وصف المدون

إعلان الرئيسية

أحدث الروايات

 


 

   

حياة أو موت ؟!  

 

نهضت من فراشها تتثاءب بكسل وهي تمط ذراعيها على الجانبين..  اعتدلت حين سمعت طرقاً شديد على الباب ولكنها عرفت الطارق على الفور فمن غيرها يصنع نغمات بواسطة جرس الباب،

تأففت  " حياة " بضجر وهي تسرع نحو باب المنزل قائلة  :  

- والله ما ينفع اللي بتعميله دا يا " آلاء "

فتحت وهي تنظر نحوها شذراً بينما رفعت آلاء حاجبيها بمشاكسة وهي تستند على الحائط بجوار الباب وترفع قدميها على الاخرى تلوح لها بتذكرتين في يدها..

- رحلة العمر  ، 

ثم اعتدلت وأزاحتها من امام الباب تدلف للداخل لتكمل وهي تبرم شفتيها امتعاضاً:  

- للبنات بس على فكره عارفه انك نكديه ولو الرحلة فيها شباب مش هتطلعي  ،

اغلقت الباب خلف صديقتها وهي تهز رأسها باستنكار  :

- والله انتي مجنونة رحلة إيه يا بنتي معتش حاجه على الامتحانات،  

ثم امسكت تلابيبها وهي تصك اسنانها لتكمل:  

- مين دخلك كلية طب نفسي أفهم ؟؟

 

ازاحت آلاء يد حياة من على قميصها ثم رفعت رأسها عالياً بإباء:

- اللي دخلني دخلك يا بطة مجموعي الكبير وذكاءي الخارق، انتِ بس اللي ما تعرفيش قيمة صاحبتك  ،

تخطتها حياة نحو المطبخ لتسألها  :

- تحبي تشربي حاجه يا ام ذكاء خارق

- ياريت فنجان قهوه مظبوطه من بتوعك 

ثم وضعت التذكرتين على المنضدة امامها قائلة  :

- بجد انا محتاجه الرحلة دي جدًا يا حياة عشان نفصل من الكليه اللي هتجيب اجلنا من الامتحانات دي  ..

وضعت حياة الفنجان الخاص بالقهوة  وبدأت بسكبها وهي تقول  :

-        يا حبيبتي هانت كلها سنه ونخلص ونفصل زي ما تحبي انما دلوقتي وسط الامتحانات يبقى انتِ مجنونه وأنا هبقى اجن منك لو وافقت

قامت آلاء من مقعدها تتوجه نحو حياة التي ما زلت واقفه تحضر فنجان قهوة اخر لها  ، ثم فجأتها باحتضانها من الخلف وهي تترجها:

- ارجوكِ يا حياة ما تحرمنيش م الفرصة دي..  ثم اجهشت في بكاء مصطنع..

التفتت نحوها ترفع حاجبها مرددة  :

- قولت مجنونه ما حدش صدقني  ، اكملت وهي تمسك بكفيها:

- ارجوكِ أرجوكِ ووعد مش هسيب ولا محاضره ولا سيكشن ولا مذكره ولا فتفوته وهدخل معاكي محاضرات تشريح وهجيب الدرجات النهائيه في كل الكويزات عشان خاطري الرحلة دي بس ..

 توقفت عن الكلام وهي تبربش بعينيها رجاءٍ  :

- ماشي بس اعرف كل التفاصيل  ، 

قالتها حياة وهي ترفع سبابتها امامها  ،

 

انهالت آلاء عليها بالتقبيل والضم بينما انفجرت الاخيرة في الضحك على صديقتها، ثم ابعدتها بعد ثواني قليلة وهي تنظر لها بعتب  :

- خلاص بقى اعقلي واحكيلي جيبت التيكت دي منين ؟ مين المجنون اللي عامل رحلة لطلبة طب ؟! 

اجابتها  مبتسمة وهي تُمسك بفنجان قهوتها لتشربه ،

- وهو في حد في الكليه الفقر دي بيعمل اي حاجه للترفيه كلهم اعوذ بالله واخدينها رايح جاي مابين المذاكره للامتحانات وياريته بفايده..

توقفت حياة عن صنع شطيرة جبن لتتناولها ثم ضمت حاجبيها متسائلة بذعر  :

- امال جيبتهم منين ؟ عاوزه تفهميني انها مش رحلة تبع الكلية كمان!  انتي اكيد بتهزري

رفعت آلاء كفيها باعتراض قائلة  :

- افهمي يابنتي الرحلة مش تبع كليتنا بس تبع الجامعه على ما اعتقد كلية أداب...

شعرت حياة ببعض الراحة واكملت شطيرتها قائلة:

-  على ما تعتقدي!!  طب كملي..

-  يا ستي اللي فكراه يعني التكيت كان لبنت وصحبتها لأني زي ما قولتلك الرحلة بنات بس..  سمعت البنت دي بتعيط لوحده وعاوزه تبيع لها التكيت لأن اهلها ما وفقوش فاخدتها منها جري..  دا غير إن في شرط مكتوب في التذكرة انها خاصة بالمغتربين..

ضمت حياة حاجبيها بتعجب..

-  واشمعنا المغتربين ؟! 

-  مش عارفه والله اكيد حاجه تبع الجامعه يعني  ، المهم الرحلة بكره لازم نجهز بقى..

 

سعلت حياة بشدة فناولتها آلاء كوب من الماء وقد ظهر القلق على وجهها، التقطت حياة الكوب  وتناولته حتى انتهى سعالها فنظرت نحوها بغضب  :

- بكره ازااي احنا عندنا السبت امتحان يا بنتي انا قولت اكيد الرحلة الاسبوع الجاي معندناش فيه امتحانات 

وضعت آلاء فنجانها على المنضدة وانتفضت بحزن قائلة  :  

- خلاص يا حياة برحتك انا ماشيه عندي مشوار مهم

امسكت حياة بكفها وهي ترفع زاوية فمها  :

- ييي عليكي لما بتلوي بوزك..  خلاص ما تزعليش نروح الرحله بس لو رجعنا ولقيتك بتتمرقعي تاني انتي حره 

ثم أردفت وهي تمسك رقبتها بكلتا يديها  :

-  هقتلك ... 

قفزت آلاء من مكانها بسعادة ثم قبلت وجنتيها  :

-  كنت عارفه اني مش هاهون عليكي..  هروح انا اجهز حاجات للرحلة وارجعلك ابات معاكي ونروح مكان التجمع سوا

-  ماشي هستناكي..  وعلى ما تيجي هذاكر شوية..

