إختفاء
مر عبيرها في مخيلته، وأوحى له غروره بأن كل شيء انقضى ومر وأن بقاياها في ذاكرته قد انجلت واضمحلت للأبد !
تجرَّع الكأس الأولى وبلعَ ريقه ليُشيح بوجهه العابس المكفَهر عن ما حوله، رمى الكأس أرضًا وراح يشبك يديه مرتجفا كلاجئ أُلقيَ في عرْض البحر من غير طوق نجاة، حكَّ ذقنه التي بدأت تشتعل بحرائق الشّيب ثم نهض من مقعده و وقف، ابْتعد عن الكرسي بخطوتين وراح يستذكر ما لقمه إياه المفتش قبل ساعة، أخذ يردده بهستيريا من غَير وعي عله يستسلم للأمر الواقع ويتيقن أنه فقدها
أسند رأسه على حافة النافِذة ليشْعل سيجارة أخرى وعبر حلقاتِ دخَّانها المتلاشي علَّق كل خيباته التي أتَته بغتة في زمن غائم لا علاقة له بالفرحِ ومعانِيه فولىَّ إثرها إلى صورتها المعلقة على الجدار أمامه يطالع عيونها المبهَمة متلمسا تقاسِيم العيُون العربيَّة الحزينة تلك، حتى خُيِّل له للَحظة أن الصورة ترمُقه بنظراتها المنبعِثة من ماضيه السَّحيق فصاح:
_لا ينقصُك غير أن تتحَدثيِّ معي، هيا تكلمي أخبريني أنني سبب الحزن في عينيك أيتها ال.....
أحسّ بدخانِ سيجَارته يكْتم أنفاسَه فرائحة التبْغ باتت توقظُ في أعمَاقه الماردَ الفحل الذي يُعربد في لياليه الحمرْ يتلوَى كالمَجنون تحتَ سياط الضَّوء المتراقصِ على صخَب الإيقاع المبْتذل، مجدَّدا تتزاحم الذكرَيات والأحداثُ في تلافيفِ مخِّه لتزيدها انكماشًا وتَبعث بالماضي من مرَامي العُمر المغتَال إلى كآبةِ خريفِ هذه السنة الثقيلة
لم يكن يريد شيئا في حيَاته غير أن يعيش بهدوء لكن للأسف حتَّى الحياة تمالَحت طقُوسها وخذَلته لتبقيه عائِما في هذه الذكرى الكئيبة بين ضياعها وضياعه..
اليوم مرّت سنة كاملة على اختفاء زوجتي الغالية، أخبرني المحقق أنهم أغلقوا القضية لعدم توفر جديد حول الموضوع، صرخت بألم فوجع فراقها لا زال يجتث قلبي كل يوم لكنه صمت ولم يزد سوى آسف على كلماته مغلقا الخط في وجهي
زوجتي كانت ملاكا منزلا من السماء لم تلمسها دناءة وقباحة البشر بالعكس كانت طهرا يسري على هذا الكوكب لهذا لم يجدو جسدا ليدفنوه فقط تابوت فارغ وقفت على رأسه أنعيها ببعض الكلمات والدموع.
قبل ستة أشهر من تاريخ اختفائها اكتشفت خيانتي مع صديقتها المقربة، أتذكر أن ردة فعلها كانت قاسية جدا معها فرغم كونهما صديقتا طفولة إلا أنها ألقتها من حياتها كما ينتزع الثوب الأبيض من الدنس ورمتها لأبعد نقطة عنها كأنها لم تكن يوما، على عكس ردة فعلها تجاهي فقد جاءت بكل هدوء واستجداء تتوسل أن أخبرها بأنني لم أخنها
ليرحمها الله كم كانت ساذجة وغبية كنت أعرف عشقها للدراما وغوصها في التفاصيل بغرابة
لكن ما طلبته يومها ألجم لساني ففي حين أنها رأتني بأم عينها في أحضان صديقتها، كيف جاءت تبتغي مني إنكار ذلك وهي التي قطعت علاقتها بها.
وفي حين أنها أمسكتني بالجرم المشهود كيف تترجاني أن أخبرها العكس...يال سذاجة حواء وغرابتها.
اشتطت غضبا وصحت بها فلا مزاج لي في مجاراة جنونها وغبائها: بل خنتك لا أستطيع الكذب عليك
في الحقيقة لم يكن للموضوع علاقة بالصدق فلطالما كنت رجل التلاعب بالكلمات وتزييف الوقائع لكنني اردت اقناعها بأن تتقبل الواقع ..
ترقرقت عينيها العسليتان بالدموع ولمع الحزن منهما يستجديني أن اصمت، كان انكسارها جليا مؤلما لدرجة أن يقنع أي غريب باحتضان ذلك الوجع ومحاولة اخماده، وانطلق صوتها مرتعشا يعزف على لحن الوجع والرجاء قائلا:
حسنا اعتذر إذا، أرجوك اعتذر..
