أنا إنسان
عند تلك الجملة تيقنتُ سبب النزاع الدائر بينهما بخجل عذري، فابن عمي طلب الارتباط بي، شقت شفتاي ابتسامة خجلة أحاول السيطرة على ارتجافي الأنثوي؟
أنا إنسانٌ خلق من صلصال مستضعفٍ، خلقت لأحمل رسالته في الأرض، أهيم على وجهي بعالمٍ ليس باختياري، كورقةِ شجرٍ تثابر البقاء أسفل وهج القرصِ الحارق، منتهية -هشيمة- تزرُها الرياح على غير رغبتها، لا يتمنّ سوى أمان وائتمان -احتواء-، ولكن لم يصله إلا حَوَاة البشر، هكذا كنت أنا فتاة مستضعفة في عالم لا يليق بي، ولدت لتستقبلني ظلماته بحفاوةٍ قبل نوره؛ لتحرمني من طعم الأبوة وتستبدلها بمذاق العلقم الذي لن يفارقني، لأنشأ في كنف أمٍّ مستضعفة، تنتظر ريع أرضها بحفاوةٍ يغلبه الرهبةِ كلّ عامٍ من يدِ ما يسمى بالعمّ، تلك الأرض الواقفة أنا الآن عليها شامخةً -أبيّةً-كشجرةٍ لم تستطع رياحها -العتيّة- على أجتثاثها من جذورها، جذبتني لذكرى كريهة، كان وقتها قد أتممت عامي السادس عشر بفرحة عذريةٍ، حينها كنت عائدة من مدرستي أتقافز فرحا، ولمَ لا وهو موعد وصول عمّي بإراد العام من الحصاد كعادته ، من المؤكد ستمنحني أمي فحوة من المال ، ولجتُ من الباب فتبدلت ابتسامتي للشحوب، عندما وصلني حديثه المتشدد مع والدتي:
-ما حل تلك المصيبة؟، أنه يعشقها!
صرخت به والدتها بنبرة جديدة عليها كانت أول مرة تسمعها:
-ما شابه أباه!، أنتَ سبب ذلك الابتلاء، لو لا ما فعلته قديما بنا، ماكنا نقف مكتوفي الأيد كما نحن الآن أيها الحقير!، عليك حل مصائبك بعيدا عن ابنتي.
اربدت ملامحه ببعض الخزي من ذكرى ملوثة تلاعب مرآه، فنفض عنه تأثره سريعا، ليقول ببعض التمهل، فإنه لا يرغب خسارة ابنه الأوسط:
-يمكننا تهدئة الأمر ببعض الحكمة، سيقرأ فاتحتها مؤقتا، وبعد ذلك يمكننا اختلاق مئة حجة لفسخها.
عند تلك الجملة تيقنتُ سبب النزاع الدائر بينهما بخجل عذري، فابن عمي طلب الارتباط بي، شقت شفتاي ابتسامة خجلة أحاول السيطرة على ارتجافي الأنثوي؟، ولكن أي من الثلاثة تقدم لخطبتي يا تُرى؟، والأهم لمَ يتنازعا بسبب الأمر؟، هل ترفض أمي؟!
ولكن وصلني الإجابة سريعا، ما جعلتني أفقد حاسة السمع للحظات؛ كأن لغما فجّر جواري سبب لي طنينا مؤلما، رفعت أناملي استند بكفي المرتعش أنصت السمع أكثر لعل حاستي خانتي ، لأجد والدتي تصرخ بوجهه بقوة أكبر بازدراء:
-أوصل بك قلة الضمير أن تزوج البنت لأخيها؟!، أين أنت من عقاب ربك أيها الخائن، الطامع.
كممَ فاهها بلهاث متتابع وجبين متعرق، لم يكن بحاجتها لتذكره بخطيئته، يهمس لها مترجيا صمتها:
-اصمتِ!.
دفعته عنها بقوة لا تلائمه تشير له بسبابتها:
-إلى متى سأظل صامتة؟، لقد مات أخيك مصدوما مما أقترفته، لقد انتهكت عرضه وشرفه بدافع غيرتك لأمتلاك كل ما تطاله يديه، مات وتركني أحمل بأحشائي ابنتك سفاحا، وأنت خير العالمين أن أخيك كان عقيما.
-هو من خطفك مني، هو من أخطاء في حقي عندما علم بما أكنه لكِ، ليسرع في خطبتك، هو من نزع حقي مسبقا.
