عذراء القمر
( الجزء الأول)
إهداء..
إلى تلك السنوات العِجاف التي يبست فيهم زهرة شبابي، لولاكم لما ظهرت نبتتي اللغوية..
- عمي «سيماسيون» أنت ملك قبيلتنا أليس كذلك؟!
حملهُ «سيماسيون» محتضنًا إياه قائلًا:
- بالطبع يا صغيري، أنا ملك القبيلة..
فرد الصغير الفطين:
- لابد للملك أن تجاوره ملكة.. هكذا قال لي أبي، لماذا لم تتزوج مثل أبي إذًا؟!
حمله العم واحتضنهُ وهو يذهب بالفطين الصغير لصدر المجلس في خيمتهِ المُرفّهة نوعًا ما عن خيام القبيلة، حيثُ تُزين أرضيتها جلود المواشي والطاولات الخشبيةَ الصغيرة ووساداتٌ من الخيشِ وقناديلَ النار.. جلس وأجلس الصغير على قدمه ونظر له بجدّية يحاولُ اصطناعها حتى لا يفقِدَ الصغير ثقتهُ بنفسه..
- معك حق، لابد للملكِ أن تجاورهُ ملكة، لكن هذه حكايةٌ طويلة وقد اقتربَ موعِدُ نومك!
نظر له الصغير بترجٍ قائلًا:
- أرجوك يا عمي احكها لي.. أرجوك!!
ضحك العم من طريقته الطفولية المتذمرة مُردفًا:
- حسنًا يا صغيري، حسنًا سأحكيها لك، لكن بشرط.. ستنامُ فور انتهائي من روايتها لك..
هزّ الصغير رأسهُ موافقًا بفرحِ المُنتصر، شحذ العمُ ذاكرتهُ آخذًا نفسًا عميقًا وبدأ يروي...
بدأت الحكاية حينما كان العالم في وقتٍ مُبكرٍ من النقاء، الجميع يتعايشُ في سلامٍ وحبٍ ووئام، في قبيلةٍ عاشت على الأرض منذ قرون، من بينهم برزت فتاةٌ حوراء العينين، نحيفةُ الجَيد، منحوتة الجسد، في نقاءِ الحليب لونًا، صوتٌ يُضاهي البلبل جمالًا والكروانَ عذوبةً، لكن ما سبق لم يكُن مُميزها عن غيرها.. لقد تميزت هذه الفتاة دونًا عن غيرها بشعرها الفضي!
كانت مرمى لنظرات البشر الشغوفة بجمالها، المتلهفة لسماع صوتها العذب، نشأت «مونيا» في قبيلةٍ تُعادي معشر الذئاب، يطاردونهم ويقتلون منهم المئات، يلبسون وبرهم ويستدفئون بجلودهم، يُخزوِقُون جماجمهم على رماحٍ طويلة في أنحاءِ القبيلة ويرمونَ لحومهم للنسورِ.. ولا مراعاةَ لحقهم في الحياةِ كما البشر وبدون وجه حقٍ يحصدون أرواحهم..
حتى إذا بلغ الفتى سن العاشرة طُولب بقتل ذئبٍ حتى تعترف به القبيلة كمُحاربٍ يحميها وكفردٍ من أفرادها وينتظرون الفتاة إلى أن يشتد عودها وتبلغ الثامنة عشر فتذهب لقتل ذئب ليُعترف بها هي الأخرى وإن لم تفعل تُصبِحُ جاريةً تُباعُ وتُشترى حتى لو كانت ابنةُ ملك..
لا يدخل أحدٌ القبيلة إلا وهو حاملٌ لذئبٍ مقتولٍ يقطُرُ دمه!
منذ صِغَر «مونيا» وهي ترفض وبشدة قتل الذئاب، ترفض ارتداء فرائهم، تتمنَّع بشدة عن عادات قبيلتها وتلعن تقاليدهم البالية، تُطالب بالإقلاع عن هذه العادة فلا من مُستمِعٍ ولا مجيب، كانت ترى أن وصمة عارها التي لن تُمحى هي أنها ابنة قائد القبيلة الملك «الكاشف» داعم قتل الذئاب الأول، ومُقتفِي أثر الآباء والأجداد وسلاسل السكان الأوائل، مانِح البركة للقاتل، ومانح الألقاب والكنيات والتفضيلات كلٌ على حسب عدد الذئاب التي تقتُلها، فمُطالبةٌ هي بقتلِ ذئبٍ حتى لا تحني رأس والدها بانضمامها للجواري!
