يراكم هو وقبيله
*************
اليوم الحادي والثلاثون ..
من الشهر الثاني
منذ مضي شهرًا كنت أنظر لانعكاسي في المرآة
على ضوء خفيف انرته في غرفتي فأنا من عشاق الظلام ،
لمحته كالطيف يركض من خلفي ..
وقفت للحظات جاحظة العينين اتأمل الجدار خلفي
عبر المرآة ،
ثم انتقلت بعيني أنظر لباب غرفتي ، أنقبض قلبي فلا
يوجد أحد بالبيت غيري ..
وغرفتي أيضًا مغلقة !
فمن أين دخل هذا ؟ ومن هو !
التفت فلم أجدُ أحدٍ !
بحثت في غرفتي بحذر فلم الاحظ أي أثر
لوجوده ، فتحت بابها وخطوت في اتجاه الصالة خطوات مترددة ،
اقنعت نفسي أنني أهذي فما رأيته لم يكن
سوى خيال ..
تنفست الصعداء وسرت حتى وصلت لغرفة المعيشة
انتفضت جسدي وصرخت صرخة مكتومة حين وجدته يقف في زاوية مظلمة يواليني ظهره صحت بصوت
مرتفع وأنا أسأله :
"من أنت ؟! "
ولكن للعجب لم يلتفت نحوي !
رجل ذو جسد كبير وملئ بالعضلات يرتدي
ثوب أسود اللون يغطيه من رأسه ويتدلى طرفه على سجادتنا الوردية ،
اقتربتُ منه بحرص شديد حتى وقفت خلفه تمامًا
وأنا أكرر سؤالي ،
وحين التفت يواجهني لم أتذكر ماذا حدث
حتى الأن سوى رؤيتي لعيناه السوداء القاتمة قبل أن يغُشى علي ،
من وقتها وأنا أعيش معه خلف الظلال أراكم
جميعاً من حيث لا ترونني ..
شاهدت عائلتي بأكملها تبكيني وتُشيع جثماني الذي لا اعرف هو لأي فتاة ولا
أعلم كيف وضعوه هناك ، استمريت بالصراخ لهم :
" هذه الفتاة لا تشبهني البتة ، هي شديدة
البياض وأنا بشرتي حنطية انظري إليها يا أمي فهي ممتلئة وقصيرة أنا رفيعة وطولي مئة
وتسعة وسبعون سنتيمتر ، يا أميييي انظري
إليهااا "
عشت لحظات قاسية لا يعلمون عنها شيء وأنا
الأن أعيش معهم يومهم وهم لا يشعرون بي !
ارهم من الظلام الذي يُحيطني من كل
اتجاه ، لا اعرف هل أنا ما زلت خلف غرفتي أم انني في مكان آخر ..
لحظي الجيد
وجدت ثغرة بغرفتي جعلتني استطيع
العبور بداخلها لدقائق معدودة ..
المرة الأولى ظننت انني عدت وصرت اقفز على سجادة
الغرفة البنفسجية المليئة بالورود التي اخترتها بنفسي ،
بكيت فرحًا وأنا انظر لفراشي ولأثاثي الذي اشتقت
إليه كثيرًا ،
لم يكن هناك ضوء في الغرفة ، فمنذ أن اختفيت
وشيعت عائلتي جثماني وامي تُغلقها كما هي ،
وعندما اقتربت من زر الإنارة وجدت نفسي
عدت لسجني ولا أعرف كيف دخلت غرفتي وكيف عدت لهذا السجن !
كررت الأمر بنفس تفاصيله كثيرًا فلم
يفلح ،
وعندما تملكني اليأس أن أعود ولو للحظات أخرى
شحذت همتي وقررت أن اكررها للمرة الأخيرة حتى أتي بدفتري وقلمي ،
وفي هذه المحاولة استطعت العودة
والتقاط دفتري وقلمي لأجد نفسي عدت للغرفة المظلمة الباردة ذو الرائحة الكريهة بعد
لحظات وليست دقائق كما المرة السابقة ، فأدركت
أنني لن استطيع العودة سوى مرة واحدة بعد وستكون أقل مدة من أن التقط شيئًا ،
فدخرت مرتي الأخيرة لأضع بها مذكراتي
هذه كي تقرأها عائلتي وتعلم أنني لم أمت كما يعتقدون ،
ورغم حزني الشديد مما اكتشفته لكني
تشبثت بالأمل أن يجدو طريقة تجعلني أخرج من هنا للأبد عندما يرون مذكراتي ،
أنا الأن أكتب لكم في دفتري القديم ما
حدث وما سيحدث معي فهذا منفذي الوحيد لأتنفس الحياة قبل أن اموت يأسًا وسوف أتخيل
أنهم سيقرؤون كلماتي هذه ..
