القلادة
عندما يتحول الخيالُ إلى واقعٍ ترتجف أوصالنا... تنزلق أقدامنا نحو الهاوية لنلفظ آخر أنفاسنا، فاحذروا ما تتمنوا..
كان الأمل يملأ صدره وهو يعمل مع البعثة الأجنبية للتنقيب عن الآثار بالصحراء الشرقية؛ حيث أن الأبحاث أثبتت وجود مقبرة بهذه البقعة النائية، تحقق الحلم تم العثور على مقبرة ملكية كاملة تحتوي على العديد من الكنوز؛ ولم تمسسها يد النهب.
حلم بتصدر اسمه أغلفة الجرائد والمجلات العلمية مقترناً باكتشاف المقبرة الملكية الجديدة؛ فهو المصري الوحيد الذي نال هذا الشرف للعمل مع البعثة الأجنبية، وفُتحت على يده هذه المقبرة.
دلف للمقبرة والانبهار يعتلي وجهه...
تفقَّد مع باقي العلماء محتوياتها بكل عناية، وحملت العربات ما تحتويه المقبرة بحرص شديد؛ خَشية تلفها
بعدما انتهت الحملة من نقل المحتويات لأرسالها إلى المتحف المصري، دلف يوسف لأحدى الحجرات التي كانت تخص كاهن الملك ليجد بها صندوق غريب الشكل من الجرانيت، له قفل صغير فتحه بصعوبة ليجد بداخله قلادة ذهبية تحمل نقوشًا غريبة وحجراً من الياقوت الأحمر، تفقدها بسعادة، وقام بوضعها داخل الصندوق مرة أخرى بعناية، وهو يردد:
-يا لها من قطعة نادرة سوف تبهر الجميع عند رؤيتها
أودع الصندوق مع باقي محتويات المقبرة؛ ثم غادر الموقع فهو يحتاج نيل قسطٍ من الراحة؛ فالشمس بموقع العمل حارقة تلفح وجوههم بنيرانها، رمال الصحراء تتطاير فوق رؤوسهم، لا تقييهم منها إلا (كرا فانات) أقاموا بها طوال فترة التنقيب.
استقل سيارته متجهًا إلى منزله؛ فقد أشتاق لوجه زوجته فريدة وابنته الصغيرة ذات العامين (سچى)
وصل منزله وعلامات الإرهاق تفترش ملامحه، قابلته فريدة بوجه باسم:
- حمدًا لله على سلامتك، اشتقتُ إليكَ كثيرًا؛ طالت غيبتكَ هذه المرة.
طلب منها الغفران، فالعمل شاق، والتنقيب استمر لعدة أشهر إلى أن وفقهم الله، والبعثة أتت ثمارها، وبعد أيام قليلة سوف يلمع اسمه مع باقي البعثة مقترنا باكتشاف أهم مقبرة في التاريخ، سأل على طفلته فقد اشتاق لها كثيرا.
أجابته فريدة أنها انتظرته طويلاً إلى أن غلبها النعاس.
دخل غرفتها، يمسح على رأسها بحنان، يقبل جبينها، يتفقد ملامحها الهادئة؛ فهي كالملاك الصغير، ثغرها باسم حتى في نومها.
أزال رمال السفر عنه، استلقى بجسده بجوار فريدة يخبرها عن إنجازات البعثة، وما تمَّ اكتشافه.
وجد المكان يضيق من حوله، أنفاسه تضيق وتضيق، وكأنَّ الغرفة خلت من الهواء، تصبب جسده عرقًا، أذناه التقطتا حركةً بجواره، استدار برأسه ليجد ثعباناً ضخماً يقترب من جسد طفلته، وهي تصرخ، جسدُه في حاله جمود، لا يقوى على إنقاذ صغيرته.
صرخات زوجته تصمُّ أذنيه، قدماه ترفضان مطاوعته، جسده تيبس كمَن أصابه الشلل.
