رجل العث
أثناء جلوسه مع الشُرطي، استمع إلى صوت أنين قادم من خلفه، التفت ليجد «رجل العث» يُحدق به، صرخ صرخة عاليّة ثُم سقط أرضًا.
يوليو 1992
في حديقة مليئة بالزهور الخلابة تجلس فتاة على كُرسي أمام النافورة وهي تنظر إلى الأرض وتُحكم بقبضتها على فُستانها القُرمزي مما جعل القُماش ينكمش، وأمامها يقف شاب طويل يكتفي بالنظر لها بملامحه الجامدة.
_ وكأنك تقول لي لا تتنفسي، وكأنك تحكم عليّ بالموت.
رمقها نظرة مليئة بالأسف الممزوج بالحيّرة الواضحة، جلس على رُكبتيه حتى يستطيع النظر لعينيها ثُم وضع يديه فوق يداها التي كانت تهتز وهو يقول:
_ لكنكِ ميّتة بالفِعل.
جاءها الرد الذي جعلها تُغادر دون أن تنطق بنصف كلمة، تعلم بأنهُ محِق، كلامه قاسيّ وقع على مسامعها كوقع الصاعقة، لم تظن بأنه سيقول كلام مثل هذا بعدما تخبره بالحقيقة، التساؤلات ما زالت تحوم حولها، كيف له أن يُنهي كُل شيء هكذا؟ هل لأن عائلتها حُكم عليهم بتلك اللعنة المؤبدة؟ كيف سيتعايش مع الأمر؟ هل سيُكمل طريقهُ بدونها بكل بساطة وكأنها لم تكن؟ حمقاء هيّ لأنها لم تستمر في خداعه، كانت تدري بأنها ستخسره لكن لم تُدرك بأنه سيحدث سريعًا هكذا، تعلم بأنه لا يُمكن لأحد التعايش مع عائلة كاملة قد رأت «رجل العث» عائلة كاملة قد حُكِم عليها بعيش الهلاك والموت كُل ليلة، كانت تسير تاركة الهواء ينقلها يمينًا ويسارًا دون مقاومة منها، حتى بدأت تشعر بهزة أرضية شديدة أوقفت تفكيرها وجعلتها تسقط ليرتطم رأسها بالأرض، بدأ رأسها بالنزيف وحاولت التغلب على الألم لتُحركها ببطء لتنظر حولها، وجدت كُل شيء يسير كما هو، وكأن لا أحد قد شعر بتلك الهزة الأرضية سواها!
رفعت رأسها لفوق وجحظت عينيها من الصدمة، وما هي إلا ثوان حتى سقطت مُغشيّة عليها.
***
(ميتم الأشباح) الساعة التاسعة صباحًا.
فبراير 20١٠
- ألم يستيقظ «فارس» بعد؟
قالتها رئيسة الميتم «حكمت» التي تتكفل بالعناية بالأطفال إلى «سلمان» صديق «فارس» المُقرب، قام «فارس» بشُرب كوب العصير الخاص به قبل الذهاب لرؤية صديقه النائم، سار في الممر حتى وصل إلى الغرفة التي يتشاركها معهم ثلاثة أولاد آخرين، دخل فوجد «فارس» جالسًا كالقرفصاء، جاحظ العينين، يرتجف جسده، يُشير بسبابته نحو الجدار، وفجأة صرخ قائلًا:
_ أتركني وشأني!
هُناك سبب دائمًا لتسمية الأشياء، يبدو أن الميتم قد أؤخذ باسمه، وأصبح يعج بالكثير مِن الأشباح التي لا يراها سوى «فارس» في وجهة نظر «سلمان»، هو لا يصدقه ولكن ليس باليد حيله، إنه صديقه المقرب، مُنذ أسابيع بدأ الأمر معه، يسير في الممرات مُتخبطًا بالجدران، يستغيث ويطلب العون من شيء غامض لا وجود له، يقول بأنه يراه دومًا، مخلوق لونه رمادي يُشبه الإنسان لكنه يمتلك جناحيّن قويين، لديه عينان بالغتا الضخامة حمراوان بلون الدم، تُغطيان معظم معالم وجهه وتحدقان به بشكل يجعل الدماء تتجمد في عروقه، ويُصدر صوت أنين غريب، عندما قال وصفه إلى «سلمان» لم يستطع كتم ضحكاته، شعر «فارس» بأنه يستهزئ به فلم يخبره شيء آخر من وقتها، موقف قد جعل هُناك فجوة كبيرة في صداقتهما، ولم تعُد الأمور كما في السابق.