عذراً يجب علي الرحيل لقد أتى سجاني !
سأكتب لكم غداً إن كُتب لي الحياة ...
***************
اليوم
الثاني والثلاثون
لقد
اختفى كعادته منذ أن جئت إلى هنا ، في نفس التوقيت كل يوم ، ليس عندي ساعة ولا ارى
الشمس ولا حتى ضوء القمر فأنا في ظلام دائم ،
هو
يكره الضوء وإن صادف وتسلل ضوء إلينا اسمعه يصرخ بشدة حتى إنني لا أعلم من أين يتسلل
إلينا فكل ما حولي ظلام دامس ،
ولا
أعلم كيف أرى في هذا الظلام الأن رؤية واضحة ، اعتقد أنني أصبحت مثله ، أو أن عيني
اعتادت هذا السود فتكيفت معه لا أدري حقًا ما السبب وراء ذلك ،
في
اليوم الخامس من مجيئي إلى هنا رسمت دائرة وحددت بها الساعة والأرقام الاثني عشر ،
وكل أربعة وعشرون ساعة أرسم دائرة جديدة واقف عند نفس الساعة
" السادسة " مثل الأن ،
في الغالب هي ليست بصحيحة ولكنى اعرف من خلالها
كما قضى عليا من الوقت في هذا السجن ، فقد رسمتُ بجوارها مربع كبير أكتب به اليوم
الذي ينتهي ،
أنا إلى الأن لم أفقد الأمل في الخروج من هذه
العتمة ..
لقد
صرخت كثيرًا منذ جئت إلى هنا ،
واستمر
صياحي لأيام وأنا أسأله أين أنا ، وما الذي يريده مني ، ولكنه لا يُجيب ، بل يحدق
بي بعيناه الداجية القاتمة ويتركني بعدما يضع لي طعام غريب المذاق والشكل ويذهب
دون التفوه بحرف واحد ،
في
بادئ الأمر اَضربت عن الطعام بغضب شديد ، وبعويل أشد أخبرته :
" لن أكل أو أشرب حتى أموت جوعًا وعطشًا لأنتهي
من هذا السجن المُظلم ذو الرائحة البشعة مثلك "
ولكنه
اقترب مني بهدوء لم يزيدني سوى رعب جعل ساقي تهتزان بوجل !
حدقتيه ازدادا قتامة وسواد ،
ثم امسك
الطعام بيده المقززة ومد يده بشيء يُشبه الثمار..
دائري وملمسه أملس ولونه فاقع باحمرار يقترب
للسواد ولكني لا أعرف ماهيته ولم ارى في حياتي مثل هذه الثمار من قبل ،
ورغم
شعوري بالهلع يدب أوصالي ، وقدماي قد أوشكتا على الانهيار ولكني تماسكت وتمردت
واصررت أن لا أخذ منه الطعام ،
فاقترب أكثر مني فعدت برهبة للخلف حتى التصقت
بالحائط وهو لم يتوقف بل ظل يتقدم مني حتى التصق بجسدي ..
انتفضت
من برودة جسده الضخم وكأنني اصطدمت بقطعة جليد ،
رفع
كفه الأسود المُجعد ذو الحوافر الطولية المنبعجة وقدّم لي الثمرة بكل هدوء وهو يحملق
في عمق حدقتي اللتان تهتزان من الذعر،
وباستسلام تام أخذت منه الثمرة وأنا ارتعد خوفًا
من أي ردة فعل له ، فبسهولة شديدة يستطيع سحقي بين جسده والحائط !