اتسعت عيناه في هلعٍ، وهو يرى ثعبان يلتف حول جسد زوجته؛ وهي لا حول لها ولا قوة، عظامُها تتكسر كالبلور.. كادت عيناه تقفزان من محجريهما عندما رأى ثعبانًا آخر يلتهم صغيرته، صراخُها ودموعُها اللؤلؤية حرقت أوصاله، حاول مرارًا نجدتهما إلا أن جسده أَبىَ الاستجابة.
استيقظ ليجد جسده ممددًا على السرير بجوار زوجته حيثُ غلبه النوم الليلة الماضية من الإجهاد،
تفقَّد زوجته، وجدها بخير.
توجه مباشرةً لغرفة ابنته؛ لكي يطمئن عليها فوجدها تلعب بمهدها، وتبتسم له كأنَّها ترحب به،
حملها يداعب أنفها الصغير، عيونها البندقية، يدها الصغيرة.
ابتسمت زوجته في سعادةٍ بالغةٍ من هذا المشهد الحميمي.
رنَّ جرسُ الهاتف ليخرجه من هذه اللحظة:
-دكتور يوسف، لابد من الحضور فورًا؛ فالدكتور جون وُجِد صباحًا مقتولاً في شقته بشكلٍ مريب.
هوت العبارة كالصاعقة على رأسه، راحت أعماقه تصرخ ألمً وهو يغادر شقته بعدما ودع زوجته، كان يحدث نفسه كالمجنون:
كيف حدث هذا؟! بالأمس فقط كان معنا
دلف لمكتبه ليجد الحزن يفترش وجوه أصدقائه؛ فموت دكتور جون كان فاجعة للجميع، بصعوبة انتزع منهم بعض العبارات استطاع من خلالها معرفة ظروف وفاة دكتور جون الذي صعد إليه حارس عقاره ليوقظه حسب رغبته فوجد باب الشقة مفتوحًا على مصراعيه، وبالداخل كان الدكتور يلفظ أنفاسه الأخيرة..
تقدمهم يوسف وهم يلقون نظرة الوداع على أستاذهم، وجدوا في جانب رقبته أثرَ لدغةٍ لحشرةٍ سامة، صرخت عقولهم في ذهول:
من أين أتت هذه الحشرة؟!
فهي حشرة غريبة الشكل منقرضة!
وضع يوسف الحشرة بحرص داخل علبة صغيرة، ثم غادر الشقة..
ركب سيارته، والفكر يعصف برأسه، كيف وصلت هذه الحشرة إلى منزل دكتور جون؟
ظن أنها تسللت لمحتوياتها الشخصية أثناء تواجدهم بالصحراء.
عاد لمنزله ليجد بخزانة ملابسه مفاجأة..
وجد القلادة الفرعونية التي عثر عليها بداخل المقبرة؛ تجمدت ملامحه، كيف وصلت هذه القلادة إلى خزانة ملابسه؟!
حملها بين كفيه يتأملها بدقة شديدة
حجرها الياقوتي يسرق الأبصار، نقوشُها غير مفهومة، حاول فك طلاسمها كثيرًا، لكنه عاد خالي الوفاض، توهجت ملامحه غضبًا؛ ما هذه الرموز الغريبة، فهي ليست هيروغليفية ولا سنكريه ولا أي لغة من اللغات القديمة..
تقف زوجته على حافة الشرفة تنظر إلى اللا شيء كأنها واقعة تحت تأثير تنويم مغناطيسي، صرخ باسمها، فلم تنصت له، حاول إنقاذها إلا أنه وجد أقدامه مكبلة بسلاسل من نار، حاول التملص من القيود بلا جدوى..
صوت ارتطام جسدها بالأرض انتفض له جسده..
وجدت فريدة جبينه يتصبب عرقًا، مسحته بحنانٍ، همست باسمه بصوت منخفض
يوسف ما بكَ؟
انتفض وهو يصرخ باسمها، احتضنته وهي تمسِّد على ظهره:
أنا هنا، أهدأ، ما بكَ؟
تشبَّث بها كما يتشبث الطفل بحضن والدته:
كابوس مرعب، لا أعلم ما يحدث، لكن قلبي لا يشعر بالأمان.