_ هل أنت بخير؟
قالها «سلمان» موجهًا كلامه إليه، التفت «فارس» له ورُسمت ملامح الدهشة على وجهه فيبدو أنه قد لاحظ وجوده توًا، نهض سريعًا وقال:
_ لقد استيقظت، سأذهب لتناول الطعام.
وذهب تاركًا «سلمان» في حيّرة من أمره، يعلم بأنه إذا سأله لن يُجيب، نظر إلى الجدار التي كان «فارس» يُشير إليها فلم يستطع رؤية شيء، شعر بالأسف نحو صديقه وأغلق باب الغرفة وذهب، لم يرَ ذاك الكائن ذو الجناحيّن الذي كان يتكون بينما هو يُغلق الباب.
***
أغسطس 2002
_ متأكدة من أنكِ ترغبين وضعه بميتم؟
اكتفت « نرمين» بالنظر لها دون أن تتكلم، والدتها تسألها هذا السؤال مُنذ قامت بوضع جنينها الأول حتى تُفكر جيدًا بالأمر، تتذكر الوقت الذي شعرت به بهزة أرضية جعلتها ترتطم بالأرض، هي وحدها من شعرت بها في ذاك الوقت، عندما حركت رأسها ونظرت حولها رأته يُحلق نحوها، الخوف قد يجعلك تنسى نفسُك أحيانًا، فكل ما توده حينها هو أن يختفي كل شيء حتى لا تشعر به، يرتجف قلبك كما لو أنه يود القفز بعيدًا عنك، تتخيل أسوء الأشياء عندما تكون خائفًا، حينها قد تخيلت أنه قادم نحوها ليلتهمها، فكانت ردة فعلها للهروب هو الإغماء، عندما أفاقت وجدت نفسها في المشفى وقد جلبها رجلًا وقعا في حب بعضهما فيما بعد، لم تُفكر كثيرًا قبل اخباره بالحقيقة التي تقبلها دون النظر إلى العواقب، فبمجرد تسجيل اسمك في تلك العائلة ستُشاركها كُل شيء سواء جيدة أو سيئة، مرّت سنين وهُم على اتفاق أنهم لن ينجبوا أطفال، حتى أتى ذاك الوقت الذي استيقظت به لتجد جنينًا في بطنها، ولكونها أم لم تستطع التخلص منه، تسعة أشهر كانت ترى به ذاك الكائن الذي جعل الخوف يتسلل إلى قلبها مرة أخرى، أن يتجه نحو أبنها.
قررت وضعه بميتم حتى يبتعد عنها، حتى لا يصبح من العائلة، حتى أنها لم تضع له اسمًا، لم يكن قرار سهل اتخاذه، لكنها قامت برميّ مشاعرها جانبًا، حتى لا تكون أنانية.
ذهبت بالفعل ووضعته في « ميتم الأشباح» كانت قلقة بشأن اسمه في البداية لكنها لم تجد سواه، وعند ذهابها حدث ما لم يكُن في الحِسبان، وضعت صغيرها أمام الباب وتركته، وعندما استدارت لتغادر رأته واقفًا وكأنه ينتظر قدومها، حاولت الركض لكن الدماء قد تجمدت في عروقها، لم تستطع الالتفات لتحمل صغيرها وتهرب به بعيدًا، وما هي إلا دقائق حتى اهتزت الأرض وانقسمت نصفين لتسقط هي بها، تاركة خلفها صغيرها الذي تألمت حنجرته من كثرة البكاء.
