنظرة راجية : أرجوك خالد .. إنها صديقتي الوحيدة وبعد طلاقها لم يعد لها أحد ، لا
يمكنني تركها هكذا !
خالد وقد
ارتفع صوته : قولت لكِ لا .. ألا تفهمين ؟!
"رجاء خالد
اخفض صوتك سوف تسمعنا سهير " قالتها إيثار باستجداء
استدار خالد
مبتعدا عنها بغضب ولكنها لم تكف عن المحاولة :
خالد .. لا
تفعل هذا أرجوك أنه فقط مجرد شهر وسيمر سريعا .. أعدك ألا تشعر بوجودها أبدا .. من
فضلك حبيبي
ووافق خالد
تحت إصرارها وليته ما فعل !
"غبية إيثار
لا تدري ما الذي أوقعتي نفسك وأوقعتني به .. كارثه "هكذا حدث خالد نفسه
أما عن سهير
فظلت تترقب حركاته وسكناته وهي تعلم جيدا ما يلج بصدره ، وقد لاحظت أن تأثيرها
عليه لم ينضب بعد مما يسهل عليها مهمتها فبدأت باستخدام جميع أسلحتها ومن أول لحظة
دلفت بها بيته ، فليس أمامها الكثير من الوقت .
قطعت شرودهما
إيثار موجهة الحديث لزوجها :
خالد لا تنس
اليوم سأذهب لزيارة أمي في الخامسة
أوه لاااا :
قالها خالد وقد تذكر
لقد نسيت
تماما ، حسنا سأصطحبك إلى هناك
أمالت إيثار
رأسها وبنبرة معترضة :
- بالطبع لا ..
سأذهب بمفردي أنسيت عليك إنهاء مذاكرة الأولاد فلديهم اختبارا نهائيا يوم غد ،
وأنت فقط من يستطيع تدريسهم اللغة الانجليزية ..
انتبه خالد
لحديثها وبنظرة عفوية لسهير التي أظهرت ابتسامة خبيثة قد فهم ما ترنو إليه ولكنه
لن يمنحها غايتها مهما كلف الأمر .
حسنا إيثار
لا داعي لذهابك اليوم سنذهب جميعا إليها في الغد وحتى يتسنى لها أيضا رؤية الأولاد
..
حاولت إيثار
الاعتراض ولكنه أوقفها بحزم :
ايثار لن
أعيدها مرتين ، قلت سنذهب جميعا في الغد وانتهى الأمر
أتم خالد
جملته ونهض على الفور شاعرا ببعض الراحة خاصة بعدما لاحظ تغير وجه سهير إلى العبوس
إذن فقد كان محقا ، ومن ثم قام باستدعاء زوجته أثناء توجهه لغرفته : -ايثار وافيني
بغرفتنا في الحال .
أما عن سهير
فما أن سمعت جملته الأخيرة حتى شعرت بنار غيرة حارقة تجتاح صدرها من كل جانب ، تلك
النار التي حاولت اخمادها منذ ست سنوات والآن أيقنت بأنها لا تستطيع ذلك !
"حسنا خالد
تعلنها حربا إذن .. يالك من مسكين وهل صمد رجل يوما أمام كيد أنثى ؟!"
هكذا حدثت
سهير نفسها متوعدة كليهما بما لا يتوقعاه والعبرة بالنهاية ...
وأخيرا بعد
اسبوعين من المحاولات الفاشلة سنحت لها فرصتها الذهبية ، ايثار منشغلة بإعداد
العزيمة التي دعى لها خالد شريكه بالعمل ، الاولاد يلعبون بالخارج ، وهو قابع
بغرفة نومه ربما نائم أو هكذا ادعى كي يهرب من الإلتقاء بعينيها التي مازال يضعف
أمام بريقهما ، يحاول تجنب رؤيتها منذ أن خطت إلى منزله بشتى الطرق ، والآن جاءت
اللحظة التي انتظرتها كثيرا حتى كادت ان تفقد الامل ..