صكت آلاء اسنانها بغيظ ثم انطلقت وهي تردد غيظاً  :

- كل حاجه عندها مذاكره فاكره نفسها هتطلع مجدي يعقوب..

ضحكت حياة على صديقتها وهي تخبط بكفيها  :  

- مافيش فايدة في الفاشله دي  ،  نفس اعرف سر تمسكي بيها كصديقه  ..

ثم اغلقت الباب خلف صديقتها متعجبة من مرحها الغريب واصراراها على هذه الرحلة التي لا تعلم إلى الان وجهتها  !

شهقت حياة حين تذكرت انها لم تسالها عن وجهة هذه الرحلة المفاجأة  !

حاولت التغاضي عن احساسها بالقلق الشديد نحو هذه الرحلة،

 فهي هكذا دايما تخاف حتى  الخروج من المنزل  ..  

                              ******

 تقف امام بابا  مختوم في وسطه دائرة كبيرة ووسط هذه الدائرة نقش لثعبان ضخم يلتف حول نفسه يفتح فمه على أخره وفي نهاية نابيه قطرتين من الدماء..

ضمت حاجبيها تعجبا وهي تضيق عينيها تحاول قراءة الجملة المكتوبة تحت الثعبان ولكنها انتفضت برعب  من صوت صراخ رجلا في الداخل!

مدت يدها المرتعشة تدفع الباب وللعجب وجدته مفتوحاً  ،  دلفت للداخل بقدمين ترتعدان رعباً حتى تجمعت قطرات العرق على جبينها  وهي ترى كم كبير من الادوات الطبية الموضوعة على أرفف خشبية ملتصقة بجدار مهترئ ومازال طلاءه يتساقط على الارض  !

 جحظت عيناها بفزع وهي تطالع الغرفة العجيبة  ،  ثم ضيقتها بذعر وهي تخطو نحو هذه الادوات المعدنية المرصوصة فمن الواضح انها غرفة للعمليات الجراحية  ،  ولكنها قديمة جداً  !

  انتبهت بكل حواسها وتوقفت شعيرات جسدها بترقب حين سمعت صوت يأن خلفها بألم شديد !

التفتت سريعاً ثم شهقت برعب حتى التصقت برفوف الادوات خلفها مما اصدر ضجة عالية  ،

ابتلعت ريقها بصعوبة بالغه ودنت نحوه تنظر إليه بتفحص  ،  

شاب في اواخر العشرينات ممدداً امامها على طاولة العمليات يغمض عينيه على اخراهما ويأن بصوت خفيض و مغطى بشراشف بيضاء تملؤها الدماء  ،

 

ازاحت الشراشف من على جسده وكتمت صرختها داخلها حين رأت شقا طولي من بداية قفصه الصدري حتى اخر بطنه وأعضائه الداخلية كلها ظاهرة  بالإضافة لجروح متفرقة في يديه وقدميه بطريقة عشوائية  !

تاهت في غياهب الوهم والتشخيص لحالته ولم تسمع صوت الاقدام التي تقترب منها  ، ورغما عنها صرخت حين امسك الشاب بكفها الموضوع بجواره وفتح عينيه على وسعيهما قائلاً:

- اهربي بسررررعه قبل ما يشوفوكِ ، وأرجوكِ هاتِ نجده وتعالي الحقوني قبل ما يموتني ...

رن جرس المنبه الخاص بهاتفهما بنفس اللحظة  ،

 فانتفضت آلاء بسعادة على غير عادتها بينما اعتدلت حياة وهي تشعر بانقباضات قلبها المتكررة من آثر الكوابيس التي طاردتها طوال الليل  ،

نظرت نحو صديقتها التي قامت بسرعة هائلة وانطلقت نحو دورة المياه لتأخذ حماماً سريعاً قبل ان ترتدي ثيابها التي وضعتها على إحدى المقاعد بطريقة منظمة وباهتمام شديد ..

خرجت آلاء من دورة المياه وهي تجفف شعرها بالمنشفة قائلة  :

- يلا يا ياتي قومي بسررعه خدي شاور عشان نلحق التجمع  ،

قامت حياة بتكاسل  من مكانها تخطوا بهدوء ووجل شديدين  ،

ضمت آلاء حاجبيها بتعجب وهي تنظر نحو صديقتها التي تتحرك بصعوبة وكأنها مريضة  ، اقتربت منها بقلق قائلة  :

- مالك يا حياة ؟!  فيكي إيه ؟ لو تعبانه بلاش نروح! 

نظرت حياة نحوها وهي تريد أن تقول لها نعم لا أريد الذهاب ولكن توالت على عقلها مشاهد فرحتها ليلة البارحة وانتظارها موعد الرحلة بفارغ الصبر حتى أنها ظلت تدرس لوقت متأخر معها على غير عادتها حتى تتحمس حياة للرحلة..

اجابتها بابتسامة حاولت رسمها بشق الانفس  :

- ما فيش يا حبي انا تمام بس يمكن عشان نمنا متأخر وصحينا بدري هتلاقيني مصدعه شويه..

تنهدت آلاء براحة وهي تحمد الله ان صديقتها ليست مريضه  ،

- يا شيخه قلقتيني..  خدي شاور على ما اعملك مج نسكافيه يجنن هيفوقك على طول  ، وبلاش دلع بقى ما احنا متعودين نطبق في الكليه الجميله بتاعتنا دي  ،  ولا نسيتي النبطشيات  بتاعت اول السنه اللي كنا بنروحها بالليالي عشان التدريب..

هزت حياة راسها إيجاباً وهي تتوجه نحو دورة المياه تجر قدميها فما زالت مشاهد كابوسها المفزع تتوالى على عقلها وكأنها تتكرر مرة اخرى..

نزعت ملابسها ووقفت تحت صنبور المياه الجارية وهي تغمض عينيها تحاول دحض هذا الكابوس من عقلها  ،  لقد رأت احلام مشابهه عن عمليات جراحية يقوم بها عدد من الاطباء.. 

وهذه الاحلام تكررت كثيراً بعد كل العمليات التي كانت تحضرها مع احد الاطباء الذين يتوقعون لها مستقبل مبهر في مجال الجراحة..

ولكن كابوس الليلة الماضية كان مختلف  ،  فالمريض كان يستنجد بها  وما زالت صرخاته تصم اذنيها  !  

