أسفل بند الإنتحار
"9-8-2015"
-أنا صديق المُنتحر، وجدت رسالةً على مكتبي في ذات اليوم الذي انتحر به، مكتوبٌ بها "قدم شكوى لأني لم أنتحر" فجئتك مسرعًا لأقدم الشكوى، وهذا هو المُحامي.
《كُنت أتعجب مِمَن يحزنون لأن لا شيء مُحزن أو يستدعي الحزن بحياتهم، والآن أنا أحزن كثيرًا لأن لا شيء محزنٌ بأيامي الماضية ولن يكون هناك حزنٌ في الأيام القادمة، أخلق الحزن بداخلي دائمًا ولا أنجح في هذا أيضًا، لست أريد الحزن لكي أحزن؛ أريده فقط لأعيش حياةً طبيعية؛ فمن الطبيعي أن يجد الإنسان شيءً يحزن عليه ويبكي أيضًا؛ لكي يسعد بعدها وينتشل ذاته من الحزن، ففي كل مرةٍ يحزن الإنسان يخرج من حزنه متعلمًا لدرس جديد، أنا أيضًا أريد التعلم من الحزن، فالعيش في السعادة الدائمة أو دون وجود حزن بالحياة مُملًا حد الكُره.
الحزن، السعادة، البكاء، النحيب، التوتر، الخوف، القلق، الضحك، حتى الابتسامة يكسبون الإنسان درسًا لا ينسى ويجعلونه أكثر حكمةً وشخصًا متعلمًا، فلا بأس من بعض الحزن في الحياة!
وصل بي الحال أن أتخيل من يقرب لقلبي يرقد في فراشه ينتظر الموت ليدق عليه بابه؛ لكي أبكي مرتين، فالأولى لأنه قد مات في مخيلتي، والأخرى لأني قد تخيلت هذا الحدث البشع من كثرةِ الحزن الذي لا يوجد بحياتي فأجلبه لمخيلتي؛ علني أعيش حياةً طبيعية》.
وجدنا هذه الرسالة على إحدى الأدراج في الخزانة الخاصة بشخصٍ منتحرٍ، يعيش بمفرده في منزلٍ في منتصف مدينة القاهرة، والذي كان يظنه الناس يمارس حياته الطبيعية ولكنه منغلقٌ على ذاته يقوم بتشغيل الموسيقى يوميًا في نفس الساعة وحتى لا يتأخر عن الدقائق بعد الساعة، وأيضًا يا سيدي وجدنا ورقةً صغيرةً ملقاةً على الأرضية الخاصة بالغرفة الثانية مكتوبٌ فيها 《قف على أعتاب حزني وربت على كتفي وقل لي: "ستمر من مرارة المر الذي مررت به وحدك دون أي شخصٍ يساندك ويكون بجانبك" وسأعدك يا صديقي أنني سأكف عن الحزن والبُكاء والنحيب في الليل بعد تشغيل الموسيقى وحدي》.
"9-8-2015"
-أنا صديق المُنتحر، وجدت رسالةً على مكتبي في ذات اليوم الذي انتحر به، مكتوبٌ بها "قدم شكوى لأني لم أنتحر" فجئتك مسرعًا لأقدم الشكوى، وهذا هو المُحامي.
=تفضل بالحديث يا حضرة المحامي.
*******************************************************
دعنا نسألك الآن يا حضرة القاضي كيف له أن يكون قد انتحر من قلةِ الحزن وكان حزين؟ أليس هناك طرفٌ مفقود في هذه القضية؟
وهذا يعني أن المُنتحر ليس منتحرًا؛ وأنها جريمة قتلٍ مع سبق الإصرار والترصد، ونطالب بأقصى عقوبةٍ على من جَنى على ذاته وفعل به هذا.
-كيف أصدر قرارًا وحكمًا على أحدٍ غير موجود؟ أهذا هراء منكَ!
