عيد ميلاد
"عليك الحذر في بعض الأحيان، فليس كل ما تراه العين حقيقة، وليس كل ما يتمناه القلب ممكنًا، فالعين تُزيّف الحقائق والقلب يدعمها بدلائل لا وجود لها من الأساس، فاحذر من أن تترك لعينك ولقلبك الحكم، مغضيًا الطرف عن حديث عقلك"
اليوم.. سيكون هو أفضل أيام حياتي، ففي مثل هذا اليوم ولدت من سرقت قلبي، حبيبتي.. التي لا تعلم عن مشاعري شيئًا إلى الأن، لا أزال أتذكر اليوم الذي قابلتها به لأول مرة، رأيتها وهي تدلف إلى المكتب الذي أعمل به طلبًا للوظيفة التي قد تم الإعلان عنها في صفحة الجريدة الرسمية، خطفت أنفاسي في تلك اللحظة وأنا أراها تخطو الأرض بخطوات خفيفة كالفراشة، بدى عليها الخجل والارتباك، تقدمت مني حينها ثم رفعت عيناها إليّ فبدت كالملاك بلون عينها المقارب للسماء الصافية، يومها ارتبكت وتخشبت مكاني كأني لم أرى أي أنثى قط في حياتي، سألتني بضع أسئلة عن طبيعة العمل وبضع أسئلة أخرى أتذكرها كلها.. بل وأتذكر أيضًا كل محادثتنا معًا طيلة العامين الماضيين.
نسيت أن أعرفكم بنفسي أنا أُدعى أحمد خضر بلغت الثلاثين من عمري منذ عدة أشهر، أعمل كصحفي في أحد الصحف الشهيرة على مستوى العاصمة، وضعي المادي متوسط أو أعلى قليلًا من المستوى المتوسط، أسكن في أحد الأحياء الشعبية منذ ولادتي.. وقبل ولادتي بقرون فهذا المكان هو مسقط رأس معظم عائلتي وإن لم يكن كلها.
نعود لمرجعنا أخبرتكم أن اليوم سيكون هو الفاصل في حياتي كلها، فأنا أخترت هذا اليوم لكي أعترف بِحُبي لزميلتي سهيلة التي وقعت أسيرًا لها منذ أول مرة رأيتها بها، ولا أخفيكم خبرًا فأنا أظن أنها تبادلني نفس الشعور، فهي تُكن لي معزة خاصة دونًا عن باقي الزملاء، عملنا مرة واحدة معًا على أحد القضايا، ومن يومها أصبحت تتحدث معي بمودة ظاهرة للكل، فهي ذو شخصية انطوائية بعض الشيء لا تتحدث عن حياتها الشخصية مع أي كان، هذا الموضوع كان يزعجاني بعض الشيء فكلما حاولت الاستفسار بطريقة غير مباشرة عن حياتها الشخصية كانت لا تجيب، أو تجيب ببعض التحفظ، ظننتها في البداية لا تريد الحديث معي، ولكن بعد ذلك اتضح أنها لا تفضل أي نوع من أنواع الحديث عن الحياة الشخصية.
ولكن منذ عدة أيام وصلت إلى المكتب مبكرًا عن ميعادي فوجدتها تهبط من أحد السيارات الفخمة حديثة الطراز، ومن جهة السيارة الأخرى هبط رجل وقور بخصلات شعر فضية، رأيته وهو يحادثها بحنان ببضع كلمات لم أتبينها، لم أتمالك نفسي إلا وأنا اتقدم منهما متعمدًا لفت انتباهها إليّ، لكنها لم تلتفت فقد كانت مستغرقة تمامًا في حديثها مع ذاك الشخص، الذي وبالرغم من شيب رأسه الظاهر للعلن إلا أنه رياضي الجسد، يبدوا أنه يهتم بصحته كثيرًا، صعدت عدة درجات في البناية حتى وجدت صوت قوي يناديني من خلفي قائلًا
-أستاذ أحمد!
التفت إليه فوجدته نفس الرجل الذي كان يقف معها بالخارج لم يخفى عنه نظرة الاندهاش التي رمقته بها فأكمل الرجل
-لا تتعجب من معرفتي بك، فسيهلة دائمًا ما تحدثني عنك.