فتحت عينيها بذعر عند طرق صديقتها على الباب تطمئن عليها  ،

طمأنتها حياة وهي تغلق الصنبور وتلتف بالمنشفة تجفف جسدها وترتدي ثيابها سريعاً وكأنها تهرب من وجهه الذي يطاردها  ،

 

بعد قليل  .. 

انتقل الاثنتان لموقع التجمع بعد أن تسألت حياة على وجهة الرحلة فأخبرتها صديقتها وهي تقفز بمرح انها رحلة ميدانية لأحدى الجبال التي تحتوى على قمتها اماكن اثرية وسياحية هامه  ،  واكدت عليها انها ستكون شيقة للغاية وممتعة  ،

 

حاولت حياة ان تزيح من رأسها القلق الزائد على أمل أن تستمتع بوقتها مع صديقتها  ، فيبدوا أن برنامج الرحلة شيق وممتع على حد تعبير آلاء  ،

انطلقت الحافلة في السابعة صباحاً بعد أن صعد الجميع واتخذت كلاً منهن مواقعها  ، و بعد مرور عدة ساعات  استندت حياة على مقعدها لتغفو بإرهاق من ليلة عاشتها اشبه بالجحيم   ،

تاركة صديقتها التي تعرفت على فتيات الحافلة جميعهم واصبحت صديقة لجزء كبير منهم  ،

عادت حياة لنفس الغرفة التي حلمت بها  ، تحسست وجهها وجسدها بذعر شديد لقد بد الأمر حقيقياً للغاية  !  وكأن أحد ما ينقلها لهذا المكان المرعب  !

التفتت حولها بتوجس تحاول رؤية أي شيء مميز في هذا الممر ولكنها لما ترى شيء في هذا الظلام سوى هذا الباب الذي رأته المرة الماضية!

دلفت للداخل سريعاً تبحث عن الشاب بعينيها ولكن للعجب لم ترى ما شاهدته من قبل  ،  الغرفة مضاءة بنور ابيض ساطع وطلاءها جديد ومبهر وفي اخرها رجلاً يوليها ظهره يجلس على مقعد وامامه منضدة تحوى ثلاث من الاجهزة الإليكترونية الحديثة " لاب توب "

اقتربت منه بوجل وبطئ وقلبها يقرع داخل صدرها  ، حتى وقفت خلفه وما يدور امامها على الشاشات الثلاثة  كاد أن يجعلها تسقط مغشياً عليها  ، وضعت كفها على فمها وهي تشاهد ما يحدث  !

نفس  الشاب الذي رأته في الكابوس السابق يقف ويدها ترتفعان مثبتتان في سلسلة حديدية متدلية من السقف وقدماه مربوطتان بنفس السلسلة الحديدية  ، كل جزء من جسده ينزف الدماء إثر جروح عميقة و متعددة  ،  يقف امامه رجل يواليها ظهره يرتدي بنطال من الجلد باللون الاسود يعلوه سترة من نفس اللون ويضع خوذة معدنية على رأسه حتى تخفي وجهه، يُمسك بمشرط طبي في يده ويجز به جسد الشاب العاري امامه  ! لفت نظرها مؤشر رقمي على الشاشة يرتفع عدده بسرعة الضوء  ،  بجوار المؤشر ايقونة عين لا تعرف ماذا تعني !

عادت للخلف برعب شديد حين وقف الرجل الجالس امام الشاشات ولكنها لم تستطيع اجتياز الباب قبل أن يُمسك بها  ، حاولت تقاومه بركلة من قدميها ولكمة من يديها ولكنه يفوق جسدها ضعفين فكانت محاولتها واهية  ،  توقف الاثنان عند صراخ الشاب عبر الاجهزة قائلاً:

- اهربي بسرررعه ...

************************************************

استيقظت حياة وهي تلهث بشدة ووجهها ابيض بدون نقطة دماء  ،

 وقد التف حولها فتيات الرحلة جميعهم بينما جلست صديقتها بجوارها تمسك يديها برعب وهي تحاول إيقاظها بصراخات متتالية  ،

بكلمات حاولت اخرجها وهي تنظر للوجوه المذعورة امامها 

-  متقلقوش يا بنات مجرد كابوس

انفض الجمع من حولها إلا من آلاء التي ما زالت تتمسك بها وتنظر نحوها بتوجس  ،

سحبت حياة كفيها من بين يدي صديقتها برفق قائلة  :

- مالك يا آلاء مرعوبه كدا ليه ؟!  انا كويسه يا حبيبتي  

لم تقتنع بإجابتها وسالتها مباشرة..

- كنتي بتحلمي بإيه يا حياة ؟!  اول مره اشوفك في الحاله دي !!

ارتبكت حياة وترددت أن تقص عليها ما حدث بالأمس ومنذ قليل ولكن حدسها اجبرها أن تُخبرها  ما رأته ،

بعد أن قصت عليها ما شاهدته وهي نائمة شعرت آلاء بخوف غير مسبوق برغم أنها تعرف كثيراً عن صديقتها التي تبالغ بالخوف من أي شيء متعلق بالسفر أو الخروج  من المنزل ،

فليس لها اصدقاء لأنها تخاف من الخذلان والخيانة ،

فهي تعتقد دوماً أنها إن خرجت ستتعرض لحادث اليم ، لو سافرت لمسافات بعيدة ستموت قبل أن تعود ، لو قرروا جميعا الذهاب للشاطئ فهي لا تقرب البحر خوفاً من الغرق ، ولكن هذه المرة مختلفة فحدسها يخبرها أن حياة بها شيء مختلف هذه المرة ليس مجرد خوف من المجهول!!

قاطعتها حياة من افكارها قائلة  :

-  إيه روحتي فين ؟!

- حاسه أن احلامك دي مش مجرد كوابيس يا حياة ، تعالي نرجع..

نظرت لها حياة بتعجب وزادت وتيرة دقات قلبها ، كانت تتمنى أن تطمئنها صديقتها قليلاً ولكنها زادت من قلقها ورعبها اضعاف ،

وعلى الفور قامت آلاء من مكانها وذهبت نحو السائق قائلة  :

- من فضلك يا عمو ممكن توقفنا في مكان في مواصلات نرجع منه ؟! 

ذم الرجل الذي تعدى الاربعين شفتيه بغرابة قائلاً  :

- في حاجه حصلت يا بنتي! 

