وصف المدون

إعلان الرئيسية

أحدث الروايات


 بقايا النرجس 

لا تخف من طعنة الغريب، فإنه لا يعرف نقاط ضعفك، ولكن اخشى طعنة القريب؛ فهو الخبير بكل تفاصيلك وخباياك  ..


تجلس وحيدة علي رصيف محطة القطار، لا تعلم أين تذهب أو لمن تذهب، كيف وصل بها الحال إلى هذا الوضع، لا ملجأ ولا صديق او رفيق،
بماذا أخطأت؟ هل بانقاذها لطفلة جارتهم من النيران؛ مما أدي إلى تشوه بجانب وجهها الأيمن، أم لأنها وثقت بأختها وزوجها، وما كان منه إلا أنه حاول الاعتداء عليها واستغلال ظروفها، كيف لمن من المفترض أن يكون بمثابة الأخ لها أن يفعل بها ذلك؟ ظلت تحاول استرجاع كامل تصرفاتها معه، هل صدر منها ما يحثه علي فعلته هذه؟ لقد تذكرت لمساته ونظراته، التي لم تأخذها على محمل شخصي، ولكنها كانت تعامله دائمًا على أنه بمثابة أخ وزوج اخت، وآااه من أختها، التي لم تصدقها! بل والأمر ان تلقت منها صفعة، تحمل كل معاني الإشمئزاز منها، وما كان أمامها، غير أن تخرج وتذهب، لا تعلم إلى أين، ولكن لم تستطع تحمل كل هذا الظلم الواقع عليها، ألم تكتفي الحياة من اختبار قوة تحملها وصبرها، لقد توقفت حياتها فعليًا منذ الحريق، النظرات من حولها تعريها، فهي فتاة في ريعان الشباب، تجلس وبجوارها حقيبة ملابس في هذا الوقت المتأخر، ولا أحد يرحم في هذا الزمان، وإذا بسيدة تتشح بالسواد، ولكن يبدو على وجهها سمات من الرضا والقبول، لتقترب مني متسائلة:
_ ماذا تفعل فتاة جميلة مثلك في هذا الوقت وهنا في محطة القطار؟

_ جميلة! ألم تري وجهي جيدًا يا سيدتي فأنا مشوهة.

_ ألم تسمعي أن الجمال جمال الروح، وأنتِ جمال روحك ظاهر وبين على وجهك.

تجاذبت اطراف الحديث معها، حتى أفاضت لها بكل مكنونات صدرها، فلقد شعرت أنها والدتها، التي فقدتها منذ سنوات.

_ وأنتِ يا سيدتي، ما الذي جاء بك في هذا الوقت هنا؟

_ لقد تلقيت خبر وفاة زوج شقيقتي، و ها أنا هنا عائدة من هناك، أخبرتني قصتك ولم تعلميني باسمك.

_ أنا أدعى نرجس، فقد كانت والدتي رحمها الله عاشقة للنرجس.

_ هيا يا نرجس تعالي معي، فلقد احببتك كابنة لي، وليس لي سوى ولد وحيد، يقضي أغلب أوقاته في العمل بالمشفى.

شعرت بالتوجس، فكيف اذهب معها؟ ولكني استخرت ربي، واطمئن قلبي لها، فماذا سيحدث لي اكثر من ذلك؟

منزل يتسم بالنظافة والترتيب، قضيت فيه العديد من الأيام الجيدة، لا يُنغص عليّ هذه الأيام، سوى عند عودة ولدها من العمل، فهو طبيب تجميل، ولا يحب أن يرى سوى ما هو جميل، فقد قالها لي وجها لوجه عدة مرات، ولكن تغيرت فكرتي عنه بالكامل؛ عندما تعرض لي زوج أختي، وجاء ليأخذني بالقوة، زاعمًا أني سيئة الاخلاق، وأني تركت منزلهم بلا سبب ولا داعي، ولكنه تصدى له، فقد ابلغته والدته بكل ما حدث معي، ولكنه قاسي وبارد بطبعه، لم يظهر أي اهتمام بي، سوى بوجهي ومابه من تشوه، لا أعلم لماذا دائما يسألني عن الجرح، وكيف أصبت به؟ وهل سبق وعالجته؟ وكيف تعاملت معه؟ ولكنه دائمًا ما ينهي كلامه، بكيف أستطيع تحمل هذا الجرح، ولم أغير به من شئ.

حتى بدأت اتهرب من لقاءه، كلما تواجد في المنزل، لا أريد أن يجرح نظره بالنظر إلى وجهي المشوه.
كيف يا قلب تميل لمن لا يطيق النظر إليك؟ فهو حلم بعيد، لا أستطيع حتى النظر إليه، فكيف بالوصول له؟ يصلني شعور بالرفض لي من ناحيته دائمًا، لا أعلم لماذا يأتيني هذا الشعور، ولكني أصبحت شبه متأكدة، أنه يعاملني من قبيل الشفقة والرفق بالغير، حتى ذات يوم، سألتني والدته الحبيبة، لماذا توقفت عن دراستي و لم أكملها؟ وأجبتها بأني لا أستطيع تحمل نظرات من حولي، من طلبة و أساتذة، فالبعض يرهبني و الآخر يشمئز من رؤيته وجهي، في هذه اللحظة، تحول إلى كتلة من الغضب، وهو يستمع إلى حديثنا، ووجه لي كلماته بأنني ضعيفة، لا أقدر على المواجهة، وكيف لم أسعى لتحسين حالتي، و سجنت نفسي بين جدران اصابتي، التي من المفترض أن أتقلد وسام عليها، دليلًا على شجاعتي، التي من الواضح أنها التهمتها النيران، وليس نصف وجهي فقط.