حاولت طمأنته بأن كل ما يحدث مجرد إرهاق فحسب من العمل بسبب وفاة رئيس بعثته، حاول تصديقها؛ ليبثَّ الأمان بفؤاده المخلوع..
تناسى كابوسه المفزع، شغل يومه بمداعبة طفلته وزوجته؛ طلبت منه فريدة الخروج في نزهة للترفيه عنه وتغيير مزاجه، بدلوا ملابسهم، وتوجهوا لأحد المطاعم الفاخرة المطلة على النيل، كانت الأجواء رائعة يسودها الحبُّ والمرح،
دلف يوسف إلى المرحاض، وترك فريدة تداعب سچى ليرتعد خوفاً مما رأى..
جسد دكتور جون مشتعل يلتف حوله ثعابين، رأى ثعبان كوبرا يزحف نحوه لالتهامه بأنيابه السامة، خرج مسرعاً يستنجد بطاقم المطعم وهو يصرخ ثعبان، يوجد ثعبان.
عمَّ الهرج والفوضى المكان مما ذكره..
عندما دخل أفراد الأمن وجدوا المرحاض فارغاً، ولا يوجد أيُّ أثرٍ لكلمات يوسف، أقسم لهم أنه رأى ثعبان ضخم لكن لم يصدقه أحد، اعتذرت فريده من الجميع نيابة عن يوسف ..
خرج يوسف عاقد العزم على معرفة ما يحدث له؛ فهو لا يهذي..
أثناء عودته تلقى اتصالاً من صديقه يخبره بوفاة ثلاثة أعضاءٍ من أعضاء البعثة تحت ظروف غامضة، منهم من قام بشنق نفسه بعدما كتب رسالة تحذير على جدار غرفته تخص قلادة ملعونة، والثاني لدغ من ثعبان سام، والثالث اخرج لسانه وقام بقطعه وكأنه مجبور على فعل هذا.
وصلوا شقتهم، اطمأن على زوجته وابنته، ثم غادر لمقر عمله وهو يحمل القلادة..
وضعها على مكتبه يتفحصها، بحث على جميع المواقع العلمية عن ترجمة للرموز الموجودة على القلادة، وجد بحث من عالم آثار شهير يدعى دكتور محمود عن هذه القلادة، سجَّل بياناته وعنوانه، وقرر اللجوء إليه؛ لفهم ما يدور..
اتصل به ليحدد معه موعد لزيارته، توجه يوسف لمقابلته ليفاجئ بأنه كان زميل له أثناء دراسته بالخارج، بعد الترحيب سأله مباشرة عن البحث وعن القلادة:
- هذه القلادة صنعها أشهرُ سحرةِ الجن، قديمًا عاش ملكٌ فرعوني ظنَّ نفسه إلهًا، تجبَّر على الرعية، حاول أكثر من ملك ردعه، لكن بلا فائدة، وصل طغيانه أنه تواصل مع سحرة الجن لصنع قلادةٍ تجعله يحكم الأرض كلها، قوتها تكمن في الياقوتة؛ فهي تمتص الأرواح لتمنحه القوة.. تم دفنُ هذه القلادة داخل صندوق مصنوع من الجرانيت، ودُفنت داخل مقبرة بالصحراء، حاول العديد من اللصوص الوصول لها، لكنهم دفعوا أرواحهم جزاءً لصنعهم.. ولكن لماذا تسأل عن هذه القلادة؟
- لقد عثرتُ عليها داخل مقبرةٍ فرعونيةٍ قمت باكتشافها مع مجموعة من العلماء.
صُعِقَ محمود مما سمع وراح يردد:
ويلٌّ لنا؛ هذه القلادة لعنة؛ إن لم تدفن مرة أخرى سوف تكون نهايتنا جميعاً.