مرّت الأعوامُ واقتربت «مونيا» من بلوغ عامها الثامن عشر ومع اقترابها يزداد حنقها ورفضها لما يحدث ومعاداتها لأن تُثبت نفسها بهذه الطريقة الهمجية، فلم تشهد قبيلتها يومًا هجومًا من معشر الذئاب ولم يعتدوا على فردٍ من أفراد قبيلتها من قبل ولا يتعرّضون لهم فلِم تلكَ العداوة على عشيرةٍ مُسالمةٍ للحد الذي يُعرضهم للبطش من قبل البشر ولا يقاومون حتى!
أصبحت غاضبةً طُوال الوقت ومتى غضبت روّحَت عن نفسها بالغناء، فيصدحُ صوتها بأجواء القبيلة بأكملها بل ويصل للقبائل المجاورة، فيترنّمُ الجميعُ بصوتها ويستبشرون خيرًا.
ومع ازدياد غضبها يزدادُ غنائها، فأصبح الجميعُ يتهافتون للمثول أمامها وقتما تُغني، يستمعون في خشوع، الجميع يصمت و «مونيا» تغني.. فلا تقدر الحناجر على هز أحبالها الصوتية في حضرةِ بشريةٍ تمتلك أحبالًا ذهبيةً تعزف على أوتار قلوبهم، يلامس صوتها دواخلهم، يحرك مشاعرهم فيهيمون عشقًا بها.
***
التجهيز على قدمٍ وساق لليوم الموعود، أرسل والد مونيا الملك «الكاشف» مرسومًا يدعو فيه القبائل المجاورة وباقي بطون القبيلة لحضور يوم الاعتراف بابنته والتي سيتنافس على شرف الزواج منها أقوى الشبان وأشجعهم، وستُقام الولائم وستنثر التبريكات بدماء الذئب التي ستقتله «مونيا» الابنة البكرية لحاكم عشيرة (موثان).
تقام الاستعدادات للولائم التي ستقام، القدور ضخمة الحجم في وسط القبيلة مملوءة عن آخرها بدماء ذئابٍ طازجة لن تراها يومًا إلا هنا.. يقفُ على رأسِ القدور حكيمُ الغابة يتمتم بتعويذات الحماية غامِسًا إصبعيه بالدماء مصدرُ فخر مُعادية الذئاب ليقومَ برسمِ خطٍ طولي يبدأ من الجبهةِ وحتى بداية الأنف، يغمس إصبعه مرةً أخرى لتتجدد الدماء عليه ثم يقوم بصنع دائرة صغيرة على كل خد، ثم يُغطّسُ يدهُ كاملةً في الدماء التي بدأت في التخثّر إثر غليانها ليقومَ بطبع كفّ يدهِ على صدره بينما تختلف النساء والفتيات عنهنّ بعدم وصمهنّ بالكفّ الدامي.. فور الانتهاء يبدأ الشبانُ بالصياحِ والفتياتِ بإطلاق الزغاريد..
وفي وسط هذه المعمعة لا يصدر من «مونيا» سوى الغناء ومشاهدة ما يحدث من على تبةٍ تبعد قليلًا عن القبيلة، تغني بحزنٍ يطغى علي أحبالها الصوتية، فيُنتِج حُزنها غنوةً مخضبةً بلمحاتٍ من ألمٍ جارف!
أحست بريحٍ طيبة تطوف من حولها، توقفت عن الغناء ونظرت حولها تتفقَدُ المكان، تترامى على الأرض قطراتٌ من نور تذرُ رفاتًا أبيضًا ينبُت النبتُ لوطئه! شعرت باقترابِ حدثٍ جلل فأسدلت جفونها لتغطي عيناها بينما سحبت شهيقًا أحست بسحبِ الكونِ لداخلها معهُ ثم أخرجتهُ بهدوءٍ أخذَ معهُ حُزنها، تخللت تلك الريحُ الطيبة خُصيلات شعرها مُصدرةً صوتًا كالتنتنات هيّنة النغمة، أبصرت فبَصُرت به يقف أمامها..