"المُتهم برئ حتى تثبت إدانته" -تعلمت هذه الجملة منذ نعومةِ أظافري، فكيف لي أن أحكم على أحدٍ دون وجوده أو وجود دليلٍ على ما ارتكب؟
"9-9-2015"
=جاء إليَّ شابٌ يدعى عُدي يشتكي من الحزن المفرط بحياته وما يسبب له اكتئابٌ حاد، الأسود كان له محلٌ كبيرٌ تحت عينيه، الهالات السوداء ظهرت باكرًا عليه حتى علامات الشيخوخة ظهرت أيضًا، قمت بكتابةِ بعض الأدوية المضادة للاكتئاب مثل-إيدروناكس، سولوتك، سيتالو برام هيكسال، لوبرام-وكانت تجدي نفعًا نوعًا ما؛ ولكن يا حضرة القاضي هذا الشاب كان مؤمنًا بالله لدرجةِ التعجب، فلا أعتقد أنه سيفعل اثمًا كبيرًا كهذا، لا لا يفعلها.
" 8-10-2015"
=عاود المجيء ولكن كانت حالته أسوء، تركه أهله في غرفةٍ لا يعلم عنها شيء ولا توجد لها ملامحٌ من كثرة الظلام الدامس بل تجاوزت الظلام وأصبحت كالديجور المُخيف، قصَّ عليَّ بضع الحروف التي لم أفهم لها معنى لهذا اليوم الذي أمْثِلُ فيه أمام سيادتكم.
-قلها لنا علنا نفهم شيئًا في هذه القضية المعقدةِ.
"أ م ن ل ا ت ه م ح ن ج ب أ ن م ل ت ى س ا ب س ه ن أ ر ن ن م ت ق ل ي و ن م م س ل آ ف ع ى ل م ب ه س أ ن م ض ن أ و ف م ا ي ق ن و ت ي ب ا ي ن ح ر ل م ا ن ت أ ن أ".
=وكتب في نهايتها؛ لقد انتهى أمري.
ومن حينها وأنا في عجبٍ لأمره لأنه فَر من أمامي بعدما أعطاني تلك الورقة وطلب مني إن حدث له شيء وعلمت أنا؛ أن أتي وأقدمها للمحكمة العليا، وجئت فور سماعي ما حدث لأجد هنالك قضيةٌ لموته.
-شكرًا لكَ؛ يمكنك الخروج وترك تلك الورقة هنا.
تأجل القضية ليوم "21-1-2017"
دَعكَ يا عزيزي؛ فهم لا يكترثون لكَ، ولا لبُكائك الدائم الشديد، دَعكَ يا بُني لأنهم لن ولم يكترثوا بكَ قطّ، لا ينظرون إلى عينيكَ المنفجرتين من الورم حولهما، وتجمعات الدماء بها كالكُرات الحمراء وتجلط الدم، كُلهُم يشبهون بعضهم، حتى وإن مثّلوا وأجادوا التمثيل باحترافية كبيرة أنهم يهتمون لكَ؛ بعد فترةٍ قصيرة تالله سيتناسونك، ستعمى أبصارهم عن رؤيتك، ستقف قلوبهم وتهدأ وتسكن ولا تقلق عليكَ، كيف حالك وكيف تعيش؟ حتى إنهم سينسون سؤالك ماذا تناولت هذا اليوم؟ أم أنك بِتَّ تأكل من لحوم قلبك وتشرب من مرارةِ عينيك التي تتهيأ لكَ بالدموع.
ولكن يؤسفني أن أقول لكَ أنهم علموني أني عبءٌ على كل من اقتربت منهم؛ فلا تكن مغفلًا مثلي وتظن كما كنت أظن أنا أيضًا.
وداعًا عزيزي أو بالأحرى بُني.