ظل
ملتصقًا بي ولم يتحرك حتى بدأ جسدي بالارتعاش إثر البرودة والرعب على السواء ،
وضعت
الثمرة على فمي بحركة بطيئة وقضمت منها بالقوة ،
حينها
فقط فك اسري وبدأ يعود للخلف خطوة واحدة قبل أن اتجمد ولكنه استمر بالتحديق بي ،
لأعيد الكرة واقضم من الثمرة ثانية ،
وعندها
اختفي من الغرفة عند طرفة عيني !
اشعر
به الآن يقترب من المكان ، سأكمل لكم لاحقًا ...
**********************
اليوم
الثالث والثلاثون
جئت في
نفس الموعد اليومي الأن أصبحت السادسة ، لقد غادر المكان منذ وقت ليس بقصير ،
ولكني كنت أختبر نفسي في الشعور بوجوده ، لا
استطيع تفسير الأمر ، كيف لي أن اشعر بوجوده واختفائه من المكان بأكمله هكذا !،
هناك
شيء أو صلة ما تربطني بهذا الكائن ولكني لا أعلم ما هي ؟!
هو ليس
لديه وسيلة للتواصل سوى نظراته شديدة السواد والغموض ، لقد بدأت افهمها نوعًا ما ،
يصيبني
هذا الكائن بالحيرة الشديدة ، لقد اعتدت البكاء كل ليلة بتوقيت ساعتي المحفورة على
الحائط ، وفي كل ليلة وقت بكائي اشعر به حولي ولكنني لا أراه ،
لا اعلم هل هو بالفعل يكون حولي أم انني من عِظم
حزني اتخيله حولي يدعمني ويربط على كتفي ليزول حزني واغفو ودموعي ما زالت تسقط على
وجنتي ،
لا أدري
ايضًا ما الذي حدث لعيني !
فانا اشعر بانها تزداد اتساعًا ورؤيتي في الظلام
اصبحت أقوى كثيرًا ،
أنا
خائفة للغاية أن لا استطيع العيش في الضوء ثانية سؤال يراودني منذ فترة قصيرة ، هل
سأصبح مثله أصرخ حين أتعرض للضوء ؟!
أنا
اعلم جيدًا أنني سأتغير كثيرًا حين أعود ، فتكيفي على البيئة هنا لن يمر بسلام ..
لقد اعتدت أيضًا على الثمار التي يقدمها لي كل
يوم ، اشعر بأن مذاقها لم يعد سيء كما كان ،
وإلى
الأن لا أعرف لما أنا هنا !
سأمت
من تكرار السؤال كل دقيقة ..
تارة
لنفسي واتوار له ،
هو لم
يطلب مني شيء حتى الأن ولم يقترب مني ثانية إلا عندما رفضت الطعام ، وحين يضع
الثمار على صحن خشبي غريب يختفي فورًا ،
ولا
أشعر بوجوده سوى عند بكائي أو عند مجيئه في توقيته كل يوم ..
أفكر
أن ارفض الطعام اليوم ثانية وازيد من ضغطي عليه كثيرًا ، فحرصه على مأكلي ومشربي
يعني حرصه الشديد على أن ابقى على قيد الحياة ،
سأفعل
ذلك عله يجيب أو حتى يُخبرني ما الذي يريده مني ولما اخطفني ووضعني هنا ، حين يأتي
سوف أفعل ذلك واصرخ به مرارًا ..
سأكمل
لاحقًا لق....
********************
اليوم
الرابع والثلاثون
لم
أكمل الفقرة السابقة لأني وجدته امامي ، بأعجوبة استطعت أن اخفي الدفتر خلف ظهري ،
لم اقدر على تنفيذ خطتي حتى لا يكتشف ما
افعله ،
تركته
يضع الثمار والماء ويختفي ، وقتها وضعت الدفتر في المكان السري الذي صنعته لأخبئه
به ،
لقد
حفرت حفرة تحت فراشي الخشبي ووضعته بها وفي داخله القلم ،
لا
أستطيع الكتابة إلا حينما يغادر المكان بأكمله ، وهو لا يغادره إلا في السادسة
بتوقيتي ،
ارجح
انه يذهب ليأتيني بالطعام ، هذه الثمار تُبقي معدتي ممتلئة طول
اليوم ، والماء غريب الطعم يفعل مثلها ، فلا أشعر بالجوع أو بالعطش إلا في ساعتي
اليومية ..