رفعت نظرها البائس بوجهه، تهمس له بصوت معذب:
-وماذا فعلت أنت؟، إنتهكت حرمته بغيابه، هكذا صفيت حساباتك معه، لا والله فحسابك أثقل منه.
أدار ظهره هروبا من مواجهتها، وهل إذا هرب منها، كيف سيهرب من أثمه الغاشم خلال نوبة تهوره القديمة؟، كان بيديه قديما احتواء الأمر، كما ترجته متذللة وقتها بسبب فشلها في التخلص منها، بأن تصبح ابنته أمام الجميع، بالهروب بها بعيدا عن قريتهم، ولكنه وقتها كان ما يهمه، سطوته ومكانته التي اتخذها لدى عائلة زوجته وبالأخص بعد انجابها لثلاثة ذكور يملؤن عينِ الشمس كسندا له، وعضدا بعضا لبعضٍ، ناهيك عن أملاكها التي كان سيخسرها حتما إن اكتشفت زواجه بأخرى، حتى لو كان مبرره الزائف ستر أرملة أخيه كما سيزعم، وقفا غير مدركين لتلك الثابتة بمكانها مصدومة مما تفوحت به فوهما، أمها وعمّها؟!، لا لا، بل أبيها؟، أبيها التي كانت تتمنى أحتوائه وأمانه، ضمة ذراعيه تتنعم بدفئهما، رفعت كفي أكتم شهقاتي المتتابعة وسيل من العبرات يغرق وجهي في محاولة مني السيطرة على صدمتي، ولكن ما سمعته دفع بي للهروب، الهروب بدون عودة من ذلك المحيط الملوث بأثمهما، تراجعت خطوتان حثيثتان للخلف، لأنتفض كأرنبٍ مذعورٍ من مفترسه، حينما استشعر ملمسَ حائطا بشريا خلفي فألتفت فجأة لأكتشف وجود أخر شخص يمكن أن يتواجد في تلك اللحظة ابن عمي الأوسط، ووجهه لا يبشر إلا أنه أستمع لما استمعت، أنفاسه اللاهثة ووجهه المتعرق المتجهم صدمةً، أنبأ بذلك، نظرة خاطفة منه سقطت على عينيّ، أخبرتني بالكثير، أخبرتني بألا أحزن بعد الأن ، أنا سندك، عضدك، فلم يمهلني ليندفع مخترق خلوة والده بأمي المريبة؛ يخبره بما دفعه للحضور بقلبٍ ميت، لم تأخذه به شفقة ليسرع في إلقاء قذيفته المميتة، يخبره بقلب ميت وروحٍ نزع منه الرحمة، أن من أعتز بهم سيذل بفقدهم، من اعتنق عزوتهم دِينًا، سيلحد حتما عند فرط حبات عقدهم، أخبره بروحٍ جامدة أن ذكوره المعتز بهما دائما لقيا مصرعيهما غرقا بإحدى ترع قريتهم نتيجة إنقلاب سيارتهما بها، ليسقط فاقدا للنطق بين أقدامهم تشيعه نظراتهم اللائمة هئ له شماتتهم بمزيج من الشفقة، هذا ما جنته يديه، هذا حصاد طمعه، وجشعه، يصله هسيس أنفاس ابنه:
-هذا جزاء طمعك لم لا تملكه، فحرمك الله مما تملك!، من أراد كل شيء يُحرم من كل شيءٍ.
فقت من دوامتي المؤلمة على ملمس كفٍ أحفظ دفئه عن ظهر قلب يحتويني كما يفعلها دوما منذ عشر سنوات تقريبا، إلتفت أرمقه بنظرة خاصة يعلمها، بها الكثير من الامتنان الصامت المختلط بغيمة الحزن التي لم تبرحني، رغم أنّي صرت أنثى مكافحة حاملة لأعلى الشهادات الجامعية إلا أن نظرة الحزن تبقى حبيسة مقلتي دائما كما يخبرني دائما، ضمني إلى صدره يشاكسني كعادته:
-ألن تلقي تحية الصباح على أخيك الأكبر.
أستندت برأسي فوق صدره شاردة بعينيّ في المساحة الخضراء التي تشي بأن أوان حصادها قد حان، أجيبه بنفسٍ راضية، بنفسِ إنسانٍ فقد هويته:
-أسعد الله أيامك أخي الكريم.
———————
تمت بحمد الله