وبحركة هادئة
مترقبة تسللت ببطء لغرفته خفية ، وأغلفت الباب خلفها بهدوء .. انتفض لرؤيتها ..
ردائها الخطر .. عطرها المثير الذي داعب انفه حتى من قبل دخولها عليه ، حاول تهدئة
أنفاسه المتسارعة وبصوت زاعق نسبيا وهو يصك أسنانه غيظا بادرها :
هل جننتي سهير
؟ ميف تجرأت قدميك بالمجئ إلى هنا ؟ هيا اغربي عن وحهي سريعا قبل أن تراكِ
إيثار
اقتربت منه
ونظرت له بعين مظلمة لم يفهم ماهية تلك النظرة السوداء ، ولكنها حتما تنم عن حقد
دفين وبصوت أقرب إلى أصوات الموتى اجابته :
ألهذه الدرجة
تحبها ؟تقلق بشأن غضبها وتعمل لها ألف حساب ؟
أجابها بنبرة
متحدية :نعم أحبها وبشدة إنها الوحيدة التي وقفت إلى جانبي حين كنت لا أملك شيئا
وحتى وصلت لما أنا عليه الآن كله بفضلها هي ، يكفي أنها لم تتركني وتتزوج بآخر
طمعا بماله كفعل بعضهن !
بالطبع
يقصدها هي، حبه الاول
الذي تنفسه
منذ الصغر ، ثلاثة أطفال يتشاركون المرح ، الطعام ، الدمى ، والحب أيضا هو وهي
وإيثار .. المسكينة التي أحبته فقط ، لم تعلم قط بأنه على علاقة بجارتها ورفيقة
العمر ، ولم تتحدث إليها سهير بشأنه ولو لمرة واحدة ، لا تعلم سوى أنها
أحبته وكان عليها الموافقه به حين تقدم لخطبتها وأن تدعمه أكثر مما تتفعل أي امرأة
محبة بمعشوقها ، أما سهير فلم تعد بالنسبة له سوى خائنة باعت عشقه لها مقابل بضعة
ورقات نقدية ، وألقت بنفسها بين
أحضان رجل
يكبرها بأكثر من عشرين عام، فما كان عليه إلا أن يقتلها بقلبه ويدفنهما معا تحت ثرى
النسيان الأبدي أو هكذا ظن !
رفعت إحدى
حاجبيها مستنكرة : حقا؟
تقول أنني
خنتك وتزوجت بآخر طمعا بالمال ؟
منذ متى خالد
كان مصير فتاه مثلي بيديها ؟ لقد اجبرت على تلك الزيجة وأنت تعلم ذلك جيدا أما انت
فقد هربت ضعفت وجبنت وتركتني ومن أول مواجهة مع أهلى ..
هل هذا هو
حبك الذي تزعم ؟ ألم أطلب منك أن نهرب سويا ونغادر تلك البلدة بمن فيها
ولم توافق
حينها بحجة الاصول والتقاليد بل وتركتني أيضا لمصيىي المظلم ، أنت من خنت خالد
ولست انا ...
اجابها خالد
بنبرة ساخرة :
لا تحاولين
خداعي سهير ، فقد اكتفيت بمرة واحدة ، هل تريدين اقناعي ببراءتك ؟ اطمئني
أنا لا أعاتبك ولا أضعك الآن أمام محكمة العشق فلقد أصبحت لاةشئ بالنسبة لي ، أعلم
جيدا
لما أتيتِ
سهير فأنا لا زلت على دراية بميفية سبر أغوار قلبك ..
