آخر ليالي الأرض
(عندما تغضب الطبيعة) كانت تلك هي المقولة التي إنتشرت في أوروبا بعدما تعددت الزلازل والأعاصير، مخلّفة ورائها الملايين من القتلى، مدمرة آثارا ومحافظات ساحلية لا حصر لها ، أما هنا في مصر فالمقولة تغيرت لتصبح (عندما يغضب الله) ، فقد إنتشرت الدماء في كل مكان حتى تغير لون البحار التي أصبحت ممتزجة ومشبعة بالدماء ، محافظات ساحلية إختفت من على وجه البسيطة، وأراضي زراعية شاسعة غرقت. فبدأ عهد جديد لثورة جديدة تحت مسمى "ثورة الجياع" .
ظلَّت أماليا تتأمل المشاهد بالتلفاز بإبتسامة شيطانية ، لحظات وإرتفع رنين الهاتف فنظرت إليه بإنفعال وقد التمعت عيناها بقوة بعدما شاهدت الإسم (حمزة)، ذلك الشيخ الذي كان يدّعي الفضيلة، مما جعله بمثابة التحدي الأكبر لغرائزها الشيطانية، برفضه الإستسلام لها ولسحرها والتمسك بتلك الحجة البالية المسماة بالقيم والمبادئ، في زمن أصبح التمسك بها جنون والدفاع عنها يجعله يسبح ضد التيار، وعاجلا أم آجلا ستغرقه وتغرق معه شخصيته القديسة لتحوله لشخص شهواني جل مايفكر فيه هو رغبته فقط ولا شيء آخر أهم من ذلك. وهذا ما تريد أماليا فعله مع حمزة.
إرتفع رنين الهاتف مرة أخرى فأخرجها من تأملاتها، إبتسمت بسعادة ونظرة عابثة تزين وجهها وهي ترى إصراره على الإتصال بها.
أجابت على الهاتف لتسمع صوت تنفسه الحاد وكأنه في سباق، ثم ما لبث أن تحدث فبدا صوته غريبا عليها وليس حازما كما اعتادته بل مثقل بالمشاعر : أماليا ، كيف حالك ؟
أماليا بصوت حنون يخالف نظراتها الشيطانية : أنا بخير ، كيف حالك أيها الشيخ حمزة؟
زفر حمزة بقوة بعدما سمع همسها بإسمه : الشيخ! وقع أسيرا في هواك وأنا قاومتك كثيرا ولكن اليوم أعلن الإستسلام لك ولسحرك وأعترف أمامك وأمام نفسي أولا، أنني أريدك كما لم أرد أي إمرأة من قبل ، أريدك الآن يا إيمي!
إبتسمت أماليا بسعادة ثم تحدثت بصوت رقيق يغوي القديس: وأنا في إنتظارك لألبّي رغبتك بكل سرور.
أغلقت أماليا الهاتف بسعادة وهي تنظر إليه، ثم سرعان ما توجهت إلى المرآة ووقفت تحدث نفسها : وأخيرا يا حمزة أخيرا ربحت الرهان وتغلبت عليك!
وهنا وبدأت الصورة المنعكسة لها في المرآة تتغير لتتحول لشخصية أخرى قبيحة الوجه والملامح : مبارك أماليا نجحتِ في الإختبار واستطعتِ إغواء ذلك الرجل الذي يدّعي المثالية والإحترام ، من حسن حظكِ أنكِ إستطعتِ سريعا أن تنجحي بذلك فالنهاية قد إقتربت كثيرا. فبعد أن تمكنتِ من كسر معتقدات هذا الشيخ المتعفف وجررته للرذيلة هذا ما كان ينقص خطتنا لتغلب الشياطين على البشر، كما تعلمين لا نصر لنا بوجود مؤمن متمسك بالمبادئ.
أماليا بإبتهاج: واو! هل تحدد الموعد روسيلا؟
روسيلا: نعم تبقى عدة ليالي فقط وينتهى كل شيء ، تمتعي بنزوتك الأخيرة أيتها الشيطانة التي غلبت القديس!!!
أماليا : كل مافي الأمر أنه أثار بداخلي رغبة التّحدي بأفعاله ومحاولته الواهنة لنشر تلك القيم والمبادئ، وكلما حاولت إثناءه عن قراره كلما عاند أكثر ، وانت تعرفين أكثر ما أكرهه هو العناد.
………..