***
(ميتم الأشباح)
تقدم «سلمان» نحو «فارس» الذي كان يلتهم طعامه بنهم شديد، وبدأ يتأسف على فِعلته السابقة، اومأ «فارس» له رأسه بتفهم وأكمل طعامه دون أن يرد عليه، بعدما انهى طعامه هَم واقفًا وبيده صحنه، توقف فجأة وارتعشت يديه ليسقط الصحن أرضًا، أما عن «فارس» فظلت يديه ترتعش وهو ينظر أمامه دون التفوه بكلمة، لم يشعر بنفسه وهو يُبلل سرواله من الخوف الذي أصابه، لقد رآه مرة أخرى، كُل ما يفكر به ما الذي سيحدث له هذه المرة!
ففي أول مرة رآه بها حينها أخذ يرى كائنات من العالم الآخر لمدة أسبوع كامل، يوقظونه أثناء نومه ويعبثون معه، حتى اختفوا تمامًا، وفي ثاني مرة قد رآه شعر بهزة أرضية وبأن الميتم سيتحطم، لكنه كان وحده هو من يشعر بذلك، لا يستطيع عد المرات التي رآه بها، لكن في كل مرة تحدث كارثة لهُ، أو أشياء مُرعبة لا يستطيع قلبه تحملها، فهو في النهاية طفلًا لم يُكمل الثامنة بعد.
لا أحد يصدقه، وتوقف عن التحدث بخصوص «رجل العث» الذي يراه، يتذكر ذاك اليوم الذي حلم به وهو يلتهم قدمه اليُمنى، استيقظ صارخًا فهرولت له «حكمت» وسرد عليها ما رآه، قالت له بأنها مجرد أحلام بغيضة، لم تصدقه عندما قال أن الذي كان يلتهم قدمه في المنام واقف خلفها وينظر له وكأنه ينتظر خروجها حتى ينقض عليه.
الكثير من الأشياء المُفزعة التي حدثت له، لكن هذه المرة قد شعر بأنها المرة الأخيرة.
توقفت يديه عن الارتعاش وسقط مُغشي عليه، وعندما أفاق وجد نفسه في فِراشه وقد أصابته حُمه شديدة، جعلت جسده ينتفض.
اقترب منه «سلمان» ورَبت على كتفه، يشعر بالأسف نحو صديقه لكنه لا يعلم ماذا يفعل، أخرج «فارس» من جيبه صورة لوالدته التي لم يراها في حياته، فقط يعلم اسمها المكتوب على تلك الصورة التي كانت معه، وجدتها «حكمت» في جيبه عندما أخذته من على باب الميتم، بحث عنها وحاول التوصل لها لكنه لم يجد لها أثر، يخشى أن تكون قد ماتت، يحاول اقناع نفسه أنها مفقودة لا ميتة.
_ أتعلم لماذا تمت تسمية «ميتم الأشباح» بهذا الاسم؟
قالها «سلمان» عندما وجد ملامح «فارس» تتحول إلى الحزن الشديد، نظر له «فارس» بفضول واضح وحرك رأسه يمينًا ويسارًا بمعنى "لا"
بدأ «سلمان» التحدث وهو يتقمص دوّر رجلًا عجوز مُتقِن سرد قصص الرعب:
_ حسنًا استمع لي، لقد سمعت المُربية «حكمت» وهي تسرد تلك القصة إلى إحدى الفتيات اللواتي لم يرغبن في النوم، قالت بأن هذا الميتم قديمًا كان به طفل يدعى «سامي» كان غريب الأطوار، يقول بأنه يرى أشياء غريبة ويستمع إلى الأشباح والجن، كما أنه يرى أقزام ملتصقين في السقف يحدقون به أثناء نومه، الفزع حينها كان يتملكه يومًا تلو الآخر، حتى بدأ يقول أنه يرى كائن يقولون عنه انه «رجل العث»، وعندما يراه أحد تحدث كارثة في المكان المتواجد به، أخبر الجميع أنه يراه لكن لم يكن يصدقه أحد، حتى بات كل ما يراه من أشياء غريبة أصبح الأطفال يروها معه لدقائق ثم تختفي عن أنظارهم، حتى انتشر اسم «ميتم الأشباح» كناية عن الأشباح التي كان الأطفال يرونها.