ظهر على وجهِ الصدمة حتى أني شعرت للحظة بتدلي فكي للأسفل، إذًا فهي تذكرني وانا من كنت أتوقع أنها لا ترني من الأساس، أكمل الرجل حديثه معي غير عابئ بما فعلته به كلماته؛ حمدت الله حينها أنه لم ينتبه إلى حالتي وهو يكمل
-أنا أدعى خالد النجار.. رجل أعمال، وصاحب شركات النجار للاستيراد والتصدير...
فكي تدلى من مكانه مثل قدماي التي شعرت حينها أنها لن تستطيع حملي أكثر من هذا، وقد أصابني دوار لعدة ثواني وأنا أتبين هويته إذًا هو والدها فهي تدعى سهيلة النجار، ولكن ما لم أحسب حسابه أن تكون هي من تلك الطبقة المخملية صاحبة النفوذ العالي، فهي متواضعة في تعاملها وملابسها الهادئة التي لا تدُل أبدًا أنها من تلك الطبقة الارستقراطية، الرجل كان يتحدث معي ولكني كنت في وادٍ أخر حتى أفقت على كلمته وهو يقول
-أستاتي..؟!
-أتي إلى أين؟!
رفع إحدى حاجبيه وهو يقوس شفتيه مجيبًا
-حفل عيد مولد ابنتي، فهي من أصرت عليّ أن أدعوك، ولا أظن أنك ستمانع!
لثاني مرة يلقي لي هذا الرجل مفاجأة لم أكن أتوقعها أهي من أصرت على دعواتي! كم تمنيت حينها أن أقفز من مكاني وأُقبل هذا الرجل على كل ما قاله لي، فلا أحد يدري بما يدور في قلبي من ألعاب نارية مشتعلة تتقافز ساعيةً للخروج لمليء الكون بصوت فرقعتها العالية مزينةً السماء بألوانها الزاهية، فوجدت نفسي أجيبه
-بالتأكيد، متى سيكون حفل عيد الميلاد؟!
أخبرني بالموعد واستأذن بعدها وتركني، قضيت بعدها أعدّ الأيام بالدقائق منتظرًا ذاك اليوم بفارغ الصبر، ولكنِّي تذكرت قبلها بيوم أنه يجب أن أحضر معي هدية فلا يجب أن أدخل إليهم بيدٍ خالية، فكرت كثيرًا ماذا يجب أن أحضر لها حتى استقريت في الأخير على سلسال من الذهاب، فهو ذو قيمة عالية ومناسب لمثل هذا احتفال، دفعت به مبلغًا عاليًا ولكن لا يهم فالغالي يقدم للغالي كما يقولون دائمًا.
أتى صبيحة يوم عيد الميلاد، لم أستطع النوم ليلتها وقضيت الليلة أفكر كيف سيكون رد فعلها حينما أُهديها لها، واتخذت قراري أنه في نهاية الحفل سأتقدم لطلب يدها للزواج من والدها، ارتديت سترة فخمة اشتريتها خصيصًا للحفل واعددت نفسي للذهاب وكأن اليوم هو يوم زواجي، كان كل من يراني في حيِّنا يبارك لي ويدعو لي بالبركة والتوفيق، فالبركة في والدتي التي قد أخبرت جميع الحيّ بأني ذاهب اليوم لخطبة أحد زميلاتي في العمل.
وصلت إلى مكان الحفل الذي قد أقيم في أحد النوادي الفخمة التي لا يرتدها إلا رجال الأعمال ذوي الطبقة المرموقة، وقفتُ مكاني برهة من الزمن وشعرت لحظتها بغصة مريرة في حلقي، فما بيني وبينها مسافات طوال وكلما تأملت المكان حولي زاد يقيني أنه من المستحيل أن توافق بشاب مثلي، حتى أني فكرت في التراجع والعودة إلى منزلي، ولكن صوت والدها أتى من خلفي وهو يرحب بي ويدعوني للدخول.