ذهبت
البارحة للركن الذي ارى من خلاله غرفتي ولكني لاحظت شيئًا عجيب ، لقد انكمشت الرقعة
الدائرية التي ارى من خلالها !
ولكني
لم اهتم حين شاهدت شيء احزنني كثيرًا ولكنه امدني بأمل كبير كنت احتاجه ،
امي
تجلس على فراشي في الظلام وتحدثني قائلة :
"
أنا أعلم أنكِ هنا يا ابنتي ، لا أعرف حقًا ما هو سبب شعوري بوجودك في هذه الغرفة
، ولكني اشعر بك وأشم رائحتك وأعرف يقينًا أن من ماتت لم تكن ابنتي ،
ابنتي
لن تقوم بقتل نفسها ابدًا ، فتاتي التي ربيتها بين يدي لديها إيمان قوي وعزيمة لا
توجد عند أعتى الرجال ، سأنتظرك حتى أموت ونلتقي عند الخالق وقتها ستُخبريني
بالحقيقة "
ثم
خرجت أمي من غرفتي وتركت يدي الملاصقة للحائط وأنا امررها على وجنتها ودموعي لم
تتوقف من وقتها ،
اسندت
ظهر للخلف ونمت على وضعي كما أنا ،
أمي الحبيبة الغالية التي تعرفني أكثر من نفسي ،
سأصمد يا حبيبتي ولن استسلم ، وسأعود إليكِ قريبًا ،
سأكمل
غدًا وسأفعل اليوم ما نويته بالأمس ..
********************
اليوم
الخامس والثلاثون
فعلتها
، صرخت به ، دفعته بكل قوتي ، خبط بيدي على الحائط حتى ادميتها ، دببت بقدمي على
الأرض الصلبة إلى أن ألمتني ، عدت للصراخ وصحت به ، كررت سؤالي بشكل ممل لمئة مرة
:
"
ما الذي تريده مني ؟! أريد العودة لأمي "
فلم
يكن منه سوى أن مد لي يده في هدوء كعادته ،
وانتظر
..
انتظر
كثيرًا ..
وأنا
ما زلت أصرخ ، واهتف ، واصيح حتى انجرحت حُنجرتي ، قذفت الثمار بوجهه ، خطوت نحوها
وسحقتها بقدمي ، رميت بالماء على جسده وسقط الكوب الخشبي من يدي ليتدحرج تحت قدمه التي
تماثل يده ..
شديدة
السواد تكسوها الشعر وبها حوافر طويلة ومنبعجة ،
تعبت
وفقدت قوتي وكنت على وشك الانهيار ، وهو مازال يقف كجبل جليد لا يتنفس ، ضيقت عيني
وأنا انظر نحو صدره بدقة ،
صدره
لا يعلو ولا يهبط مثلنا .. هل هو يتنفس بالفعل ؟!
رفعت
رأسي أنظر إليه فوجدته مثل التمثال لا يتحرك ، يده ثابتة لا تهتز ، يمُدها نحوي
وينتظر ..
ترددت
، عُدت للصراخ ، رفضت أن اضع يدي بين كفه كما يريد ، هززت رأسي نفيًا هتفت به :
-
أريد
العودة لأمييييي
اومأ برأسه فظننت انه سيفعل ما طلبته ، للحظة لم
أدرك هل أصدق هذا الكائن غريب الاطوار الذي لا اعرف له جنس ولا نوع ،
ام هل
علي أن اصدق شيء ليس له هوية خطفني من وسط عائلتي ليسجُنني هنا خمسة وثلاثون يومًا
دون سبب واضح ،
حدسي يخبرني أنه يريد مني أن اتبعه او اثق به
لماذا ، لا أعلم ..
حسمت أمري ووضعت يدي المرتعشة بين كفه من باب
" ما الذي سيحدث لي أسوء مما عايشته "
ولكن كما عهدتها في افلامي المفضلة قد حدث الأسوء
!
هو لم يرجعني لعائلتي أو حتى لم يأخذني لغرفتي ،
بل نقلني لمكان اكثر ظلمة مما كنت فيه ، ولكنه أوسع بكثير وأشد قذارة ايضًا !
قبل أن اتقدم خطوة اوقفني ليُمسك كتفي ويدفعني
بخفة خلف حائط كبير وكأنه لا يريد أن يراني احد ،
تسألت من سيراني المكان كله خالي من أي شيء حتى
الهواء !