اتسعت عين « فارس» من الدهشة، وكل ما يدور في باله، هل هذه القصة حقيقية أم قام «سلمان» بتأليفها توًا؟
ابتسم «سلمان» على ردة فعله، ثم بدأ يقول:
_ لا أظن انها قصة حقيقية، ألا تظن ذلك؟
لم يرد « فارس» عليه، ارتعش جسده بشكل استطاع « سلمان» ملاحظته، وخرجت من فمه رغوة بيضاء، حتى توقف تمامًا عن الحركة، ظن في البداية أنه فقد الوعي، اقترب منه ليجد أنه ليس فاقدًا للوعي، لقد مات!
شعر «سلمان» بالخوف الشديد فلم يتجرأ على الاقتراب منه مرة أخرى، ذهب لمناداة «حكمت» لكن قبل خروجه أنغلق الباب بسرعة حتى يمنعه من الخروج، ارتجف قلبه خوفًا، وشعر بأنه قد تمت محاصرته في هذه الغرفة مع جثة «فارس»، وما هي إلا دقائق حتى استمع إلى صوت خطوات قادمة من خلفه، التفت ليجد كائن رمادي، عينيه حمراء بلون الدم، إنه نفس الكائن الذي وصفه «فارس» له من قبل، يحمل جثة « فارس» على كتفيه، نظر إلى «سلمان» نظرة طويلة قبل أن يختفي من أمامه ومعه جثة «فارس»، فُتِح باب الغرفة، ركض «سلمان» بكل سرعته إلى « حكمت» ليخبرها ما رآه، فلم يجدها.
بحث عن الأطفال، فلم يجدهم، أصبح وحيدًا في ذاك الميتم!
وما هي إلا دقائق أخرى حتى رأى «رجل العث» واقفًا أمامه، يحمل في يديه دُميته المفضلة، ويطلب منه الاقتراب نحوه، لا يعلم هل يستمع إليه أم يهرب بكل قوته، كل ما يرغب به هو ألا يموت!
رجع إلى الوراء، فتقدم «رجل العث» إليه، وكلما رجع « سلمان» إلى الوراء تقدم إليه «رجل العث» حتى ألتصق «سلمان» في الجدار، اغمض عينيه حتى لا يرى مشهد موته، مرت دقائق ولم يحدث شيء، فتح عينيه ببطء ليجده قد أختفى من أمامه، ركض مسرعًا نحو باب الميتم وهَم بالخروج، وجد عجوز يمر بالصدفة من أمام الميتم، فبدأ يسرد عليه ما رآه، ويخبره عن جثة «فارس» التي أخذها «رجل العث»، لم يتوقف عن البُكاء وهو يقص عليه ما حدث، نظر العجوز له نظرة آسف على ما أصابه، وقال له:
_ هل تسكن في ذاك الميتم؟
اومأ «سلمان» بالموافقة، فطلب منه العجوز أن يأتي معه، وذهب به إلى الشرطة، وهناك فهم «سلمان» ما يحدث، إن الميتم فارغ مُنذ عشر سنوات، وجميع من به موتى إثر الحريق الذي حدث فيه، ظن في البداية انهم يكذبون عليه، لكنه تذكر عندما لم يصدق صديقه «فارس»، ظن أن ما يحدث له من تخاريف كلها بسبب عدم تصديقه له.
أثناء جلوسه مع الشُرطي، استمع إلى صوت أنين قادم من خلفه، التفت ليجد «رجل العث» يُحدق به، صرخ صرخة عاليّة ثُم سقط أرضًا.
***
مُلاحظة: قيّل أن ذاك الفتى المدعو «سلمان» أُصيب باضطرابات حادة، كما أنه حُجِز في إحدى المُستشفيات للأمراض العقلية، يزعم أنه يرى كائن لا يراه سواه، وأن ذاك الكائن قد جعل ميتم بالكامل يختفي تحت فِعلة "الحريق".
مُلاحظة أخرى: ظاهرة رؤية «رجل العث» هي ظاهرة حقيقية، لكن لم يتم تفسيرها بعد.
***
تمت بحمد الله.