اضطررت بعدها مرغمًا على الدخول، أحسستُ بأني كالطفل الصغير الضآل من والديه، فهم يختلفون عني تمام الاختلاف أناس تهمهم المظاهر أكثر من أي شيء أخر فهم كل ما يفعلونه أنهم يستعرضون ما يملكون أمام ذويهم، حتى رأيتها تُطل على المكان وكما تفعل دائمًا خطفت أنفاسي بطلتها، ولكنها كانت مختلفة عن تلك التي أعرفها، كانت ترتدي فستان طويل باللون السماوي متماشيًا مع لون عيناها التي برز جمالهما أكثر وأكثر، ولكن ما لفت انتباهي أكثر هو ذاك الفستان الذي أعلم أن سعره يكاد يتخطى راتب شهرين معًا، رأيتها تقف مع أقرابها ويبدو أنها لم تراني، وما أصابني بالنفور منها أنها هي أيضًا كانت تستعرض نفسها أمامهم بفستانها والمصوغات اللامعة المصنوعة من الالماس الخالص، نظرت للهدية بيدي نظرة دنيئة وتسألت هل ستقبل بها؟! بالتأكيد ستقبل لكي لا تحرجني ولكن الذي أثق منه أنها لن ترتديها أبدًا.
انتبهت إليّ فتقدمت والقت علي التحية بمودة كعادتها وشكرتني على تلبية الدعوة والحضور، وقفت بعدها معظم الوقت شاردًا بالشرفة، فلم أعتد على تلك الاجواء المليئة بالنفاق والخداع والاستعراض الزائف، تذكرت أي عيد أو أي حفل كان يقام في حيِّنا كان الجميع يهرع إليه حتى بدون دعوة، يفرحون ويهللون وكأنه حفلهم ويشاركون بكل ما يقدروا عليه من مستلزمات وهدايا، لا تهم قيمة المشاركة سواء أكانت مادية أو معنوية الأهم أنها صادرة من القلب للقلب بدون وسائط، شعرت بعدها بخطواتها خلفي فأنا أحفظ حفيف خطواتها كخطوط يدي، اقتربت مني وهي تسألني
-ما بك تقف وحيدًا هكذا؟!
هززت رأسي وكتفي بلا شيء، فابتسمت حتى أشرق وجهها وهي تقول
-لم يعجبك الحفل أليس كذلك!
تعمدت عدم الإجابة لتكمل هي ناظرة للسماء فوقنا
-ولا أنا تعجبني هذه الحفلات، ولكن ماذا أفعل فهي شيء مقدس لدى عائلتي، لم أملك حق الاعتراض عليها ولن أملكه يومًا، فما فعلته هو أني تعايشت مع الوضع، وتقبلته وأصبحت أتقنه كما ترى أمامك.
أنهت كلمتها وهي تدور حول نفسها في دائرة فبدت كأميرة هاربة من أحد القصص الخيالية بقصة شعرها الهادئة وحذائها الرقيق، بدت كتلك الأميرة التي دائمًا ما كنت استمع لقصتها من جدتي حتى أصبحت هي بطلة أحلامي، تأتيني كل ليلة وأقف معها تحت السماء المزينة بقمر مكتمل، والساحة حولنا خالية، أمسك بعدها بخصرها وأرقص معها حتى أصحو في الصباح الباكر بعدها وأدرك أنه ليس سوى حلمٌ جميل، كم تمنيت حينها وأنا أراها أمامي تدور أن يتوقف العالم لحظتها فلا يعود أي شيء موجود إلا أنا وهي فقط.
أفقت من تلك الدوامة التي قذفت بها بغير إرادة على صوت والدها وهو يقول
-هيا عزيزتي.. حان وقت إطفاء الشمع.
أجابته وهي تنظر لي بعينها كي أدلف معها إلى الداخل، وقتها تشكل على ثغري ابتسامة واسعة وأنا أرها هي بطالتها الملائكية تسير أمامي حتى التف حولها أطفال الحفل بفرحة غامرة، أكملت سيرها حتى وصلت إلى رأس الطاولة وبجوارها والدها وبجانبها العديد من الأطفال، أتت كعكة عيد الميلاد وتم وضعها أمامها مزينة بالشموع وفي منتصفها صورة لها هي ووالدها ومعهم طفلة صغيرة وفوقها شمعتين برقم إثنين والأخرى برقم ستة.
أزال والدها الشمعة التي تحمل رقم أثنين وترك الحاملة برقم ستة، فابتسمت هي له وهو يشعل الشموع وبينما الإضاءة تخفت تدريجيًا لتبدأ أغاني عيد الميلاد المعتادة وأنا أردد معهم وعيناي معلقة بها حتى أردف الجميع في وسط أحد الأغاني الشهيرة
-Happy birthday to you, Happy birthday to you, Happy birthday dear "Hana" Happy birthday to you.