شعور سيء اقتحم داخلي واحسست باختناق شديد يليه
رائحة كتمت انفاسي ،
شعرت بدوار كدت به أن اسقط ،
فاستندت على الحائط خلفي لأراه يخطو بجانبي نحو
شيء ما !
اختبأت كما اراد هو بنظرة لي وللحائط ، وضيقت
عيني بقدر ما استطعت حتى اري في هذا الظلام الدامس ،
شاهدت كائنات تشبهه عددها ليس بكثير ، وعللت
اختناقي من رائحتهم ودواري وانقباض قلبي سببه وجودهم ..
اعتقد أنهم ربما يكونون عائلته ، او اصدقائه او
حتى مجموعته لا أدري ،
قبيلته .. سمعتها من قبل ، أين ! لا أعلم
لم يتحدثوا بأفواههم حديث افهمه أو اعرفه ، بل
يتحدثون بأصوات عجيبة ، اصواتهم تُخرج همهمات بنغمات محددة وليست حروف ،
ادركت انهم ربما يكونوا كائنات فضائية ، قد غزت
الأرض ولكن ، ما الذي افعله أنا بينهم !
والسؤال الاهم والأوحد لماذا أنا تحديدًا ؟!
توقف الجميع عن الهمهمات و ..
لقد أتى سأكمل لا حقًا ..
*******************
اليوم السادس والثلاثون
لقد وقف كثيرًا أمامي البارحة ، التفت نحوي يفحص
جسدي بعينيه دون لمسي ، لدرجة اشعرتني بحرج شديد ..
لا أعرف ما الذي يبحث عنه في جسدي تحديدًا ولكنه
اشار لي أن ارفع ياقة سُترتي ، ترددت وانا لا افهم ليشير لي مرة أخرى على مؤخرة
رأسي بإصرار ،
اعاد للإشارة مرارًا والمرة الاخيرة اسودت عيناه
بغضب فرفعت كفي اكشف له عما يريد ،
هز يده لأكشفه اكثر ففعلت بحذر لأرى انفه يرتفع
بارتعاشه غريبة ثم اختفى من امامي !
اعتقد انه كان يريد ان يرى العلامة على رقبتي ،
كما فعل احدهم بالأمس في الفتاة الغريبة ،
عندما توقفت الهمهمات جاء احدهم يحمل فتاة في مثل
سني بين ذراعيه ،
ترتدي
بنطال من الجينز وسترة اراها سوداء اللون ،
التفت أخر ليعري السترة عن ظهرها فظهرت علامة
سوداء مربعة ، لم اتبين ما بداخلها ، ولكني اتذكر عندما كانت تُقبل امي مؤخرة رأسي
عند كتفي وتقول لي :
" ابنتي المميزة التي لن افقدها ما دامت هذه
العلامة تُميزها "
لم اسأل امي يومًا عن هذه العلامة او عن هيئتها
فأنا لا اهتم كثيرًا لما لا اراه ..
وقتها خطرت لي فكرة ، لما أمي الوحيدة لم تصدق بموتي كما الأخرين !
مؤكد لم تجد العلامة على ظهر البنت التي وضعوها
مكاني ،
ولكن هناك سؤال جديد ، هل يخطفون الفتيات التي
هناك علامة خاصة على ظهورهم !
وما الذي يفعلوه بنا ؟! لا اعلم إلى الأن ولا
أعرف لما اخذني هذا الكائن لهذا المكان الذي من الواضح انهم يتجمعون به ،
ولما أراد ان يرى علامتي ، مؤكد انه جاء بي اليهم
كما فعل الأخر بالأمس ..
لقد زادت حيرتي ، ولكني موقنة أنه ينتظر شيء مني ،
ما هو هذا الشيء .. حقيقة لا أعلم !
ولكني عدلت رأيي، لابد أن اعرف من هؤلاء قبل أن أعود ..
اشعر به يقترب ..
*********************
اليوم السابع والثلاثون
لقد فتح فمه بالأمس ولأول مرة معي ، ولكني لم
افهم الاصوات التي يخرجها من فمه ماذا تعنى !