اليوم فقط
وقد أصبحت رجل ثري وأملك شركة كبيرة ذات سمعة وصيت ، فما المانع من الطلاق من زوجك
الكاهل واسترجاع الحب القديم ..أليس كذلك
حاولت سهير
استدعاء الدموع لعينيها باي طريقة فهذا ما تبقى لها من أسلحة كما أنها تعلم جيدا
تأثير تلك الدمعات بقلبه ، فقد نجحت بالفعل بعدما استطاعت اطلاق ماء عينيها بلا
حساب
وهي تقترب
منه بدرجة خطرة وبنظرة منكسرة أتقنتها :
أهكذا تراني
خالد ؟ كل هذا الحقد تكنه بقلبك لي ؟يشهد الله على أن قلبي لم ينبض لغيرك ، لا
أعلم لم تصر دائما على أن تظلمني ألم يكفك ما احل بي ؟
ألم يرق قلبك
لحالي وأنا أتالم والجميع على علم بمعاناتي مع ذاك الزوج الاحمق ، ومع ذلك فقد
سامحتك خالد وإن قتلتني ألف مرة وإن لم أعد أعني لك شيئا فستبقى بقلبي كل شئ ..
اكملت جملتها
بصوت متهدج وقد استطاعت اغراق وجنتيها بالدموع خاصة بعدما لاحظت لين ملامحه إثر
كلماتها : صدقني خالد لم أعد اليوم لأجل مال أو حتى زواج فقط أريد استرجاع بيتي
الحامي بين نبضات قلبك هذا يكفيني وفقط ، واتبعت جملتها بقبلة سريعة فوق شفتيه ومن
ثم اختفت من أمامه بلحظة واحده ، ولم تدر بأن هناك عينان لمحت تسللها من الغرفة في
صمت ولكنها لن تبق صامته لوقت طويل
لا يعرف
تحديدا ما الذي أصابه ، منذ ان لحقته بغرفته يشعر بحنين لها من نوع خاص ، من كان
لا يطيق النظر بوجهها منذ بضعة أيام أصبح اليوم يطالعها بشوق كلما سنحت له الفرصه
، لا يدري هل استشعر الصدق بحديثها له ، أم أنه العشق الذي قتله بيديه استطاعت
كلماتها إعادته للحياة مرة أخرى ...
رغبة أو لهفة
وربما تعنت ذكوري بحت أرادها يوما ما ولم ينل منها شئ والآن يستطيع اتملاكها بعدما
أصبح لديه كل شئ ولكن ماذا عن إيثار ؟!
والتي كان
لها من اسمها نصيب ، الزوجة الوفيه والحبيبة المخلصه من صانته ، ووقفت إلي جواره
ودعمته بروحها وكيانها حتى أصبح ذا شأن والآن من الباطل أن يكون هذا هو الجزاء ...
لااا .. لن
أظلمها .. ستبقى زوجتي وأم لاولادي ، هي تحبني كثيرا وقطعا لن تتركني ، كما
أنها تعتبر سهير بمثابة أخت لها ، وسوف تقدر الموقف ولن تعترض على الاقل من أجل
أولادنا .. أعلم هذا "
هكذا حاول
خالد اقناع نفسه .. ويا لغباء بعضهم !
تعلم جيدا
انها احرزت هدف منقذ بضربة جزاء نظيفة وبآخر دقيقتين من انتهاء المباراة أو لنقل
انتهاء مدة عدتها كمطلقة .. ويالغبطة المنتقم !
تستشعر
نبضاته لها .. نظراته .. عبوسه الذي حاله لابتسامة عذبة كلما رآها ، وهي لم تتوان
في دعم مرماها ضد هدف مضاد بل على العكس دعمدت هدفها بكل جوارحها ، ولم تنس أن تضع
أغنيتها المفضله - كما أخبرت إيثار- على وضع التشغيل بجهاز الحاسوب حتى تصل
كلماتها لقلبه قبل سمعه حتى أنها علقت بأذنيه وأصبح يرددها بنشوة بين الحين والآخر
دون أن يشعر ..
يا قلبي هي
مرة بنتلاقى في العمر مرة
ومهما نحب
تاني مبننساش
حبيبي
الأولاني صعب في يوم يرجعلي تاني
بس مهما يكون
نسينا مبننساش
الفراق قدرك
نصيبك
ليه يا قلبي
اللي يسيبك
يبقى طول
عمره حبيبك
بس ليه ..