اجابته آلاء سريعاً  :

- ايوه يا عمو معلش حصلت حالة وفاة عند صحبتي ولازم نرجع حالاً للأسف  ،  

اجابها بأسى..

-  لا حول ولا قوة إلا بالله ، البقاء لله يا بنتي بس أنا آسف جداً أول استراحة هتكون عند وصولنا بالسلامة..

تباطأت دقات قلبها وهي تشعر بالسوء الشديد فاكمل الرجل وهو ينظر للطريق بتركيز تام  :

- ما تخافيش هتلاقي هناك اوتوبيسات كتير راجعه إن شاء الله ،

هزت آلاء رأسها بأسف وعادت تخبر صديقتها ما حدث  ،

حاولت حياة طمأنتها قليلاً حين وجدت ملامحها يكسوها الفزع الشديد!

 

مرت ساعة اخرى وكلاً منهما تنظر في اتجاه بخلاف الاخرى كأنهما يتجنبان النظر لبعضهما حتى لا يزداد ذعرهم ،

غفت آلاء هذه المرة بينما ظلت حياة تتأمل الطريق بجانبها وفجأة انحرفت الحافلة عن مسارها الصحيح وظلت تتلوى يميناً ويساراً مما جعل الفتيات يبدأن بالصراخ واستيقظت آلاء بفزع شديد ،

لحظات مرت عليهم كالدهر وكل منهما تعتقد أن هذه نهايتها  ،  تمسكت حياة بيد صديقتها بهلع حتى توقفت الحافلة بسلام  ،

وقف جميع الفتيات يسألنه عما حدث ، لم يجيب أحد وفتح الباب بجواره وهبط لأسفل يدور حول الحافلة ليستكشف ما جرى ،

بعد قليل صعد إليهم قائلاً:

- ما تقلقوش يا بنات الكوتش فرقع الظاهر ان في حاجه

حاده دخلت فيه، هتصل دلوقتي بالشركة حد يجي يوصلكم لأن أنا معايا استبن واحد وفي كوتشين فرقعوا ،

همهمات من بعض الفتيات والبعض الأخر امسكن بهواتفهن بينما ظلت حياة وآلاء يمسكن بيد بعضهما وهم يتطلعان للخارج وكأنهما ينتظران مصير محتوم ،

انتصفت الشمس في كبد السماء ولم يأتي أحد إلى الأن ، والسائق يقف في الخارج ينتظر الحافلة التي ستأخذهم أو اية ناقلة كبيرة تستطيع جرهم لمكان مأهول ،

رنين هاتف السائق جعلهم يستمعون له بانتباه ، حتى انهى المكالمة دون أن يفهموا منه شيئا ،

صعد السائق للحافلة يخبرهم  :

- احنا آسفين جدا يا بنات ما فيش اي اتوبيس قريب أقرب واحد لينا قدامه لحد المغرب واحنا مش هنقدر نفضل هنا لحد الليل المكان خطر ،

بدأت تعلوا اصواتهم بفزع فأوقفهم ليُكمل  :

- أهدوا بس عشان تفهموا ، الاستراحة مسافة أتنين كيلو يعني بتاع ساعه مشي لو سرعتوا خطوتكم إن شاء الله توصلوا قبل المغرب ما تضيعوش وقت وشدوا حيلكم وأنا هستنى جنب الاتوبيس لحد ما الاقي حل ،

تكلمت احدهم بذعر:

- طب ما احنا نستنى معاك لحد ما تلاقي حل ،

أجابها وهو يتأفف بضيق :

- ما ينفعش يا بنتي أنا هستنى حد من الشركة يجيني وهقفل الأتوبيس واسيبه وامشي لو فضلتوا معايا هنوصل ازاي ؟!

اقتنع باقي الفتيات بينما اعترض بعضهم  على الذهاب بمفردهم وهم لا يعرفون الطريق ، اخبرهم السائق أن يذهبوا في نفس الاتجاه امامهم حتى يرون اضواء الاستراحة الكبيرة ،

انقسموا لمجموعات وحملت كل فتاة حقيبتها على ظهرها وبدأوا مشوارهم ،

نزلت حياة من الاتوبيس بصحبة صديقتها يتمسكان ببعضهما البعض بخوف شديد ، تتبعهما اربع من الفتيات في مجموعتهم ، وبهذا انقسمت المجموعات لأربع كل منهم تضم ست ،

انطلقوا كما اخبرهم السائق وقد مضت اكثر من نصف ساعة وهم يمشون متتابعين ولم تمر سيارة  واحدة من هذا الطريق ،

كلما مر الوقت عليهم زاد ارتباكهم وقلقهم الشديد ولم تعد تُجدي احاديثهم نفعا على تخطي الامر ،

بعد مرور نصف ساعة اخرى وقد مالت الشمس نحو مغربها تضاعفت خطواتهن للأمام حتى وصلت  المجموعة الاولى للركض ،

اتبعتهم باقي المجموعات وبدأ الجميع في الركض سريعاً وكأنهن يهربن من شيئاً ما ،

دقائق وصلت للعشرين وبدأوا  يقفزون بمرح حين رأوا اخيراً أنوار الاستراحة الكبيرة مضاءة ،

تنفست الصديقات براحة وكأنهن خرجن من كابوسهم المفزع ،

دلف الجميع للداخل واستلمت احدهم دفة الحوار لتخبر الواقف أمام المكتب الرئيسي ما حدث ،

اعتذر لهم الرجل بشدة وسلمهم مفاتيح الغرف واخبرهم أن لكل خمس فتيات غرفة كبيرة واحدة ،

صعد الجميع للغرف يتنفسون الصعداء واستعادت آلاء مرحها على الفور بينما ظلت حياة تشعر بالسوء الشديد بل شعورها يتزايد أكثر وأكثر ،

بدل الجميع ثيابهم وكل منهم ذهبت لفراشها تتمدد عليه لحظات والكل ذهب في نوماً عميق ،

جلست حياة وشعور بالخوف الشديد يجتاحها من أن تنام وتحلم بهذا الكابوس مرة اُخرى ،

ولكن النوم غلبها في النهاية،  لقد تعرضت لإرهاق جسدي ونفسي شديد لم تستطيع مقاومته ،

شعرت حياة بجسدها يتحرك ففتحت عينيها بذعر لتجد نفسها وجميع من كان معها بالغرفة يقفون مكبلين كما رأت الشاب في حُلمها  !

هزت رأسها يميناً ويساراً بعنف تحاول استيعاب الأمر،  مؤكد مازالت نائمة وهذا كابوس من كوابيسها  !  

