آنات العشق
نظر زوجي إلى والده، وصدم وتفاجئ بمعرفته بمرضي، وبقي التساؤل من أين علم ؟!
لم أكن يومًا أتوقع، بأن حياتي ستتغير للأفضل، فأنا لست فتاة عادية، بل أنا ضعيفة منكسرة حطمني السرطان، كان الجميع يخافون علي من الموت، منذ ظهر هذا المرض اللعين، لم أقارن كفتيات جيلي، كان الجميع يعاملني بحذر وشفقه، فيما عاداه هو، فقد تعرفت عليه من قبل ظهور مرضي، وكان يعشقني حد الثمالة، وينتظر لحظة تخرجي؛ من أجل الارتباط بي، حتى عائلته كانوا يتمنون تلك اللحظة، وتم التواصل بينهم وبين عائلتي، وتمت دعوتنا لحضور حفل زفاف أخيه، كنت أشعر بالتعب، ولكن تفاقم أكثر يوم الزفاف، فعزم والدي أمره أن يقوم بفحصي، وبعد الفحص، أثبتت النتائج إصابتي بالسرطان، أتذكر اتصاله بي، وانتظاره لي في هذا الزفاف، وأنا في حيرة كبيرة بين افشاء هذا الخبر وكتمانه، حاول مرارًا وتكرارًا معرفة أي شئ من عائلتي، لكنهم تركوا الأمر لي بمواجهته، وبالفعل طلبت مقابلته ومواجهته، وتوقعت تهربه مني، لكني صُدمت بيده تربت على يدي، وهو يقول وعيناه تفيض بالدمع، كيف لكِ أن تتوقعي تركي لك، و أنا الذي تعذبت طيلة الأسبوع الماضي، كنت أخشى أن تكوني أعدت حسابتك؛ في أمر ارتباطنا، وقررتي تركي لظروفي المادية، لا وألف لا يا عشقي، فانشق ثغري بابتسامة، لم أكن أتوقع حدوثها في مثل هذا اللقاء، وعادت الأمور لطبيعتها، وكنت أسّر كثيرًا عندما كان يعاملني بكمال، كأن لم يكن بي مرض، اقترب أمر زفافنا، وكانت الترتيبات علي قدم وساق، وعائلتي يحمدون الله أنه وافق علي ارتباطه بأنثى، من الممكن أنها لن تقدر على الإنجاب يوما ما، وبدأوا في التساؤل، هل عائلته تعلم بذلك؟ ولو تعلم بذلك، كيف لهم أن يوافقوا؟ أيعقل أنها مجرد زيجة مؤقتة، لظروفه المادية وبعد أن تتحسن مادياته، سيقوم بالزواج من أخرى للإنجاب، ولكن هذا سيقوم بتدميرها، كل هذه التساؤلات كانت تسمعها من خلف الأبواب المغلقه، في منزل عائلتها، تساؤلات أثارت لديها الجنون؛ بسبب تفكيرها في الأمر، فكرت في باحتمالين، إما أن تسأله بمدى علم عائلته بمرضها، أو تترك الأمور على حالها حتى تتضح فيما بعد، احتارت فيما فعله، واختارت أن تستخير الله وبالفعل استخارته، ووجدت في حلمها طفلة صغيرة، وهو يحملها لتقوم هي بتقبيلها، استيقظت وابتسمت بسخرية، فمن المؤكد أن هذا لن يحدث، ولو حدث! فمن المفترض أنها لن تكون موجودة معهم، تنفست بعمق، واستغفرت ربها وتوضأت، وصلت فرضها ودعت ربها أن يتم أمورها القادمة علي خير، هي لا تريد سوى الفرحة والسعادة، في الأيام المتبقية في عمرها، حتى ولو تزوج بأخرى وأنجب منها، ستظل معه حتى تحتضر بين يديه، يكفيها أنه الوحيد الذي يعاملها كأنه لم يوجد بها مرض، وجاء موعد زفافي به، أتذكر أني لم أرى الشفقه في أعين أحد من عائلته، فعلمت أنه لم يتفوه لهم بأي شئ، الشفقه كلها كانت موجهة لي من عائلتي، التي خشت عليّ، أو بالأحرى كان يعدون لي السنوات والأيام المتبقية من عمري، ينظرون إلى قطعة