ممكن أنسى
اسمي
أنسى الناس
أنسى أعيش
بس أول مرة
أحب
مبتتنسيش !
كانت تدعي
ترتيب طاولة الطعام وهي تحرك جسدها وشفتيها بإغواء على أنغام أغنيتها ، تسترق
النظر لصاحب الابتسامة البلهاء ، تدرك تماما أنه يطالع كل حركة منها وكلاهما سعيد
ما اختلاف الأسباب ، أما عن إيثار التي كانت تراقبهما بحذر فقد زادت الريبة بقلبها
خاصة بعد حديث أمها والتي كانت تحاول جاهدة أن تخفيه وتختلق ألف عذر بعقلها كي لا
تصدقه ، دخلت غرفتها وجلست تفكر في كل ما يحدث ، تغير حال زوجها بين عشية وضحاها ،
والذي لم يذهب لشركته منذ ثلاثة أيام والحجة أنه بحاجه للراحه وهناك من يتولى
مهامه ، تبادل النظرات فيما بينهما والتب لم تكن بريئة غلى الاطلاق ، كما أنه لم
يعد يغضب لوجودها كسابق عهده ، تتذكر كلمات أمها التي مازالت تصدر ضجيجا بعقلها
وقلبها
وكأنها مطرقة
:
- هل جننتِ إيثار ؟
كيف تسمحين لامرأه غريبة المكوث ببيتك ومع زوجك ولمدة شهر كامل ؟!
قالتها والدة
إيثار باستنكار غاضب ، بينما حاولت إيثار طمئنتها : ما الداعي لكل هذا الغضب أمي ؟
أنتِ تعلمين جيدا أن سهير ليست رفيقتي فحسب بل شقيقتي وجارة طفولتي ، كيف أتركها
لمصير مجهول ولم يعد لها أحد سواي بعد طلاقها ووفاة والديها أيضا !
ازداد غضب
والدتها فهي تعلم طبيعة ابنتها وكم هي حنونه ورقيقه على كل قريب وغريب ، ولكن
الطيبة بزمننا هذا مجرد غباء وحسب ..
_ حقا !! لا فائدة
منك ِ ، أقول لكِ لقد رأيتها بأم عيني حينما دلفت إلى بيتك يوم العزيمة ولمحتها
تخرج من غرفة نومك وبحذر شديد تتلفت يمنة ويسرى أيتها الحمقاء ، وهي بكامل زينتها
وزوجك بالداخل ، هل تريدين تفسيرا أكثر من هذا ؟! ، إلى متى ستطغى عاطفتك على عقلك
أيتها البلهاء ؟!
ارتبكت إيثار
قليلا ولكن سرعان ما استجمعت ثقتها وأجابتها بيقين :
لا أمي ..
لابد ان هناك سوء فهم ما ، كما أنك أمي من قمتِ بتربيتها ، أنسيتِ ذلك ؟ ، عندما
تركتها امها فور ولادتها وكأنها قطعة نفايات ، معللة بذلك عدم رغبتها بإنجاب أنثى
، أنتِ وحدك أمي من قمتِ برعايتها أنسيتِ كل هذا ؟؟ ، لا يا أمي الحبيبة لا يمكن
ان تفعل سهير هذا بي ، هو بالنسبة لها زوج شقيقتها لا أكثر ، صدقيني أمي ..
نظرت لها
أمها وهي تحرك رأسها بأن لا فائدة منك إيثار وبسخط أم قلقة بشأن
ابنتها التي آثرت بأن تكون هرة بزمن لا يبقى فيه سوى الذئاب :
حسنا إيثار
..يوما ما ستندمين على حديثك هذا كله ولن ينفعك الندم حينها ، تذكري كلماتي هذه
جيدا ..