تلبدت السماء بالغيوم، سحابةٌ سوداء أخفت شمس أغسطس بعباءتها القاتمة..
تجهمت ملامحهما:
- ما هذا؟
- إنها النهاية؛ القلادة يا يوسف يجب دفنها مرة أخرى.
هرول يوسف مسرعاً يحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه؛ فأغلب أعضاء البعثة وافتهم المنية تحت ظروف غامضة، منهم من قُتل بحشرة سامة، ومنهم مَن ألقى بنفسه من شرفة منزله، ومَن شنق نفسه، ومَن توفى بحادث سير.
تجمَّدت أوصالُ يوسف عندما شعر بالخطر يحيط بأسرته، هرول مسرعاً لإنقاذهم، لكن الأوان كان قد فات؛ عندما وصل أسفل بنايته فوجئ بزوجته ملقاة أرضاً أمامَ بابِ العمارةِ مضرجةً في دمائِها، وقد شُجَّت رأسها..
صُعق من هول ما رأى، رفيقة دربه وحبيبته افترسها الموت ببراثنه الآثمة..
دموعه تنهمر من مقلتيه؛ ربَّت محمود على كتفه:
وحِّد الله يا دكتور يوسف؛ إنها إرادة الله.
تذكر طفلته سچى، قفز الدرج بخطوات واسعة ليطمئن عليها، سمع صوت بكائها يصدح بأرجاء الشقة،
دلف مسرعاً يحملها، يهدهدها ودموعه تغرق كفها الصغير..
شاركته السماء انتحابه على فِراق زوجته؛ أودع طفلته الصغيرة مقعد سيارته الخلفي، ثم انطلق مسرعاً نحو المقبرة اللعينة..
عيناه تلتهمان الطريق خشية المفاجآت..
أمطارٌ غزيرةٌ تغرق الطريق..
ظلامٌ دامسٌ يُخيِّم بعباءته على الأرض..
نيرانٌ تتساقط من السماء..
قلبُه يرتعد خوفاً من المصير المحتوم..
لعن نفسه ألف مرة على أمانيه واكتشافه الملعون..
ملامح زوجته وأصدقائه ترتسم أمامه على زجاج سيارته..
دموع طفلته وصراخها يُمزِّق نياط قلبه..
بدا له على بعد أميالٍ نورٌ ساطعٌ كشعاعٍ موصول بالسماء، دائرته تتسع أكثر وأكثر، تلتهم رمال الصحراء، وكل ما يقابلها..
خُلِعَ قلبُه من هذا المشهد المفجع، لكنه عقد عزمه على إنهائه..
ركن سيارته بعيداً عن المقبرة، ترك طفلته مع الدكتور محمود بعد أن قبَّلها قبلة الوداع..
توجه نحو المقبرة، والعاصفة تدور من حوله تحمل ذرات الرمال بالهواء..
حمل القلادة بين يديه، رفعها عالياً، بدأت العاصفة تهدأ قليلاً، وما أن دخل المقبرة حتى أغلقت بابها عليه، فصار أسيراً بداخلها..
هدأت العاصفة، وعاد كلُّ شيء لطبيعته بعدما ابتلعت المقبرة أرواح جميع زائريها..
حزن دكتور محمود كثيراً لمصير يوسف، هرول مسرعًا نحو المقبرة يبحث عن صديقة لكنه أختفى كما المقبرة تحت الأرض، حمل سچى، وعاد لمنزله، فهي من الآن ابنته وتحت رعايته..
مرَّ اليوم الكئيب بكلِّ معاناته ليجد محمود رسالةً على مرآةِ غرفته:
( أعلم أنك سوف ترعى طفلتي وتهتم لحالها، أخبرها أنِّي أحببتها كثيراً، وأنني ما سعيتُ وراءَ المقبرةِ إلا من أجل أن تتشرف بوالدها) صديقك يوسف...
تمت بحمد الله