بدأت تهز السلاسل بقوة حتى اصدرت صرير وهي تصرخ بشدة لتوقظ باقي الفتيات جاء على إثر صرختها احدهم ، فابتلعت لسانها برعب وهي تراه يتوجه نحوها بنفس الملابس التي حلمت بها ،

 سوداء جلدية يخبئ ملامحه بخوذة كبيرة معدنية  !

اخرج من جيب سرواله حقنة صغيرة مما جعلها تصرخ عالياً ولكنه لم يبالي لها وحقنها على الفور في يدها المعلقة وهي تردد اسم صديقتها "آلاء "  ..

فتحت عينيها سريعاً هذه المرة وجالت بهم في الغرفة لتتأكد أنها كانت في حلم سيء ، ولكنها اصيبت بذعر شديد حين وجدت جسدها عاري إلا من ملابسها الداخلية ممددة على  طاولة متحركة خاصة بالعمليات ويديها وقدميها مكبلان بشريط لاصق  !

حاولت رفع رأسها قدر ما استطاعت لتتفحص الغرفة وهالها ما رأت! هي نفس الغرفة المهترئة التي شاهدتها في حلمها ،إلا من بعض التعديلات ،

حاولت أن تهدأ قليلاً لئلا يحدث لها كما حدث من قبل ويحقنها احدهم بمنوم مرة اخرى ، فمن الواضح أن كل ما رأته مجرد رسالة لها ،

وأول ما خطر ببالها هو تحريك الطاولة التي تعتليه نحو رفوف الادوات الطبية لتأخذ منها شيء تستطيع به الدفاع عن نفسها ،

 بالفعل قامت بتحريكها ولكن بصعوبة شديدة ، حاولت رفع يدها حتى تستطيع أن تُمسك بأي آلة حادة ، بعد محاولات عديدة استنفذت قوتها استطاعت أن تُمسك بمشرط صغير ،

ولكنه لسوء الحظ جرح باطن كفها فتركته متأوهه برد فعل طبيعي ، بدأت تبكي بصمت لعجزها الشديد عن فعل شيء يحميها ،

اغمضت عينيها بألم وكادت أن تستسلم ولكن وجه صديقتها المذعورة جعلها تفتحهما سريعاً وتحاول مرات عديدة  حتى سمعت صوت اقدام جعلها تصاب بهستيريا من البكاء ،

وكلما اقترب وقع الاقدام كلما ازدادت وتيرة حركتها حتى كادت أن تكسر يدها وهي تحاول الوصول لأحد الادوات ، استطاعت في النهاية الامساك بمبضع حاد ومسنن في اخر لحظة من دخول الرجل للغرفة ،

تمسكت بطرفه جيداً وهي تصك اسنانها وتغمض عينيها بقوة ودموعها ما زالت تنهمر على وجنتيها ،

اقترب الرجل يتفحص جسدها بعينيه ثم مد يده يضغط على بطنها ويتفحص نبضات قلبها وكأنه يختبر قوتها الجسدية ، 

لحظات مرت عليها وهي تحاول أن تهدأ من انفاسها المتسارعة حتى لا ينكشف امرها ، تركها الرجل وانصرف خارج الغرفة مما جعلها تتنفس اخيراً بعد أن كانت في وضع الاموات ،

تصاعد الادرينالين في دمائها وهي تحاول أن تقطع الشريط اللاصق الملفوف على يدها بأقصى سرعة قبل أن يأتي أحد آخر ،

 لم تأخذ وقت طويل في قطعه ثم اعتدلت لتقطع الشريط المقيد لقدميها فعلى ما يبدوا أن ادواتهم ما زالت جديدة ونصلها حاد ،

 قامت سريعاً من الطاولة النقالة وبخطوات حذرة وثابتة وصلت للباب ولكنها غفلت عن كاميرات المراقبة المعلقة في كل جزء من الغرفة ،

خرجت من الباب تلتفت يميناً ويساراً بترقب وهي تقبض على المبضع بيدها مستعدة غرزه في جسد اي رجل يقترب منها ،

خطت بحذر بطول الممر حتى وصلت لنهايته ، توقفت أمام الباب الكبير بقلب يكاد يتوقف رعباً ،

هو نفسه الباب الذي راته في حلمها وعليه نفس النقش وصورة الثعبان ، ولكنها دققت النظر في الجملة المكتوبة باللغة الإنجليزية فوجدتها ،

" red room "

 ارتعش جسدها برعب فهذه الجملة لها مدلولات كثيرة ، قررت المواجهة وأن تدلف للداخل كي تبحث عن اصدقائها وبالأخص صديقتها الحميمة ،

امسكت بمقبض الباب واخذت عدة انفاس متلاحقة ثم أدارته وهي ترفع يدها الاخرى بالمبضع ،

ولكنها وجدت الغرفة خالية ، دلفت للداخل تتفحصها ولكن بالفعل لا يوجد بها أحد  تأففت بغضب  وهي تتسأل أين هم ؟! 

استدارت لتعود ادراجها تبحث في مكان أخر ، جحظت عينيها برعب حين أمسك أحدهم يديها  من الخلف بيد ويده الأخرى كمم فمها حتى لا تستطيع الصراخ ،

حاولت أن تجرحه بالمبضع الذي بيدها وبالفعل استطاعت ، تركها الشاب متأوه فالتفتت نحوه لتقتله ولكنها عادت للخلف حين وجدته هو من حذرها في الحلم!  