علت الدهشة وجهي وافتر ثغري وأنا استمع لاسم التهنئة المقدمة لصاحبة عيد الميلاد، بينما أكمل الباقين ترديد الأغاني حتى انتهوا لأرى حينها بطلة عيد الميلاد الحقيقية وهي تُرفع من على الأرضية بذراعي والدها لتطفئ الشمع والجميع يُهلل حولها مصفقين!
من هذه؟! سؤال تردد بداخلي لم أقوي على إخراجه، ومقلتاي تتابعان تلك الطفلة التي أطفئت الشمع وهي تبتسم والجميع يقدم لها هدية عيد الميلاد، تيبست قدماي في الأرضية ولم أعد أشعر بهما، نظرت حولي محاولًا فك الشفرة ما يحدث لاستمع بعدها لحديث بعض رواد الحفل وهم يهمسون بصوت مسموع يحمل إجابة أسئلتي التي كانت كالشلل المنهمر بداخل رأسي
"انظري إليها من يراها لا يظن أبدًا أنها والدة تلك الفتاة"
"لا بل انظري إلى خالد بجوارها من يراهما معًا يظن أنه والدها لا زوجها"
"لا تتعجبا فهي لا تزال صغيرة فقد زوجها والدها منه بعد أن أصرت على إتمام الزواج، والجميع يقول أنهما تزوجا بعد قصة حب نشأت بينهما منذ الصغر"
لم أستطع حينها الوقوف أكثر من هذا فلقد استمعت لما يكفيني، وخرجت بعدها من الحفل وتلك الكلمات التي استمعت لها تدوي برأسي، وعقلي أخذ يعمل ويحلل الأمور لأدرك حينها أن الأمر كان منطقيًا منذ البداية، وأنا من أغضيت الطرف عنه فقد لأجل سراب انتجه عقلي تبريرًا لرغبة قلبي.
-انتظر قليلًا.
التفت للصوت الذي اخترق طبلتي أذني لأجد الطفلة صاحبة الحفل الذي قلب موازيني، اصطنعت ابتسامة بلاستيكية لتقول الفتاة بتلك الابتسامة التي كما يبدوا قد ورثتها عن والدتها
-ألست أنت أحمد صديق والدتي؟!
هززت رأسي وابتسامة جانبية تتشكل على ثغري من كلمة الفتاة "صديق"، فأضافت الصغيرة وهي تجمع كلا كفيها خلف ظهرها وتنورتها الصغيرة تتطاير للخلف موازية لشعرها بفعل الهواء القوي الذي كان كما يبدوا يصفعني على وجهِ على ما اقترفته من ذنب دون أن أقصد أو كنت أقصد فكل الحقائق كانت ظاهرة منذ البداية وأنا من تعمدت تخطيها لأفعل ما أملته علي نفسي
-أمي تحدثت عنك كثيرًا، خاصة حينما قاسمتها عملها لتتركها تأتي إليّ لتراني وأنا أحصل على المركز الأول في بطولة السباحة.
لولا وجود الناس حولي لخلعت حذائي وهبطت به على رأسي على تلك الفعلة الحمقاء التي ارتكبتها، ولكن من ألوم فانا المخطئ منذ البداية حينما تركت الحكم لعيني وقلبي تقودهما نفسي مغفلًا حديث عقلي عن الساحة، ومن منا من لم يخطئ وتسرع في الحكم متناسيًا أنه ليس كل ما تراه العين حقيقيًا، وليس كل ما يتمناه القلب ممكنًا.
انتبهت للفتاة وهي تدقق النظر إلى ما أحمله في يدي متسائلة
-أليست هذه الهدية لي بمناسبة عيد مولدي؟!
نظرت ليدي حينها فتوسعت عيناي بصدمة لأتذكر أمر تلك الهدية التي قد دفعت بها مبلغًا عاليًا، لتتقدم مني الفتاة وهي تفتح يدها قائلة بعفوية
-أعطني إياها أريد أنا ارى ما بداخلها.
-ماذا..؟!
.................
تمت بحمد الله ...