=هذا التسجيل الصوتي سجله لي صديقي-المُنتحر-وكان يطلب مني أن أردده دائمًا في يوم"4-11-2015"ولأنه كان يوم ميلاده كان يسمعني إياه في كلِ مولدٍ له ليتأكد أني حفظته، ظللت محتفظًا به لأنه الشيء الأول والأخير من صديقي الوحيد؛ الذي وإن كان حيًا الآن لن يكون عبئًا على أحد، كان من أكثر الناس رفقًا بالحيوانات ويبكي إن تم أذيتهم، فهل تعتقد أنه يمكنه أن يؤذي ذاته؟ وداعًا لا استطيع تكملة الحديث انفجرت عيناي من البُكاء.
صعدوا لقمةِ الجبل وأخذوك معهم ليس لتكون بجانبهم يا ساذج؛ بل ليلقوكَ من أعلى الجبل، أتعلم لما فعلوا ذلك؟ لأنك ببساطةٍ عِشتَ ومُتَّ وبِتَّ وصِرتَّ عبئًا عليهم، مع أننا لو نظرنا للأمر من جانب آخر، أو من تلك الزاوية المُنيرة التي لا ينظر منها أحدٌ لرأينا وعلمنا أنك ما دمت حيًا فأنتَ لستَ عبئًا على أحد؛ وحين تموت أيضًا فقد انتقلت إلى ربٍ كريم لن يحمل عبئكَ أحدٌ، فأنتَ تعطي وتأخذ المقابل، أي أنك تعطيهم الطعام وتستلم النقود، تعطيهم الحب وتأخذ الأمان، تعطيهم الخير وتجني ثِماره، فكلُ شيءٍ بمقابل، لستَ عبئًا؛ فلا تقتنع بهذا ما دمت على قيد الحياة.
-يمكنك الرحيل؛ سنستمع لأحد سُكان المَبنى معه بعد قليل.
=أهلًا؛ أنا أدعى حسام كنت جارًا للمنتحر-عُدي-طلبتموني لكي أدلي بشهادتي، فهل أبدأ؟
-بالتأكيد، ضع يدكَ هنا واقسم بعدي" أقسم بالله العظيم أن أقول الصدق؛ ولا أقل غير الصدق".
=اقسم بالله العظيم أن أقول الصدق ولا أقل غير الصدق.
لأبدأ معكَ يا حضرةَ القاضي"7-3-2015"في هذا التاريخ قد جاء ساكنٌ جديد للمبنى، سكنَ ولم يُسمع له أي صوت، لا يوجد صوتٌ في الأرجاء عدا الموسيقى بصوتٍ مرتفع، كان يزعجنا بالبداية قليلًا ولكن بعد فترةٍ عندما عرفناه جيدًا لم نعد نشمئز من الصوت، بل تماشينا معها ورقصنا عليها، في"29-3-2015" كان يحتفل وقام بدعوةِ كُل أصدقائنا بالمبنى، احتفلنا معه وعندما سألنا لماذا الاحتفال؟ أعطى لكلٍ منا بضع ورقات جمعتها كلها معي من غرابتها وخطه الذي يمتاز بالجمال.
-هل يمكنك أن تقول ما بالأوراق؟
= بالطبع "بذكرى" "احتفل" "لكي" "وحدتي الدائمة" "أنا جمعتكم اليوم" وعندما قمت بتجميعهم سويًا حصلت على هذه الجملة "أنا جمعتكم اليوم لكي احتفل بذكرى وحدتي الدائمة".
لم أفهم ما يقصد ولكني أيقنت أنه وحيد دائمًا، انتهيت من أقوالي فقط أريد أن أضيف لكم أنه ليس الشخص الذي ينتحر؛ فهو مؤمنٌ بالله وبالقرب منه دائمًا.
-تفضل بالخروج، سلمتَ على أقوالك.
وهكذا القضية صارت أكثر تعقيدًا؛ فسنغلق الملف الخاص بالقضية.
=توقفوا! لم ننتهي بعد!
-من أنتِ؟
=أنا من صَرحْ لي عن كُل شيء، أنا بئرُ أسراره والباكية معه لوحدته، دعكم من كل هذا أنا حبيبته السابقة.