دلفت أماليا إلى هرم سقارة وهي تتهادى بنظرات شيطانية ماكرة وكأنها تخطط لشيئ كبير،
ظلت تتحرك في مسارات تشبه المتاهة حتى وصلت إلى جدار عليه نقوش ورسومات فرعونية قديمة، وقفت أمامه ثم وضعت يدها على الجدار، نظرت إليه بقوة وقد تحولت نظراتها للون الأحمر فبدت مخيفة للغاية رافقت نظراتها كلمات غريبة تشبه الطلاسم،
إرتفع صوت عالٍ يكاد يصمّ الآذان وإرتفع معه دخان كثيف يثير الفزع في النفوس، إلا أنها لم تتأثر أبدا ووقفت جامدة كما هي، لحظات وإنقشع الضباب وبدأت الرؤية تتضح لتفصح عن حجرة مهيبة كبيرة الحجم تبدو كما لو كانت مكتبة ضخمة مليئة بالأسرار، والتي منها سر الخلود كما أسمته بعدما إكتشفت سر الأهرامات المدرّجة تلك الموجودة في مصر وإندونيسيا والمكسيك، ذلك السر الذي تم طمسه حفاظا على كوكب الأرض. إنتبهت وتركّزت نظراتها على نقطة في نهاية الغرفة، على جثة ملقاة على الأرض، أسرعت في خطواتها وهي تقترب منها بهدوء ظاهري، بينما كلما إقتربت أكثر تغيرت نظراتها حتى تحولت إلى اللون الأحمر لتعكس الغضب الذي يسيطر عليها،
أمالت بجسدها للأسفل ثم أمسكته من ملابسه بحنو وهتفت برقة مبالغ فيها : حمزة!!
بدأ حمزة يرفرف أهدابه وهو يتأوه بألم وجسده مليء بالكدمات ووجهه متورم، ثم تحدث بصوت يكاد لا يسمع من التعب: أتركيني وشأني!
أماليا وقد إحتدت نظراتها فأمسكته بقوة لتقربه إليها بعنف وهي تتحدث بحدّة مخيفة: ربما لو إبتعدت أنت عن طريقي من البداية كنت سأفعلها، أما الآن فأنت تحاول إفشال مخططاتي حتى بعدما حدث ما حدث، إستيقظت كالمجنون لتقرر أن تعود لحالتك الأولى مرة أخرى ( ثم عادت إلى رقتها المعهودة مرة أخرى تتلمس وجهه بحنو) هل لم أعجبك مثلا؟!
جاهد حمزة لإستجماع كل قوته وأبعد يدها بوهن وهو يقول بصوت واهن: أنتِ هي خطيئتي التي سأظلُّ دائما أطلب العفو والصفح من الله عنها، وليشهد الله أني نادم، أنني إستسلمت لسحرك وسأظل أقاومك مهما حدث...
أماليا بعنف وهي تقذفه بقوة على الحائط : ستندم أكثر الآن ، أما عن المقاومة فهي لم تعد خيارا واردا ، فالآن إما الإستسلام أو الموت، وأعتقد أنك تريد الموت لذلك سأمنحه لك بكل سرور!!!
تركته ملقا على الأرض وأمسكت بجهاز صغير يشبه العصا السحرية مصنوع من الخشب وفي نهايته بلورة كريستال،
ثم أطلقت تعويذة غريبة فبدأت البلورة تتوهج باللون الأحمر وكلما إزداد التوهج كلما إتسعت إبتسامتها الشيطانية أكثر، فالنهاية أصبحت قريبة.
ظلَّت تمرر البلورة على جوانب الجدار وبينما هي تمررها، لاحظت نقطة صغيرة حمراء تسطع بقوة في الجدار فجأة ثم خفتت حدّتها بعدما تخطتها، إلتمعت أعين أماليا فبدت وكأنها إنعكاس للبلورة ثم سرعان ما تحدثت بنبرة مخيفة تخالف صورتها التي أجادت رسمها أمام الجميع: إلى كل الأرواح التي تمكث في العالم السفلي تنتظر الخلاص الآن جاءت اللحظة الحاسمة الآن سترون كيف الحال عندما يبتسم الجحيم لأصحابه،
أمسكت أماليا بالعصا بقوة هذه المرّة وأطلقتها بإتجاه تلك النقطة وهي تتمتم بتعويذة سحرية،
بدأت النقطة تتسع شيئا فشيئا حتى كوّنت فتحة دائرية صغيرة يتجاوز قطرها ١٠ سم بقليل.
بدأت الأشعة تنطلق مخترقة الأحجار والحوائط حتى وصلت إلى قمة الهرم ثم أخذت تتسع أكثر فأكثر وكأنها تستجمع قوتها، في نفس اللحظة كانت أماليا تنظر إلى السماء بأعين مرتقبة، ثم سرعان ما تحولت نظراتها إلى ساعة رملية كانت قد جلبتها معاها لتحديد موعد ساعة الصفر، كانت قد وضعتها بالتحديد في الهرم المدرَّج في أندونيسيا والهرم المدرَّج في المكسيك، وتكفلت هي بإشارة البدء في هرم سقارة
وقد تزامن سقوط آخر نقطة رمال مع صرخة أماليا التي أطلقت كلمة البدء : الآن فليبدأ عصر الجحيم!!!
لحظات وإنطلق الشعاع كالصاروخ بإتجاه السماء ولم تمر سوى دقيقة حتى أتى شعاع آخر من الشرق حيث الهرم المدرج الموجود في إندونيسيا وآخر من الغرب حيث الهرم الموجود في المكسيك.
تكون مثلث يشبه مثلث برمودا رأسه في مصر وضلعيه في إندونيسيا والمكسيك
حبست أماليا أنفاسها بقوة فقد كان المنظر مهيبا، السماء كأنه قد تم وشمها بختم الشيطان!