قهقهت في وجهها بصوت اخترق طبلة أذنيها وغشا قلبها فاعتصرت عيناها بقوة تخفي ملامح الانكسار فيهما. شعور انطفائها حينها بلغ مراتع قلبي يهزها أن ارحم عزيز قلب ذل، لكن هيهات فغروري كان أكبر من أن أجاري أملها وأعتذر أو أنكر.
يقضم جمجمتي شعور الندم الآن ربما لو أنكرت فعلتي حينها أو حتى لو اعتذرت لما تجرأت على خيانتي ولما حدث كل ما حدث...
لكن لا، لا ذنب لي في ما حصل، كان عليها أن ترضى وتسكت ككل النساء، و حتى إن خنتها، أبقى رجلا ولا إثم علي في شريعة المجتمع، هي من وجب عليها حينها أن تحافظ على بيتها وزوجها
لكنها لم تفعل فقد تجرأت علي
خانتني
فاستحقت أن أقتلها
نعم قتلتها، لم يكن عن خطأ بل عن سبق الإصرار والترصد
منذ اليوم الذي لمحت خيانتها لي وأنا أخطط لذلك
لطالما أحببت النهايات الدرامية وعشقتها وهي كانت لاعبة ساذجة في مجال الكذب والتأليف
مكالماتها معه في منتصف الليل، فنجاني القهوة على المنضدة حين أعود للبيت
لم اكن بحاجة لأن أجمع دلائل كثيرة لأتيقن من خيانتها فهفواتها الحمقاء وضّحت كل شيء
ولا وقت لدي فالواجب تسريع القصاص وصون كرامتي ورجولتي التي بعثرتها على مسودات الخيانة..
رحلة في زورق عارضت بشدة لأنها لا تتقن السباحة، وتعاني فوبيا من المياه لكنني أقنعتها بطريقتي.
ولأنها تثق فيّ بشدة لم تمانع وفي منتصف البحر مددت يدي لأعانقها ثم رميتها
منظر غرقها وتخبطها في المياه لتستطيع النجاة ذكرني بكرامتي الضائعة بسببها
المياه التي تغمرها أطفأت نيراني شيئا فشيئا
وأخيرا حققت انتصاري وأطفأت لهيب قلبي
واليوم
بعد مضي سنة ، بعد أن صدق الكل قصة وقوعها وموتها، بعد أن نجوت من أي عتاب ممكن
ها أنا أحتفل بنصري وبجريمتي الكاملة.. وأنفث ذكرياتها العفنة كقذارة وجودها ليزيحها الهواء من حولي.
قطع حبل أفكاري المنتشية صوت دقات الباب، الآن تذكرت لقد طلبت شمبانيا للاحتفال، فجريمة بهذه الدقة والبراعة وتمثيل دور الزوج المفجوع الذي فقد خليلة عمره يستحقان تتويجا كبيرا ليس بأقل من زجاجة شمبانيا فاخرة..
أخذت أجر الخطى نحو الباب، إلا أنني تفاجأت بكون الطارق هو ساعي البريد
لم يكن مقدمه لأمر مهم، فقط سلمني رسالة أشعلت نيران وجداني وأحرقتني
كان حكما بالإعدام علي، وهي من أصدرته
ببضع كلمات خطتها بيدها أقامت مقصلة لشنقي، لله دركم أتحرق الحروف عقلا؟
يا ليتني ما قرأتها بنهم و على عجالة
كانت أصعب حروف قرأتها في عمري، أتقيم الحروف مقصلة فؤاد؟
الآن عرفت كيف يشنق المرأ من لسانه وعقله، وكيف يمكن للأبجدية إن صاغوها بوجع، أن تكون مقصلة للإنسان، هي طلاسم من وجع، وسحر من حروف الهذيان..
فقد خطت حروفها بكل ألم الآتي:
《أما بعد حبيبي وجرحي النازف على وتين القلب،
لو أنك كذبت علي لتجرعت خداعك كبلسم من فرط حبي
لو أنك قلت لم أخنك كنت صدقتك وعميت عيوني وأخرست جوارحي فكل شيء كاذب ما عداك
لو أنك قلت لا في حين قال العالم وكل حواسي بلى كنت صدقتك أنت
لكنك ما ارتضيت إلا أن تضاعف وجعي، وما فطن صدقك الذي طالما استغفلني وخانني وزيف كل شيء إلا في هذا الموقف
لم تكن أمنيتي بالكبيرة
فقط ترجيت بقايا شعور
وأن تكذب مرة واحدة لي لا عليّ
لكنك أبيت إلا أن تقتلني مرتين
ما بين كذب خيانة وصدق اعتراف
علقت روحي للأبد
ولتعلم أنني لم أخنك يوما حتى في الذاكرة..
قد تأخذك الهواجس والظنون وتعلن أنني مدعية ماجنة لا أكثر، لكنني الآن ميتة والموتى لا يكذبون
أتعلم؟ انا لم أكلم رجلا في حياتي غيرك، ومن كنت تتجسس على كلامي معه في منتصف الليل لم يكن سوى صدى صوتي أكلمه، فنجانا القهوة اللذان أضعهما على المنضدة ما إن ألمح طيفك من زجاج نافذة المطبخ، والذي صورت لك نفسك أن غبائي وسذاجتي هما ما أسقطاني سهوا في النسيان فغفلت عن طمس خيانتي..