 

رفع كفه وبكفه الأخر حاول أن يضغط على جرح عميق في بطنه ينزف بشدة ،

اقتربت منه بتشتت وهي لا تدري ماذا تفعل ؟ واين هي ؟ ومن هؤلاء ؟!  ولكن من المؤكد أنها في آمان معه  ،

سالته بوجل وهي تبحث عن أي شيء يستر جسدها العاري امامه وقطعة قماش اخرى توقف بها نزيفه  :

- احنا فين ؟!  ومين دول ؟

رفع يده سريعاً يحذرها  :

- وطي صوتك لحد يسمعنا ، اقتربت نحوه بعد أن يئست من إيجاد اية قطعة قماش ، ثم همست له  :

- مش لاقيه حاجه توقف النزيف ،

ثم تذكرت الشريط اللاصق الذي قطعته من يديها وقدميها ، ولكنها مؤكد لن تعود للغرفة مرة اخرى ،

 دارت حول نفسها في دورة سريعة تحاول إيجاد اي شيء ولكن دون جدوى ،

نظرت نحوه فوجدته سقط جالساً على الأرض ودماءه بدأت في التزايد  ،

لم تستطيع الانتظار أكثر من ذلك فحياة شخص اوشكت على الانتهاء امامها ، يجب أن تساعده فهذا ما أقسمت عليه ،

 

خرجت وهي تقبض على المبضع ثم ركضت نحو غرفة الادوات ،

فتحتها ودلفت بحذر ولحسن حظها لم تجد أحد ، أخذت الشريط اللاصق وانطلقت نحو رفوف الادوات تبحث عن إبرة وخيط طبي ومخدر تستطيع أن تقطب به جُرحه ،

ابتسمت حين وجدت ما تحتاجته وركضت عائدة إليه ، فوجدته مازال يجلس في موضعه ووجه شاحب شحوب الموتى ،

 

وضعت له المخدر  وبيد ماهرة كما يطلق عليها اساتذتها انتهت من مخيط جُرحه ووضعت علية الشريط اللاصق تحت تأوهاته المكتومة ،

همست له بمهنية ،

- لازم تاخد مضاد حيوي في اسرع وقت ، وكمان أنا حاولت اجيبلك ادوات لسه مقفوله بكيسيتها ، بس برده كان لازم تتعقم ،

 

اومأ برأسه إيجاباً مع ابتسامة شكر لطيفة  :

- مش عارف اشكرك ازاي يا أنسه! 

- اسمي حياة وأنت ؟!

- انا يوسف

- مين دول يا يوسف وعاوزين مننا إيه ؟! 

ابتلع ريقه وهو يشعر بجفاف حلقه يتزايد ، ثم همس لها  :

- الموضوع كبير قوي يا حياة ،

- حاول تختصر ، لأني لازم افهم ، صحبتي هنا دورت عليها ومش لاقيها ولازم افهم عشان الاقيها ،

بدأ يسعل وهو يمسك بطنه بألم شديد ، فوضعت حياة كفها على كتفه متسائلة ،

- اكيد بتتألم جامد مش كدا ؟! 

هز رأسه نفيا ليجيبها  :

- مش قوي ما تقلقيش هما مديني مسكن قوي اخدته قبل  ما اللي هنا ما يعذبوني ،

- هما مين دول ؟!

  قالتها وهي تضيق عينيها بتعجب

- الشرطة ،

 شهقت حياة فأشار لها أن تخفض صوتها فهمست وهي تلتفت حولها   :

- انت ظابط ،

أومأ  ،  فأكملت :

- وإيه اللي جابك هنا ؟!  وازاي ما فيش قوه جت تنقذك ؟! 

تنهد وهو يدلك رأسه وشعورا بالندم يحتاجه ،

- جيت عشان اسجل لهم ويتقبض عليهم متلبسين ، لأننا جينا هنا مليون مره ومعرفناش المكان دا موجود فين ،

ومافيش حد  جه ينقذني لأن مهمتي سريه لأن عيونهم في الداخليه كتير  فماحدش يعرف بيها غير القائد بتاعي ، وأكيد بعت ناس لما اتاخرت بس ما حدش هيلاقيني ،

تجمعت الدموع بعين حياة وقد بدأ الياس يتسرب لقلبها وجوارحها اجمع ، فإن كان هذا  مصير ضابط الشرطة فما هو مصيرها هي وصديقتها ،

نظر يوسف نحوها بشفقة وهو يقول  :

- ان شاء الله هنخرج ما تقلقيش  ..

اجابته بياس شديد  :

- هنخرج ازاي واحنا ما نعرفش احنا دخلنا ازاي اصلا ، كل الغرف اللي شوفتها مالهاش اي فتحات ولا شبابيك

ثم نظرت نحوه بتعجب  :

-  انت هربت منهم أزاي اصلا ؟! 

- لانهم عاوزيني اهرب زي ما هما عاوزينك تهربي..

قالها وهو يحاول الوقوف  مستنداً على الحائط خلفه

ثم بدأ يسعل مرة اخرى وقد انعقد لسان حياة وفقدت النطق ، تشعر أنها تدور في دوامة لا تفهم شيء بداخلها  ، تدور وتدور ويجب عليها أن تتوقف ، لذلك اصرت عليه أن يخبرها ما يحدث ، اجابها يوسف بهمس سريع  :

- احنا جوه لعبه يا حياة ، ثم اشار نحو الكاميرات المعلقة في كل مكان قائلاً  :

- الكاميرات دي بتصورنا وتعرضها على الناس اون لاين ،

شهقت بفزع وهي تنظر نحو جسدها العاري وهي تتذكر ما رأته في الحلم على شاشات الكمبيوتر المحمول ،

اكمل يوسف سريعاً  :

- ما تخافيش انا عطلت الكاميرات اللي في الغرفة دي عشان ما يعرفوش طريقي ، بس ما فيش قدمنا وقت كبير ،

وجدها جاحظة العينين تفتح فمها على أخره لا تستوعب ما يقوله ،

امسك بكفها يضغط عليه قائلاً  :

- فوقي معايا يا حياة ارجوكِ ،

اشارت له برأسها أن يُكمل وحاولت بقدر استطاعتها أن تنتبه لما يقوله   :

- المكان دا كله اسمه " red room  "

كادت أن تتحدث فأوقفها  ،

- سبيني بس اكمل وبعدين اسالي زي ما أنتِ عاوزه ، بس أنا اللي هسالك دلوقتي ، تسمعي عن الديب ويب أو الدرك ويب ،

هزت راسها إيجاباً وهي تجيبه  :

- ايوه بنشتري ساعات من بعض المواقع عليه جثث ،

ذم شفتيه بشمئزاز  :

- تمام هو دا ، بس اللي بتتكلمي عنه دا الديب ويب اللي فيه حاجات بتنفع ، الدرك ويب بقى اللي احنا فيه حالياً ،

 

ضيقت عينيها بتساؤل   :

- افهمي يا دكتوره ، الدرك ويب دا خاص بتجارة الاعضاء والمخدرات والسلاح والأفظع والأبشع من كدا ، مواقع تعذيب زي اللي احنا فيها دي  دلوقتي  ،  بيخطفوا شوية شباب ويبدأو يعذبوا فيهم على الهواء مباشرة  وكل ما نسبة المشاهدات علت كل ما تجارتهم زادت وربحهم زاد ،

تملكها الرعب الشديد وارتعدت فرائصها مرددة  :

- مافيش عندنا  الكلام دا!! 