-أيوجد لديك شيء قبل إغلاق القضية؟
=يوجد الكثير لدي، ألم تسألوا أنفسكم ولو مرةً واحدةً عن كيفية تجميع الحروف الذي قام بوضعها مع الطبيب النفسي؟ بالطبع لا ولكن أنا جمعتهم ومعي أخر ورقةٌ منه قبل رحيله، سأقرأها لكم الآن، اتركوا ما بأيدكم وامعنوا النظر إليَّ واصغوا إلى آخر رسالة للراحل.
《أهلًا بكم للمرة الأخيرة قبل رحيلي، فقدت كُل شيء وأي شيء أملكه عدا شيئين، الأول من تقف أمامكم الآن، والثاني فهو صديقي الذي أدلى بشهادته قبل قليل، كنتٌ وحيدًا حتى رزقني الله بهم، ولكن هم لم يريدوا أن أبقى مع من وجدتهم ليؤنسوا وحدتي، لو جربتم أن تجمعوا الحروف لوجدتم الجملة التالية "أنا لم أنتحر؛ هم من قتلوني، أنا لن أنتحر، هم من سيقتلونني، أنا آسفٌ على ما سيحدث؛ وتبًا لمن أنجبوني".
مجموعة من الأشخاص كنت أعمل عندهم ولكن لفقري الشديد لم أستطع أن أدفع لهم-ما قاموا بإمضائي عليه قصرًا-فتركت العمل ورحلت، وجدوني واقسموا أن يأخذوا حقوقهم مني، نعم نعم لهذا السبب قتلوني وانتقلت روحي إلى خالقها، نعم ولهذا تبكون أنتم الآن، الأوراق التي كنت أوزعها على كل من أتعامل معهم كانت كطوق نجاة لتعلموا من فعل بي هذا بعد موتي، وداعًا ولكن تذكروا أني لست منتحرًا فقط انتقلت؛ تالله انتقلت فقط》.
-جففي دموعك يا فتاة من فعلوا هذا سنجلبهم عما قريب.
=أتمنى، وهذه ورقةٌ مكتوبٌ فيها اسماءهم جميعهم ارجوكم تحركوا قبل أن يقتلوني أنا أيضًا.
-رفعت الجلسة، وانتظروا جلب الحمقى مرتكبين الجريمة البشعة.
"2-2-2017"
-لا أعلم بدونك يا عزيزتي ماذا كنت سأفعل؟ كيف لهذه الخطة أن تنجح سواكِ؟ أنا أحبك كثيرًا.
=أنا أحبك اكثر، لو كنت لا أفعل لأجلك، لمن أفعل إذًا؟
قَبَل رأسها وبادلوا الابتسامة الملازمة لشعور النصر الدائم، ومن ثم بدأوا في التخطيط للمُهمة القادمة.
”عُدي البَكري، والملقب باللص المحترف، وسُمي بهذا اللقب نظرًا لاحترافه في الكذب والخداع وفِعل المعضلات والتخريب، يقوم بالسرقة والنهب والقتل وأبشع الجرائم ويخرج منها كُل مرةٍ دون ضرر أو أدنى مشكلة وكأنه لم يحدث أي شيء، وهذه نبذة مُبسطة عن إحدى عملياته، وهذه المرة كان قد أخذ مبلغًا يعادل مائة مليون دولار من رجال أعمال معروفين عند الجميع، وقد أحب أن يخرج نفسه فقط، وبعدما تنتهي المحاكمة يهرب لخارج البلاد ويتوجه لبلدٍ أخرى ليكمل مسيرته القذرة، عزيزي القارئ تفاجأت مثلي تمامًا أليس كذلك؟ ولكن من هؤلاء من أدلوا له بشهادتهم! ومن سيأتي الوقت عليه المرة القادمة في الاحتيال؟ كل هذا سنعلمه عما قريب“
تمت بحمد الله ..