أحسست بنفس شعوري عندما تلقيت صفعة اختي، ولكن لا أعلم لما وقع كلماته كان أكثر ألمًا، وأشد تأثيرًا في نفسي. ظللت أحدث نفسي، أنا لست ضعيفة، أنا سُلبت جمال وجهي ولم يقدر هذا أحد، وثقت في الناس وخُذلت، ألا يحق لي أن أغلق على ذاتي؟ بعيدًا عن كل شئ وكل شخص، وتوصلت لنتيجة لم أرد أن أصدقها، نعم أنا ضعيفة! تركت نفسي لتشوه وجهي، يقودني ويتحكم في حياتي، ولكني كنت بمفردي، لم يساعدني أحد، رفضني كل من حولي، الجميع ينظر لمظهري الخارجي؛ الذي يتلخص في تشوه وجهي، ولم يكلفوا أنفسهم بأن يروا ما في داخلي، أو في داخل عقلي، ولذلك فقد استسلمت، نعم استسلمت لواقع مرير لا مهرب منه، ولكن ألا أستحق الحياة، نعم أستحق الحياة، ومن هذه اللحظة، لن أسمح أن أكون بقايا علي طرف الطريق، سأكون أقوى وأشد.

لا أعلم، هل كان الله يسمعني في هذه اللحظات؟ فبعدها بعدة أيام، استمعت لحديث سامر مع والدته، بأن هناك طبيب كبير، سيصل في زيارة إلى القاهرة، للقيام بعدة عمليات تجميلية، ولكن قبلها سيمضي يومين في الاسكندرية للاسترخاء، شعرت بأنها إشارة لي من الله، وقد يكون الشفاء على يد هذا الطبيب، عزمت أمري، ورحلت دون وداع او كلام، فقط ورقة صغيرة تركتها، وسطرت عليها كلمة واحدة سأعود.

ها أنا ذا بعد مرور ثلاثة أشهر، منذ رحلت عن من اعتبرتهم عائلتي، و ها أنا أقف على باب منزلهم، ترى كيف سيكون اللقاء؟ هل نسوني ام مازالو في انتظاري؟ تنفست بعمق، وتوكلت على الله، وطرقت على الباب، فتحت لي من اعتبرتها امي، وظلت تحدق بي للحظات غير مستعوبة من اكون، ثم وبدون مقدمات جذبتني بين أحضانها، وهي تبكي وتقول: لما يا ابنتي؟ هل اغضبتك في شئ؟ لما تركتني بهذه الطريقة؟ كان القلق يهنش في قلبي كل يوم، خوفًا عليكِ أن تكوني تأذيتي، حمدًا لله على سلامتك، دعيني أنظر إليكِ جيدًا، كنتِ جميلة واصبحتِ أجمل،
جلست بتلهف أنتظر عودته، ورؤيته لأنا الجديدة، فلا زلت أتذكر قول والدته، بأنه يحب كل شئ جميل ومنظم من حوله، ومرت الساعات كسنوات، حتى عاد من عمله، وعندما سمعت صوت مفتاحه، وقفت في تأهب أنتظر رؤية تأثير المفاجأة عليه، وعلى شفتي ترتسم بسمة واسعة، ولكن للأسف تحطمت كل آمالي علي صخرة بروده، فلقد نظر إلي ّ ورحب، ثم أشاح بوجهه ودلف إلى حجرته، لا أعلم هل وصل صوت تحطم قلبي إلى مسامع والدته، فلقد شعرت بيدها على كتفي، تربت عليّ في حنو وتستأذن مني بذهابها للمطبخ، لتكمل إعداد الطعام، 
جلست في مكاني لا أعلم ماذا أفعل، ولكني حسمت أمري، وتوجهت إلى حجرته، وفي تردد طرقت الباب ودلفت إلى الداخل، سألته، لمّ هذا الجمود في التعامل؟ أليس هذا ما أراده! فأنا الآن أصبحت جميلة القلب والقالب، ولكن ما صدمني هو جوابه، فلقد اعترف بدون ضغط و بدون رجاء، اعترف بأنه أحبني من قبل كما كنت، وفسر لي سر تعامله معي بهذا الشكل، بأنه أراد أن يدفعني للامام، وأن أحترم ذاتي كما كنت، استمعت له وأنا في ذهول، لقد كان حديثه عن الطبيب مقصود، ليرى رد فعلي، فلقد توقع أن أذهب إليه وأطلب المساعدة، ولكني خالفت توقعاته وهربت، والمفاجأة الأكبر لي أنه كان معي في غرفة العمليات، فلقد تعرف على اسمي في ملفات الطبيب، ولكنه لم يبُح لأحد احترامًا لقراري، وكيف أجيب عليه وقد عملت عمق مشاعره لي، ولكني وجدته يخرج من جيبه صندوق صغير، ويركع على قدم واحدة أمامي، وهو يخبرني أنه أراد الزواج بي منذ أن جاء زوج أختي لاسترجاعي، خوفًا من ذهابي، ولكنه عمد إلى التأجيل من أجل أن استرد ثقتي في نفسي، ولا أشعر أن ما يفعله شفقة، بل حب صادق ينبع من صميم قلبه، وافقت على زواجنا، فهم عائلتي التي احتضنتني، وهو حبيبي وسر قوتي.

تمت بحمد الله...

التصنيفات:
تعديل المشاركة
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

Back to top button