- امال احنا فين ؟! 

سمعوا صوت اقدام تتجه نحوهم فوقف يوسف وهو ينحني للأمام  قليلاً من ألم جرحه ،   فناولته حياة مشرط اخذته من الادوات فامسكه بيده وازاحها لتقف خلفه هامساً  :

- اوعي تترددي لحظة في قتل حد منهم ، انا هحاول أحميكِ لحد ما تهربي ، أول ما تلاقيني اشتبكت معاه اجري بسرعه ،

اومت برأسها ووقف الاثنان على استعداد للهجوم مثل الحيوانات البرية ،

اقتربت منه وهي تتنصت لوقع أقدام الرجل لتتسأل بهمس  :

- هو رجع تاني ليه ؟! 

التفت يوسف نحوها يتطلع لجسدها بتفحص ، فعادت للخلف خطوتان وهي تنظر نحوه بغضب ليقترب هو منها ، مما جعلها ترفع المبضع في وجهه تحذره  :

- أنت اتجننت ولا إيه ، لو قربت مني هقتلك

ابتسم لها قائلاً  :

- يا بنتي ما تخافيش أنا بشوف يمكن حد فيهم حطلك جهاز تصنت ولا حاجه ،

نظرت لجسدها لتتحسسه بيدها ثم انتقلت لشعرها تتفحصه فلم تجد شيء ، رفعت وجهها نحوه فوجدته ما زال يعلق نظره بوجهها وهو يضيق عينيه ، سالته والدهشة تعتلي ملامحها  :

 

- مالك بتبصلي كدا ليه ؟! 

اشاح بنظره بعيداً وهو يردد  :

- ما تشغليش بالك ،

وقبل أن يكمل امسكت بكفه قائلة بصوت يهتز من الخوف :

- انا حلمت بيك بتحذرني! 

لف جسده نحوها وتسارعت دقات قلبه هذا ما كان يخشاه ، لقد سمعت ندائه!

- مش فاهم ؟! 

- امبارح قبل الرحلة نمت وحلمت أني كنت واقفه بنفس الاوضه اللي كنت فيها وأنت كنت  .....

 ثم توقفت وهي تطأطأ راسها ، فرفعه يوسف قائلاً  :

- وبعدين  ! 

أكملت حياة بأسى:

- حذرتني وقولتلي اهربي ،

شعر بانقباض في قلبه ولكنه حاول أن يتغاضى عن الأمر مازحاً  :

- وبرده جيتي ، دا انتي غبيه بقى ! 

ابتسمت حياة رغما عنها لُتكمل:

- بدل ما تقول جيت انقذك ،

رفع زاوية فمه بتهكم ثم ازاح وجهها بأصابعه  :

- انقذني نفسك يا شابه وبعدين قولي انقذك ،

ذمت شفتيها بغضب بينما تأمل هو جرحه الذي توقف عن النزف ثم رفع وجهه بملامح ممتنة  :

- شكرا ليكي يا حياة ، حقيقي أنتِ أنقذتِ حياتي  ،

 بادلته الابتسامة ثم تهجم وجهها بخوف شديد عندما تذكرت صديقتها وتجمعت الدموع في عينيها  وهي تقول  :

- لازم نتحرك من هنا يا يوسف زمانهم عملوا إيه في آلاء

ضغط على كفها برفق يطمئنها   :

- ما تخفيش معاد البث لسه مجاش وهما مش هيعملوا فيهم حاجه إلا وقت البث ، معنا لسه وقت ، المهم دلوقتي لازم نشوفلك حاجه تلبسيها والا هتموتي م البرد ،

انطلق الاثنان بحذر شديد  بعدما أخبرها أن تفعل ما يفعله ، فالتصقا الأثنان ظهرها للحائط ويوسف يشير لها على اتجاه الكاميرات حتى لا تلتقطهم ، برغم علمه انهم يريدون ان يصنعوا مادة شيقة لجمهور المشاهدين ولهذا تركوه وتركوها يهربون ويتجولون في هذا المكان  حتى يُصبح فيلم رعباً حقيقي ، ولكنه لن يمنحهم ابدًا هذه المتعة ،

اشار باتجاه آخر فذهبوا نحوه حتى وصلوا لأحدى الغرف المكتوب عليها " ازياء للقتل "

جحظت عينيها أمام الجملة تحاول التأكد مما هو مكتوب ، امسك يوسف بذراعها ليوقفها خلفه ثم فتح باب الغرفة يتأكد من خلوها ،

جالت عيناه على اركان السقف ليتفحص الكاميرات التي تتحرك في كل اتجاه ،

دلف للداخل ملتصقا في الحائط  في محاولة لتجنب ظهوره على الشاشات ، ولحسن حظه أن سقف الغرفة منخفض حتى يستطيع تعطيلها دون أن يحتاج لشيء يقف عليه ،

أخرج من جيبه جهاز صغير بحجم كف اليد ثم وقف على اطراف اصابعه واخرج شريحة من جسد العدسة ثم وضع اخرى مكانها ،

بينما تقف حياة تراقبه بتركيز ، خرج من الغرفة يقف بجوارها وهو يعد حتى ثلاثين ثم اشار لها أن تدخل الغرفة ففعلت وهي تسأله  :

- انت عملت إيه مش فاهمه ؟! 

امسك بالشريحة التي نزعها من العدسة يجيبها  :

- دي شريحة التسجيل لكل اللي بيحصل ، أنا شيلتها وحطيت شريحه جديده بمدة تلاتين ثانيه ،

- عشان كدا قولتلي ادخلي بعد التلاتين

اجابها وهو يمسك بيدها ليدلفا داخل الغرفة ،

- ايوه عشان الكاميرا تسجل الاوضه وهي فاضيه وهتفضل تعيد في المشهد دا لحد ما حد يشك في الموضوع ،

ثم اشار لها نحو خزينة الملابس  :

-  شوفي لو حاجه تناسبك البسيها بس بسرعه ،

هزت رأسها بالموافقة وهي تخطو نحو الخزينة ودقات قلبها تتسارع والجملة المحفورة على باب الغرفة تتردد في عقلها ،

" ازياء للقتل "

فتحت الخزانة بيد مرتعشة ثم حبست انفاسها حين رأت الملابس المعلقة بداخلها  !