لم تكن هناك خيانة من الأساس يا حبيب العمر، كل ما في الأمر أنني أردت، أن أجرعك نفس السم ومن نفس الكأس، فأفلت من بين أصابعي ليكون تركيزه أكبر فأكبر، في الحقيقة أنت من افلتته مني منذ علمت عن نيتك في قتلي، لكن لم أعترض ولم أهتم، ففي الأصل كل شيء في حياتي أخمد وانطفأ على يديك، ما الفرق ان كانت روحي الفارغة هي التي ستزهق هذه المرة، فأنا محض جثة حينها وأنت ستكرمني بشهادة وفاة
عزيزي
لن أغفر لك أبدا ...》.
بالكاد أنهيت قراءة الرسالة لأنتبه لنافذة غرفة الجلوس وقد كتب عليها بحبر من دم (لن أغفر لك أبدا)
والآن ها هي
ها هي هنا
في أحلامي
في صحوتي
في نفسي
عالقة بين شهيقي وزفيري
بين الحنجرة والبلعوم كغصة أبدية
ستعلق إلى الأبد
تحايلت على الكل ونجوت
ظننتني ذكيا وأنني أطفأت لهيب قلبي
فإذ بها الأذكى لأنها اشعلت نيران ضميري....
ما أبشعها
أن تظلّ مرهونا بالموت لشخص
أن تقرر أخذ شيء ليس من حقك
ظننته عدلا وقصاص
فإذ بها تجاوز على حق الله
القانون، العقاب، كلها أمور معنوية
الألم الحقيقي للخطيئة يكمن داخلنا
في الروح
في الضمير
في موتنا اليومي
قتلتها لأرتاح وأنتقم لكبريائي ورجولتي، فحطمتني كما لم تفعل امرأة من قبل وانتقمت مني بأبشع الطرق
ظننتني خسارة لا تعوض عندها فإذ بها من جعلتني أخسر نفسي وحاضري وآخرتي
ماذا يعني أنني أفلتت من العقاب
في حين باغتني عقاب أعظم
ألم الضمير وألم الروح وبقايا روحها التي تحوم حولي في كل ركن وخلف كل زجاج نافذة ...
لن أتحمل هذا أكثر، سأنهيه، نعم سأنهيه..
-فوق رماد الاحتراق والذكريات وقفت تلملِم بقاياها وأشلاءها المتناثرة من وحشة الأوجاع المتراكمة، على معزوفة الانتصار الحزين عبر زوايا منزلها الكئيب المنتحب منذ زمن استغاثة القلوب ومحاولات انقلاب الحب الفاشلة، كانت شبحا بحق تحمل على كاهِلها غدر السنين ولوعة القدر شكلت منها منحوتة جسد ضعيف مليء بالتَّناقضات المخيفة مسكونا بلعنة أمَله المُجهض بين الواقع المعاش والحلُم المَبتور المبتغى، والكابوس الذي دلفته منذ اليوم.
التفتت بحركة دائريّة متثاقلة في اِستياء وقرف وهي تستكمل تطلُّعها إلى جثته المترامية في زاوية المنزل، كلُّ من يراها سيفزع لهول المنظر وشر القتلة التي نالها، أو بالأحرى التي وهبها لنفسه، إلا أنها لا تشعر بذلك أبدا...كل ما تستشعره خليط من ازدراء وانتشاء.
رمقت جثته الغارقة في دمائها بنظرات بلهاءَ ساخطة ثم تمتم بكلمات فاضت منها الأهداب عبرات قبل ان تفيض الشفاه
(حين خدعتك بخيانتي المزيفة أردت أن أمنحك عدل القضاء والحكم على نفسك بنفسك فإن أنت تركتني تركتك، وإن أنت غفرت، غفرت، أما وقد حكمت علي بالموت والقصاص فلتعلم أيها البائس المسكين أن شرع الله أقر على الخلق أجمعين عكس قصاصكم الذي فرضه العرف وتقاليد مجحفة تخنق نساءنا لتزيد وجعهن وتعظم جرمكم، ولتعلم أن من أغرقتها مرارا وتكرارا في بحار كذبك وغدرك لن تأمن لك دون أن تتقن السباحة، فقط يا ليتك كذبت علي حينها ).
أصوات سيارات الشرطة تتعالى، نحيب صفاء يتعالى معها
لم يكن الأمر سهلا احتاج لأكثر من قلب مكسور وبضع أفكار، استراتيجية السن بالسن و سد الدين تعانقا للإطاحة بالثعلب القديم وها هو مجرد عنوان كاذب على صفحات الجرائد الأولى
(عاشق مسكين أفجعه موت زوجته فقرر اللحاق بها ليفجعه القدر الموت وقد ذهب باستحالة التقائها بعد عودتها آمنة سالمة.. )
تمت بحمد الله..