شهقت شهقةً خافتة، وقامت من فورها تنحني لهُ في إجلالٍ قائلةً في خفوت:
-بوركت الأرضُ باستقبالِ مَلَكٍ من السماء.
وكأنهُ جاء على عجلةٍ من أمره برسالةٍ يريدُ توصيلها وكأن نهاية العالم غدًا، نظر لها قائلًا:
- فوق تبة الصعود ستُقابلينَ مصيرك المكتوب، شرطُ الوصول لها هو الرضوخ في البداية حتى تستطيعي الابتعاد عن الجحيم، مُلاقاتك لمن سيساعدونك لبلوغ مصيرك حتمية!
أنهى كلامه، طلبَ منها بسط يدها، ففعلت من فورها وهي مطأطأةَ الرأس إجلالًا له، فأدنا منها كرةً غير محدودة الشكل من نورٍ وهَّاج، ووضعها بين يديها، اشتدت الريح فعصفت حتى كادت أن تزحزحها من مكانها، تطاير شعرها والتصقت ملابسها بجسدها من شدة الريح فأصبحت كآلهةِ اليونانِ التي سبقتهم بجمالها بآلافِ السنين وهي تطفو من فوق الأرض، حفَّتها نجومٌ صغيرة الحجم متلألئة يقودهم هلالٌ صغير استقرّ أخيرًا بين حاجبيها وكأنه وشم، لم تكن تلك الصغيرة تعلم أن كرة النور منحتها الخلود وقدرةً على إضاءة العتمة.. لكن أي عتمة، أليست الأرضُ في نهارٍ دائمٍ بلا ظلام! فما فائدة تلك القدرة إذًا؟!
وطأت قدماها الأرض ليسَ كما غادرتها، تغيَّر بها شيءٌ ما.. إنها عيناها.. تحوَّلت من سواد الليل للونٍ فضيٍ مُتلألئ، نظر الملاكُ لعينيها بهيامٍ حاولَ تغليفهُ بقلقهِ وهو يستكمِل القول:
- احفظي سرّك وافعلي ما عزمتِ بدون الالتفات لأحد..
وقبل أن يختفي منَّاها بنهايةٍ قد تلقى في النفس قبولًا وفي القلب منالًا وتركها واختفى!
سارعت تهروِلُ من خلفهِ حينما استشعرت الخوف حين رحل، نظرت أسفل خُطى الملاك لتجدَ أثَرَهُ قد قبّل ثغر الأرض فقامت بشق قطعةٍ من ثوبها وأمسكت بحفنةٍ من أثر الملاك واضعةً إياها بها ثم ربطتها بعنايةٍ وأخفت تلك الصرة بصدرها، نوت الذهاب لخيمتها.. تحاول السير فتسقط أرضًا، تقاوم فتقف من جديد، ليعاود جسدها خيانتها مرةً أخرى فتسقط بينما تُنازع روحها لكي تظل على قيد الحياة!
حتى وصلت لمشارف القبيلة، جرَّت جسدها بصعوبةٍ وهي تترنح حتى دلفت خيمتها، أنفاسها تتصارع وصدرها يعلو ويهبط، فمنحةُ المَلَك كانت أثقل مما ظنت..
هرولت الأم مسرعةً بعدما أبلغتها إحدى وصيفات ابنتها بحالة «مونيا» الغريبة حينما أبصرتها تدخل القبيلة، دلفت الملكة الأم للخيمة تبحث بعينيها عن «مونيا» حتى اهتدت إلى مكانها، تساءلت عن سبب سوء حالها المفاجئ:
- عزيزتي، ماذا بك؟!
افترشت مونيا سريرها وهي تدثّر نفسها بغطائها من جلد الماعز المبطّن بالقطن:
- لا شيء يدعو للقلق يا أمي، أنا بخير..
- لا أرى بك خيرًا يا ابنتي، أرجوك أخبريني ما الذي يزعجك!
نظرت لها «مونيا» بعينين دامعتين، تحفر ملامحها في ذاكرتها للمرة الأخيرة، هي لن تراها مرة أخرى ولن تستطيع أخذها معها، ولن تستطيع الإفصاح عن ما ستفعله امتثالًا لأمر الملاك، يشقّ حزنها لفراق أمها قلبها شطرين ومن أين لها بحنانٍ كحنان حضن أمها!