ذممت شفتاي ، وضممت حاجبي ، ورفعت كتفي بعد فهم
فازدادت زمجرته الحانقة ،
هل علي أن افهمه !
لا أ دري ..
اصر أن يتحدث ثانية بطريقة ابطئ مما هو عليه ،
رددت بضجر :
" لا تُبطئ من صوتك أكثر مما أنت بطئ ، أنا
لا افهمك ولا اعرف هذه الاصوات ماذا تعني ، فهي ليست بلغة بشر على الإطلاق "
ظل يحملق بي بغرابة ويهبط ببصره على جسدي لليوم
الثاني وكأنه ينتظر مني أن اتحول مثلًا !
مد لي يده مرة أخرى ،
هذه المرة لم اجعله ينتظر كثيرًا ، فأنا أريد أن
اعرف ..
انتقل بي لمكان يُشبه سجني ولكني اقف بالخارج ،
وضع اصبعه على الباب الخارجي للغرفة واشار لعيني
،
اقتربت برأسي لأرى داخل الغرف فأوقفني هو يكتب
عليها بحافره رقم ستة وثلاثون بشكل عشوائي ،
استمريت عدة دقائق حتى فهمت ان المكتوب رقم ستة
وثلاثون وبجواره حرفٌ يُشبه من حروفنا " الياء "
هززت رأسي يمينًا ويسارًا لأخبره انني لا افهم شيء
، فامسك يدي لأول مرة دون استئذان ليعود بي لغرفتي ،
اوقفني امام الحائط الذي به ساعتي والمربع الذي
احسب به اليوم ،
وضع حافره المنبعج على رقم اليوم ستة وثلاثين ،
شهقة بخفة وانا اردد :
" ستة وثلاثون يوم "
حرك عينيه لأسفل واخذ بيدي ليعود بي للغرفة مرة
أخرى ،
نظرت من خلالها فرأيت فتاة ثانية ترتدي ثوب طويل
ذوا اكمام واسعة ، لها شعر قصير جدًا ويوجد برأسها فراغات تبين جلدها ،
شعرها متساقط بجوارها تنظر في زاوية الغرفة ،
وعيناه متسعتان بحدقتي تنفرج بسواد،
تأملت جسدها المستكين فوجدته يشبهنا من بعيد
ولكني حين دققت النظر وجدته يشبهه هو !
جحظت عيناي بمفاجأة صادمة ، فتأمله لي وفحصه
لجسدي وشعري لم يكن إلا تعجب أنني لم ابدأ
تحولي مثله !
كدت أن اسقط من الفزع ، وتعالت ضربات قلبي ..
هم يحولوننا مثلهم !
انا الان جائعة جدًا ولأول مرة منذ جئت إلى هنا
أن اشعر بهذا الجوع الشديد ،
لقد أتى سأذهب لأتناول كثيرًا من الثمار ...
*********************
اليوم الثامن والثلاثون
اكلت البارحة بنهم شديد ، قدمت له الصحن والكوب
واشرت له ليأتيني بالمزيد ،
اخذهم من يدي واختفى عدة دقائق ليقدم لي المزيد
بالفعل ،
جلست ألتهم جميع الثمار التي لم استطيع في السابق
إكمالها ،
لقد تحسنت نفسيتي كثيرًا ، وبدت اشعر نفسي اهدأ
واقوى ،
بعدما انتهيت وقفت كي اناوله الطبق الكبير والكوب
واحسست بمشاعر غريبة تجتاحني وأنا انظر لعيناه المُظلمة ،
عدت للخلف خوفًا مني ، ما الذي افعله ؟! ومن أين
لي هذا الشعور المُقيت ،
اخذ الصحون من يدي واشار لي بداخلها ، وكأنه
يسألني هل أريد المزيد ؟!
حركت رأسي يمينًا ويسارًا ولوحت له بيدي كي
يغادرني
وعندما اختفى جلست موضعي واسندت رأسي للخلف وأنا
اتسأل ماذا يحدث لي !
استمريت على وضعي هكذا وتذكرت أنني لم أعد ابكي
قبل نومي ،
وضعت يدي على وجهي اتحسسه ، فوجدت ملمسه اصبح
خشنًا ،
شعرت بالضيق لأنني لا استطيع أن ارى شكلي في
المرآة ، فلا يوجد هنا مرآه ..