شعرت إيثار
بالغضب والغيرة يشتعلان بقلبها بعدما استجمعت شتات عقلها وشرعت تحدث نفسها :
"حسنا أمي يبدو أنكِ كنتِ محقة ولكن كيف وهي .... لا لا ..
هذا هو المحال بعينه !!"
#الجزء الخامس
والأخير
مر أسبوعا
كاملا ولازالت إيثار تراقب كل منهما في محاولة لإنهاء ذلك الشك الذي سيقضي عليها
إما بنفي أو إثبات التهمة المشينة على كليهما ، وبالنهاية وفي كلا الحالتين فهي
راحة لها من ألم الترقب والقلق ، ولكن الامر يزداد سوء و المؤلم أن كل ما
يحدث يحدث أمام عينيها وكأنها هواء ، دون حساب لها أو لكرامتها وربما هو جزء من
خطة تلك الحرباء التي زرعتها ببيتها لتريها قيمتها الحقيقية بقلب زوجها رأي العين
!
" لقد تزوجت
بسهير منذ يومين .. عذرا إيثار ولكنها الحقيقة "
ألقى خالد
جملته بوجه إيثار دفعة واحدة كقذيفة لهب من النوع الثقيل ، إثر نقاش حاد بين
ثلاثتهم في مخاولة منها لإيجاد تفسير لما يحدث بينهما بعدما فاض الكيل ، فالمواجهة
أرحم وأفضل لقلبها الممزق
تجمدت
ملامحها للحظات دون أي ردة فعل وكأن الزمن توقف عن السير والأرض والحياة وكل من
حولها سكن ، عدا دقات قلبها التي تقازفت ألما وغضبا وحقدا ، ألم زوجة طعنت غدر ممن
جعلته على قلبها ملكا ، وتوجته روحها وصحتها وجهدها لاعوام .
وحقدا على
تلك المكتنزة التي أخفتها ببيتها حرصا عليها من شرور العالم وغدر الأنفس
الضغيفة ، فكان وجودها كنقبلة موقوته انفجرت بوجهها هي ، وغضبا من نفسها ، من طيبة
قلبها أو غبائها على وجه الدقه ، أكانت أمها محقة عندما نعتتها بالبلهاء أم أنها
تستحق النعت بأكثر من ذك
ولكن لحظة ..
هناك جريمة أبشع هنا ..
تركته إيثار
ووجهت حديثها لسهير مخاطبة عينيها الحمقاوتان اللتان ينسدل منهما شلالات من
الشماتة والحقد : أتعلمين سهير .. لقد توقعت منك كل شئ ، طيلة الأيام
الماضية وأنا أفكر عن مدى ما يمكنك فعله ، توقعت اغوائك واقناعه بتطليقي كي
تتزوجيه ، بل واقناعه ترك اولاده والهرب معك بل والأكثر من ذلك أيضا ، لكن ما لم
أتوقعه منك سهير أن تصل قذارتك إلى حد التعدي وبكل صفاقه وجرأة على حدود الله !
على أي عقيدة
تزوجتِ بزوجي سهير ؟؟
تعثرت نظرات
خالد بينهما في تساؤل مبهم لتنكشف أمامه حقيقه حين أكملت إيثار :
ألم تخبرين
زوجك البهي بأنك شقيقتي بالرضاعه بعدما ألقت بكِ والدة بازدراء فأخذتك أمي وأرضعتك
ورأفت بك ما يقرب من عام ، ألم تخبرينه بأنك محرمة عليه وبأن تلك الزيجة باطلة ؟
ضحكت سهير
بشدة وبكيد امرأة تستمتع بلذة الانتقام من حبيب سابق ودفعة حقد برفيقة فضلت
عليها في كل شئ أجابتها وهي تلف ذراعيها حول عنق خالد بغنج :
_ إذن فليطلقك
إيثار ويحل الأمر .. بسيطة أليس كذلك حبيبي ؟
لحقتها إيثار
بنبرة غضب :
_ ومن أوهمكِ بأنني
سأبقى بعصمته ليوم آخر ؟
ثم أكملت وهي
تطالع زوجها بنظرة متدنية :
من تريد
البقاء ولو للحظة واحدة على ذمة خائن بل وناكر للجميل أيضا ، حقا كل يقع على
شاكلته فهنيئا لكِ به .