من قلبهم بضعف، منتظرين موعد اقتلاعها، وبعد زواجي انتظرت أن يطالبني أهل زوجي بالإنجاب، ولكن لم أرى ذلك، بدأ الشك يساورني؛ أن قد يكون زوجي سرد لهم عن معاناتي مع المرض، ولكني علمت أنهم كانوا يخشون انشغاله عنهم بإنجاب أطفال، حيث كان الابن الأكبر، ومن خلفه ثلاث أخوات بالجامعة ولديهم مصاريف، و عائلته غير قادرة، هم فقط وافقوا علي زواجي منه، عندما علموا أن أبي سيمنحني شقة، كما منح شقيقاتي، مضى سنتين لم يحدث فيهم جديد، إلا أن عشقي يزداد له مائة مرة، رغم انشغاله بمصاريف شقيقاته، إلا أنه يهتم بي و بأمر علاجي وجلساتي وكل شئ يخصني، ولكن بعد مرور خمس سنوات، وتخرج كل شقيقاته وتزوجن الواحده تلو الأخرى، وذهبت لمهاداة أول حفيد لهم من شقيقته، تفاجئت بوالده يقوم بحمل الطفل الصغير! ويعطيني إياه ويتحدث بسخرية، أنه كان يرغب أن يكون حفيده الأول مني، ولكن تعب ومشقة زوجي معهم، في تعليم شقيقاته وزواجهن هو الذي منعه من هذه الرغبة، اكتفى هو بهذا الحديث، ولكن الحديث اللاذع كان من نصيب والدة زوجي، حينما قالت أن هذا الأمر لا يحتمل الانتظار طيلة الخمس سنوات، هذا الأمر لابد أنه يوجد أشياء مانعة له، وتسائلت أيعقل بأنني طيلة الخمس سنوات، لم أحاول أن أذهب لطبيب، وأففحص نفسي أم أنه يوجد شئ بي يمنعني وأخفيه عنهم، وانتهزت فرصة عدم مفاتحة أحد منهم لهذا الموضوع، وبالرغم من كل نظرات الاتهام التي وجدتها في أعين عائلته، وحديثهم الهامس لبعضهم، إلا أنني وجدته يقوم باحتضاني من ظهري قائلا وهو يبتسم ابتسامة ثقة:
_ الله سيعوضنا قريبًا بإذن الله.
نظرت إليه والدته بعدم ارتياح قائلة:
_ معنى ذلك أنكم ذهبتم للطبيب و أثبت أنه يوجد مشكلة بها.
وقبل أن تستكمل كلماتها تفاجئوا جميعًا بالأب وهو يقول
_ تزوج أخرى اذا كان الأمر صعبًا مثل ما سمعت.
نظر زوجي إلى والده، وصدم وتفاجئ بمعرفته بمرضي، وبقي التساؤل من أين علم؟ فمن يجرؤ أن يخبره بحقيقتي، لا أحد يعلم بهذا سوى والداي وشقيقاتي، أصبح في حيرة ماذا يفعل؟ فهو الصبي الوحيد وحامل اسم هذه العائلة، ومن المؤكد بعد معرفة والده بمرضي، سوف يعزم أمره أن يزوجه بأخرى من أجل الانجاب، وهو لا يريد إلا أن يبقى معي أبد الدهر، عندما يتحدث عني يذكر بأننا عائلة ولا يذكر شيئا أخر، غالبا معظم الرجال في هذه المواقف تتهرب منذ اللحظة الأولى، ولكنها تتقبل كل شئ حتى أخر موقف، وهو مواجهة والداه له ترى ما رده فعله بعد ذلك، نظرت لوالدي وجدته لم يكترث للأمر، وعندما تناقشت معه استنبطت أنه هو الذي أفصح عن مرضي لوالد زوجي، وفي أخر مناقشتي معه أقنعني أن أرضى بالأمر الواقع و أترك زوجي يتزوج بأخرى، وبالنهاية أنا أعيش بمنزلي وهو الضيف، عندما يتردد في اختيار القرار، ولكن بعد تطاول والدة زوجي علي بالكلام، واخبارها لي أنها كانت تعلم بكل شئ، من خلال زوجي والذي أصر عليها ألا تعلم والده، وتأكيدها لي أنه تزوجني شفقه وليس حبًا، ولو كان حبًا سينتهي يومًا ما بسبب أنانيتي، كان من المفترض أن أقوم برد مهين لها، أو سؤالها ماذا لو حدث ذلك مع بناتك؟ ولكن والداي أحسنوا تربيتي، ما كان علي إلا أن أمتثل لمطلبها، وفكرت تفكيرًا يشغلني عنه، وهو إتمام الدراسات العليا بالجامعة، وقررت والتحقت بالجامعه من جديد وسجلت بها، ولأني كنت مشغولة عنه وهذا كان مقصودًا مني، خاصة بعد عناده معي ورفضه الزواج من أخرى، ولكنه عدل عن هذا الرفض وطلب من والداته البحث عن امرأه، واشترط أن تكون متزوجة من قبل إما مطلقة حسنة السمعة، أو أرملة حتى لو كان لديها أطفال هو لا يمانع، لأنه فقد الشغف بالنساء، وبالأحرى فقد الشغف بكل شئ، وفي قمة انشغالي عنه لم أدري أنه قد ترعرت بداخلي نبتة منه، علمت بها عندما غابت عن موعدها الشهري ثلاث مرات، ظننت أن يكون اختلال هرموني بسبب مرضي، أو بسبب عدم أخذ حبوب منع الحمل، ولكن بدأ الأمر متعب وقررت قبل ذهابي لأخذ جلساتي العلاجيه، أن أذهب الي طبيبة نسائية، لتؤكد لي أني أحمل جنين برحمي وعمره شهرين كاملين، في البداية تفاجئت، ولكن تذكرت شيئًا هامًا أن يوم مواجهة والداه لي، قررت عدم أخذ الحبوب وليكن ما يكن، حتى لو توفاني الله سأترك له قطعه مني يتذكرني بها، جائت الطبيبة تملي علي بعض التحذيرات، ولكن تذكرت أنه ذاهب ليرى عروسه له، فأسرعت الي المنزل وجدته يفتح الباب ليخرج منه، ولكن استوقته والدموع تفيض من مقلتي، وهو يتوقع أني سأمنعه لشعورى بالغيرة، ولكنه صدم من خبر حملي وأخذ يثور ويريد مني اجهاضه، وأنا رافضة وعازمة أمرى على ابقائه برحمي لموعد ولادته، حتى لو لم أره في حياتي، يكفيني أن أتركه له، قلت له أنا فقط أردت التعمق في عشقنا وهذا حقي وحقك علي، أن أترك لك قطعة مني، أستحلفك بالله ألا ترفض قراري؛ حتى لا أشعر بالنقص و أنت دائما تشعرني بالكمال، مضت السبع أشهر وهو يتابع معي تعليمات الطبيبة بكل حذر، ولكني دائمًا أراه مطمئنًا غير خائف، وكالعاده تدور الشكوك والتساؤلات،ما سبب كل هذا الاطمئنان الذي يحيطه؟ وعلمت سره عندما خرجت من غرفة عمليات الولادة، حدقت بعيني في الغرفه الموضوعة فيها، ووجدت الجميع حولي، وسمعت صوت صراخ طفلتي وهو يحملها ويقربها مني ليجعلني أقبلها، لأغمض عيناي و أفتحهما مرارًا وتكرارًا، وأظن أني موضوعة بالحلم الذي حلمته قبل زفافي، لأسمع صوته وهو يضحك وهو يقول هذه واحدة، ولكنها ليست أي واحدة، هي التي منحتك الحياة من جديد عزيزتي، أتعلمين سر هدوئي واطمئناني طيلة حملك، هي تلك الطفلة الذي تم عن طريقها نقل نقي العظام لك، لتصبحين موجودة بيننا الأن، هذه الطفلة منحنتني إياكِ من جديد، وستمنحني أطفال أكثر منك، لذلك سأطلق عليها أنات العشق.
وبالفعل كانت أنات طفلتي الأولى، والمصدر لحياتي ومن بعدها رزقني الله بتؤام، دائما ينظر إليها الجميع أنها مصدر الفرحة والسعادة، ليس فقط في منحها للحياة لي من جديد، ولكن هي فتاة مرحة لذيذةيعشقها الجميع، لم أعلم أنها ستكون الفرحة الدائمة لنا، ظننتها الفرحة الأخيرة لي ....
تمت بحمد الله...