لحظات وتوهج المثلث أكثر فأكثر وبدء في الإتساع شيئا فشيئا، ثم سرعان ما أطلق شعاع ضخم ومخيف للغاية يشبه النيزك،
أغمضت أماليا عينيها بقوة وقد شعرت بالخوف يسيطر عليها لأول مرّة،
بدأت الأرض تهتز بقوة شديدة ثم فجأة! شعرت بإصطدام قوي للغاية، وقعت أماليا على أثره مغشيا عليها..
بدأت تستعيد وعيها مرة أخرى لتلتقي نظراتها بنظرات حبيبها أيوان ينظر إليها بعيون عاشقة : فاتنتي ، انتِ بخير ؟
إحتضنته أماليا بحب وهي تهتف:أيوان ( ثم نظرت إليه بترقب ) هل نجحت؟
أيوان : نعم يافاتنتي لقد إستطعتِ فتح بوابة الجحيم المتمركزة في بؤرة المثلث ونجحتِ في تحرير العالم السفلي
ثم أكمل وهو يحتضنها بتملك : والآن لم يعد هناك حاجة للتسلية على البشر ، تلك التسلية التي كانت تقتلني حياً وخاصة تسليتك على تحدي ذلك الشيخ.
أماليا وهي تحتضنه بحب : لا تغضب فلقد إنتهى كل شيء ، وأنا ملك لك وحدك، والآن لنجعل التحدي الجديد لنا أن نسيطر على القيادة معا.
أيوان وقد التمعت عيناه بقوة : بالفعل هذا ما أفكر به، فقد إمتلكنا زمام الأمور بشكل رسمي بعدما كنا نسيطر على البشر بصورة غير مرئية من على بعد ، دون الإستفادة بمزايا الأرض المختلفة إلا أن الآن كل شيئ تغير و أصبحنا نحن أسياد الأرض..
بينما كان أيوان يتحدث أوقفته أماليا عن الحديث وهي تهتف بقلق جلي: توقف قليلا
ايوان بقلق: ماذا هنالك؟
أماليا بنبرة خائفة وقد شحب وجهها: أنا أشعر بالخطر يحيط بنا ولا أعلم السبب .....
لحظات وإرتفع صوت تكسير إلتفتت أماليا وأيوان ليجدوا حمزة وقد تحامل على نفسه واقفا ينظر إليهما بقوة وأمامه تقبع تلك البلورة ولكنها محطمة، مما جعل أماليا تصرخ بفزع، ثم إتجهت لحمزة وأمسكته من عنقه وبدأت تشد يديها حولها وهي تقول : لقد تجاوزت كل حدودك!
ظلت تشد يديها أكثر فأكثر حتى تراخى جسده وتأكدت من موته فتركته ليسقط على الأرض جثة هامدة،
نظرت إلى ايوان بقلق وقبل أن تتحدث دلفت روسيلا: أماليا، أيوان، لقد تحررنا جميعا فأوقفوا عمل البلورة!!
أماليا بتوتر وقلق : للأسف لم يعد باستطاعتنا ذلك مشيرة إلى البلورة المكسورة
لتهتف روسيلا بفزع : يا للكارثة التي حلَّت علينا!!!
أماليا وقد شحب وجهها: ماذا هناك روسيلا؟
روسيلا وقد شحب وجهها للغاية : ثمن فتح البوابة كان أكبر بكثير من الزلازل والبراكين ، الجاذبية الأرضية من الداخل تضاعفات آلاف المرات وبدأت الأرض تجذب بقوة إليها كل الأقمار والمذنبات والكواكب الأصغر حجما منها، وقد كان الحل يكمن في غلق تلك البؤرة لنوقف الضرر على هذا الحد ، أما الآن فالضرر سيكون أكبر بكثير..
أماليا بفزع : وما الضرر المتوقع ؟
روسيلا: جاذبية الأرض تتزايد وهذا يعنى أن الأرض ستتعرض للعديد من التصادمات في الفترة القادمة مما سيدمر أجزاء من الأرض إن لم تكن جميعها.
وقبل أن تكمل دلف أحدهم بوجه أبيض من الشحوب ليهتف : الجاذبية في تزايد مستمر وهناك إشارة بأن هناك جسم غريب أقل من حجم الأرض بقليل يقترب منها بسرعة كبيرة ونتائج ذلك التصادم لا تبشر بالخير وربما الأرض ستكتب نهايتها بعد أيام .
أماليا بشحوب : وما العمل ؟
ذلك الرجل بيأس : لا شيء إستمتعوا بآخر ليالي الأرض تحت سيادتكم .
…………...
في مكان آخر بالتحديد في وكالة ناسا كان العمل على قدم وساق لمحاولة إيجاد حل لتلك المعضلة
تحدّث أحد الباحثين والذي يبدو عليه الوقار : للأسف لا يوجد حل , الأمر خرج عن السيطرة.....
وقطع حديثه وهو يتأمل نقطة ما على تلك الخريطة الإلكترونية الموجودة أمامه بتحفز وأمل
ثم سرعان ما إتسعت إبتسامته وهتف بسعادة : أعتقد أنني وجدت الحل !!...
تمت بحمد الله