أجابتها سهير
بابتسامة خبيثة بعدما ابتعدت عن خالد :
_ومن قال بأنني
أريده ؟
لتكمل بعدها
وقد ملأ الحقد كلماتها :
تعلمين إيثار
، لقد باعني ذلك الوغد من قبل ، كنا حبيبين قبل أن يتزوج بكِ وعدني بألا يتخلى عني
مهما حدث ، لكنه تركني لأتزوج غيره رغما عني ، لم يفعل شئ سوى مراقبتي وأنا أمزق !
بل وأيضا حملني الذنب كله طيلة الاعوام الفائتة ، واليوم فقط أشعر بأن نيران قلبي
قد هدأت بعدما تسببت لفقده أكثر شخص أحبه وأعانه على هذه الدنيا أنتِ إيثار ، ولا
بد أن تشكرينني على هذا فقد أظهرته على حقيقته لكِ ...
وقف خالد
وعيناه تكاد تخرج من مقلتيه وهو يستمع لهدرها ، هي فاجرة وهو مجرد أحمق سقط ببئر
غادر لأنثى ناقمة ، سحبته رويدا رويدا للهاوية بعدما اتبع هواه ، ومهما سيحدث له
فهو يستحقه بجدارة ولكن وجب عليها أن تنال ما تستحقه هي الأخرى ..
وضع كلتا
يديه حول رقبتها أراد أن يقتلها مرة واحده وللأبد ، بعدما قتلته لآلاف
المرات ، ظلت إيثار تحاول ابعاده عن سهير بشتى الطرق لكي لا تلفظ آخر أنفاسها على
يديه فيُزيد الأمر سوءا بفعلته ، لكنه ظل على وضعه حتى سقطت سهير مغشيا عليها ..
ابتعد خالد
عنها وقد تصبب عرقا وهربت منه الدماء ، إذ ظن أنها فارقت الحياة ، أما إيثار
فسرعان ما هاتفت المشفى وهي تحاول إفاقتها حتى وصلت سيارة الإسعاف وشرعوا في حملها
للمشفى قبل أن تلفظ انفاسها ...
وبعد مرور
عام كامل ،،،،،،،
"وفي نهاية
الأمر .. لا تنتظر أن يصفق لك الآخرون على تضحياتك من أجلهم ، ولا تنخدع بتلك
العبارات الحماسية التي يجعلونها تتراقص فوق روحك التي تعذبها لأجل متعتهم دون أن
تحصل على أي نوع من أنواع التقدير وإلا سقطت بفوهة الغباء الأبدي "
أنهت إيثار
بتلك الكلمات الندوة الأدبية التي عقدت لمناقشة روايتها والتي حققت نجاحا كبيرا
ربما لواقعيتها ..
وبينما هي
تستمع بفخر لأصوات التصفيق الحاد وعبارات المديح من حولها رأته يجلس بعيدا بنقطة
خفية بين معجبيها ، يصفق لها بحرارة ولازالت تلمح نظرة الرجاء بعينيه أن"
اغفري لي " تلك النظرة التي أصبحت جزء منه كلما رآها ومنذ أن أصرت على
الفراق ... على الرحيل من عالمه ، وقد أخذت معها كل شئ ليس الأولاد وحسب
بل الحب.. دفء العائلة ..روحها الرقيقة وأيضا الأمان والسكينة التي كان يستشعره
بقربها ، أخذت دعمها له ، ومعهم قلبه أيضا لم يشعر يوما أنه يعشقها إلى هذا الحد
إلا بعد فراقها له ...
ويبقى السؤال
لم لا نشعر دائما بوجود من أحببناهم إلا بعد رحيلهم عنا !!
تمت بحمد
الله ❤