مؤكد ملابسي متسخة ورائحتي كريهة جدًا ، فأنا لم
أعد اتأذى من رائحة المكان ، يبدوا انني اعتدت ايضًا عليها ،
سقط كفي على رقبتي ومنها على صدري ، لم اشعر
بنبضات قلبي واضحة ،
انتفضت بخوف ، للحظة تخيلت أنني مت بالفعل !
الفتاة التي شُيعت جنازتها كانت أنا !
هذا هو القبر الذي يحملني ، والكائن العجيب ما هو
إلا عملي السيء ،
خطوت نحو الركن الذي به أرى غرفتي فوجدت الدائرة
الكبيرة اصبحت بالكاد تتسع كفي الصغير ،
تأملت نبضي ثانية فلم أجده وقد اصبح جسدي بارد
للغاية ..
لو كنت ميتة بالفعل فكيف لي بكتابة ما حدث معي !
أما انني اتخيل الأمر ؟!
لا لا لابد أنني اهذي ..
تحسست جسدي بأكمله ، قمت بقرصة شديدة لجلدي ولحمي
، فشعرت بوخزة خفيفة ولكنني أشعر !
لست بميتة ..
سأختبر شيئاً ما مع هذا الكائن ، وبعدها سأوقن
حقيقتي ..
*************************
اليوم التاسع والثلاثون
أنا لست بميتة ...
لقد اقتربت منه بالأمس ، لم يبتعد عني بل ظل واقف
يحملق بي ،
دنوت ، وشعرت بقلبي ينبض كلما دنوت ،
رفعت كفي على وجهه ، تحسست جلدة الخشن ،
نزلت بكفي على صدره البارد ، وضعته ناحية قلبه ،
شعرت ببضع دقات خفيفة ..
يا إلهي انه حي وله قلب !
وضع كفه على كفي وامسك به ، الصقني بجسده ،
حدقتاه اتسعتا بضوء مثل النجوم ،
هالني رؤيتهما فاستمريت بالنظر اليه ،
وضع كفيه على خصري ..
اقشعر جسدي للمسته الباردة ،
اقترب من شفتاي واخرج صوت فهمته على الفور :
" أنتِ لي غدًا "
توقفت للحظات لا ادرك ماذا حدث ، كيف فهمت ما
قاله ..
وقبل أن اتسأل .. اختفى ..
ذهول واحباط يغلفه شوق ..
تركني وذهب ...
غدًا .. لماذا غدًا ؟!
ما الذي سيحدث لي اليوم !
أنا ما زلت أريد أمي .. أنا جائعة .. أنا اريده هو
..
الأن وضعت يدي على قلبي ..
بارد ..ليس به دقات .. لا أشعر بنبض على الإطلاق ،
وسأردد السؤال ثانية ، هل أنا ميتة ؟!
لن اكتب .. سأنتظره حنى أشعر بالحياة ...
************
اليوم الأربعون والاخير
أنا حية ثانية ..
لم أمت .. أنا حية
لقد كنت الفتاة المحمولة على ذراعيه وسط قبيلته
..
وكنت أنا الفتاة خلف الباب ذات الثوب المتدلي
والشعر المتساقط والحدقتان المتسعتان ..
لقد كنت أتبدل .. اتغير ..
لقد اتاني البارحة بمرآة لأرى جسدي الذي أصبح
كبير الحجم وضخم العضلات ،
عيناي السوداء القاتمة .. تشبهه كثيرًا
أنا انظر لانعكاسه هو !
وجهي الذي اصبح أسود اللون
رأسي التي اصبحت دون خصلة واحدة
لقد تمزق ثوبي واصبح جسدي عاريًا تمامًا ..
هذه ليست أنا ..
فتحت فمي لأتحدث فوجدتني في المرآة أخرج اصوات
غريبة ،
لا اسمعها .. ولكني افهمها
نظرت في الركن فلم أجد الدائرة ، مجرد حائط !
لقد اصبحتُ مثله ..
أنا اليوم له ..
من بعد اليوم لن أكتب لا افهم ما كتبته ،
هو الأن بجواري ، ينتظر أن يأخذ دفتري
لم يتفاجأ من وجوده ..
يهمس لي
:
" أنت الأن لي "
************************
تمت ....