جاهدت لتخرج حروفها طبيعيةً بلا تأثّر فقالت:
- تعرفين أني أعادي قوانين القبيلة، أنا أرفض قتل حيوانٍ لا يملك من نفسه حق الدفاع عنها، بدون سببٍ أو وجه حق.. تعلمين أني أحب الذئاب وأكره وأعادي من يمسُّهم بسوء والمطلوب مني في عيد مولدي قتل أحب الأشياء إلى قلبي، تطلبون مني قتل قلبي!
- ماذا جرى للون عينيكِ!! تساءلت الأم بفزع..
قالت مونيا بلا اكتراثٍ مُصطنع:
- يبدو أنها من علامات النضوج.
- فتاة بشعرٍ فضي وتقبلناها، لكن بعينين فضيتين، ألا تجدين الأمر غريبًا بعض الشيء.. قالت الأم باستنكار.
تتحولين إلى ذئبٍ فضي اللون حرفيًا، ما الذي يجري؟!
نظرت الابنة بحزنٍ لأمها قائلةً:
- ليت تلك الفتاة لم تولد يا أمي..
سارعت الملكة الأم بضم ابنتها إلى أحضانها وقد تفاقمت مشاعرها فبكت ألمها، تُربت عليها علها تُجلي عنها شقاءها، تبثها حنانًا وحبًا، هي تعلم حجم المعاناة التي تعانيها ابنتها ولا تملك من أمر إطلاق الأحكام شيئًا ولو كانت لسارعت بإلغاء تلك العادة لترتاح صغيرتها، تنهدت «مونيا» بحزن وهي تشدد من احتضانها لوالدتها، بينما يتصاعد قلق الأم شيئًا فشيئًا على وحيدتها وقرة عينها..
-لا تقلقي يا أمي، سأكون بخير..
قبّلت الأم جبين ابنتها، متمنيةً أن يندثر قلقها وتكون بخير!
***
أخبره والده بدعوتهما لمراسم الاعتراف بابنة حاكم قبيلة "موثان" احتقنَ وجههُ الأبيضَ بالدماء.. انتفض قلبه تأثرًا بذكرها فحاول إخفاء مشاعره وإظهار ثباته، لكن هيهات فقد لاحظ والده ارتباكه وولههُ بها، فقال الوالد بدهاء:
- ماذا بك يا ابن حاكم عشيرة "تونكا" أهذه أعراض الحب أم أنني أتوهم؟!
ابتلع ريقه بصعوبة وهو يفكر هل يفصح لوالده عما يشعر تجاهها أم يصمت ناكرًا الأمر برمته، لكنه لم يعتد يومًا إخفاء شيءٍ عن والده، فتكلم بحرجٍ بادٍ على وجهه:
- لم نعترف نحن أبناء عشيرة "تونكا" يومًا بالحب، من أحب اعتبرناه ضعيفًا ذليلًا أسرهُ شعوره، لكن لم أستطع مقاومة سحر جمالها فوقعت أسير حب عينيها، هي من أتمناها ليل نهار، يجيشُ صدري بنار الغيرة حينما أتذكر تنافس شجعان القبائل على الزواج منها وأنا المفتون بها، فيراودني بالي بخطفها والزواج منها ومحاربة من يجرؤ فقط على التفكير فيها.
ابتسم الوالد لصدق ابنه وتنهد بهدوءٍ وهو يقول:
- ذكرتني بنفسي عندما كنت شابًا يافعًا يا «سيماسيون» جلست قبالة والدي أحكي له عن عشقي لوالدتك، بالرغم من معاداة جدك لهذا الزواج إلا أنني تزوجتها وأنجبناك، الشجاع يا ولدي هو من يحب بصدق ويسعى جاهدًا لنيل محبوبته، لقد تربينا على كتم المشاعر وإخفاء الأحاسيس لكن للقلب رأيٌ آخر، خلاصة قولي.. سأطلبها لك من والدها قبل ابتداء المراسم لينهي التنافس وليكون الاحتفال بالاعتراف بها وبخطبتك لها..
قام فقبل يد والده وهو يشكره جزيل الشكر، مُمنيًا نفسه بها أخيرًا، لكن سؤال والده المباغت جمّد الدماء بعروقه..
- لكن أخبرني، هل تعرف تلك الأميرة بحبّكَ لها؟!
***
يُتبع...