اثواب عارية لا تحتوي سوى على جزء بسيط من الاقمشة  ، جميعها بلونين الاسود والاحمر ،

حاولت البحث عن أي شيء يستر جسدها فمن الواضح أن تلك الاثواب صنعت للتعري وليس للستر، بعد بحث لمدة ليست بقليلة وجدت شورت من الجينز وقميص  بخطوط طوليه يتميز بمربعات ملونة بالأحمر والازرق ، 

حاولت البحث عن بنطال طويل ولكنها لم تجد سوى هاذان القطعتان و برغم أن قدميها سيصبحان عاريتين ولكنه افضل بكثير من التجول بملابسها الداخلية ، ارتدتهم سريعاً وخرجت على عجل ،

 امسك يوسف  بهاتفه يحاول إيجاد اي طريقة للخروج من هذا المكان عبر الخريطة ولكن للأسف الشديد لم يجد الموقع أي اثر لتتبعهم ،

زفر بضيق وهو ينظر نحوها قائلًا  :

- ما فيش فايده جوجل مش لاقط اي موقع لينا ،

 

جلست حياة بجواره تنظر لشاشة هاتفه بيأس  :

- عجيبه مدام شبكة النت موجوده ازاي قدروا يمحو المكان من على خريطة اكبر موقع على النت ؟! 

- الناس دي تقدر تعمل ما لا يخطر على بال ابليس حتى ،

 قالها وهو يقف يمد يده إليها ليكمل  :

- يلا بينا نشوف صحابك فين ونحاول نخرج من هنا مع اني عارف أنه مجرد وقت وهيمسكونا تاني  !

لم تجيبه حياة وهي تقبض بشدة على مبضعها عازمة امرها أنها ستقتل كل من يحاول الاقتراب منها بأبشع طريقة تعلمتها فهي بارعة في حفظ مناطق الموت السريع في جسد الانسان  ،

 لقد اصبح الأمر الأن حياة أو موت!!

انطلقا الأثنان بعد أن سحب يوسف الشريحة التي وضعها في الكاميرا و بدأوا البحث  في جميع الغرف التي قابلتهم فلم يجدوا أثر لاحد ،

 ولا يوجد أي باب  من الأبواب يؤدي للأعلى او للأسفل تأففت حياة وهي تستند على الحائط بغضب ،

فسألها يوسف باهتمام وهو يتفحص كل جزء في الجدران  :

- انتي شوفتي حد منهم من ساعة ما اخدوكِ ؟! 

كادت ان تبكي وهي تتذكر ما حدث ،

- ايوه بعد ما فوقت قعدت اصرخ عشان البنات اللي معايا يصحوا  فجه واحد لابس خوذه وهدوم كلها سوده واداني مخدر ، وبعدين فوقت تاني مره في الاوضه بتاعت الادوات اللي كنا فيها دلوقتي ،

ضيق عينيه بتركيز يتسأل  :

- وحد جالك هناك ؟! 

- ايوه جالي واحد فحصني عشان يتأكد اني لسه نايمه ،

 

- الواحد دا كان في الاوضه اما فوقتي؟!   ولا جه من بره!؟!  ولو جه من بره تعرفي جه من اي اتجاه ؟!

اغمضت عينيها لثواني ثم اجابته ،

- جه من بره ،

  ثم اشارت بتجاه اليمين  :

-  صوت خطواته جاتلي من الناحيه دي ،

اسرع حيث اشارت وهو يمسك كفها خلفه ، حتى وصل للحائط اخر الرواق ، ابطل عمل الكاميرا التي فوق الجدار كما فعل من قبل ،

حاول فحص الجدار اكثر من مرة ولم يجد شئ ،

بينما التفت حياة حول نفسها تبحث معه عن خيط يستطيع أن يوصلها لأي مخرج ،

خبطت حياة الحائط بقدميها بانفعال شديد فسمع يوسف صوت لارتداده ، رفع كفه لها أن تصمت ثم وضع يده على الجدار يطرقه طرقات خفيفة في كل اتجاه حتى وجد صدى لطرقه ، فأضاء مصباح هاتفه وهو يردد  :

- معتش وقت  فاضل نص ساعه على البث ، اكيد في حاجه هنا بتفتح الجدار دا ،

نظرت حياة للكاميرا التي تعتلي الجدار قائلة  :

- شوف كدا ممكن يكون في زرار في الكاميرا

نظر لها نظرة ذات مغزى  فرفعت كتفيها بتلقائية  وهي تقول :

-        بتبص لي كدا ليه  ما هو مافيش حاجه في الجدار غيرها ،

لمعت عيناه ورفع يده يتفحص جوانبها حتى وجد زر صغير في مؤخرتها وحين ضغطه انفتح الجدار على مصرعيه ،

سحب شريحته سريعاً وهو ينظر نحوها مبتسما يغمز لها  :

- فكريني ابوسك بعدين ،

لكزته في كتفه وهو يعبر الباب المفتوح ثم تبعته لينغلق الباب خلفهم سريعا دون اصدار اي صرير يدل على موقعه ،

هبطا من أعلى الدرج بحذر وهدوء شديدين وهما يتطلعان امامهم في ذهول وكأنهما انتقلا لمكان أخر من الكرة الارضية  !

اضاءة خافته جداً ومؤثرات ضوئية حمراء وزرقاء تحيط المكان بأكمله بالإضافة للأبواب على الجانبين مثل الطابق الاعلى ولكنها مختلفة تماما

،

غرف كثيرة وكل باب معلق عليه لافتة كبيرة ويتميز بلون مختلف ، وفي نهاية الرواق باباً كبير بطول الحائط مغطى بالستان الأحمر فاقع اللون وفي وسطه نفس النقش المميت الخاص بالثعبان وكلمة "red room "

 منقوشة بالخط العريض ، انقبضت عضلات قلبها فزعاً وهي تتخيل أن صديقتها بالداخل يفعلون بها كما رأت في حلمها ، مؤكد لن تتحمل رؤيتها هكذا عليها ،

نفضت راسها من هذه الافكار السوداء محاولة التمسك بأعصابها فهي تحتاج كل قوتها لتخرج من هنا ، اخذت نفساً عميقاً وهي تنظر للغرفة الحمراء بغضب وتشير نحوها  :

- الاوضه دي يا يوسف

نظر لها بغرابة  :

- اشمعنا دي ؟! 

- اللي شوفتها في الحلم  :

قالت جملتها وهي تقترب منها  بينما الصق يوسف ظهره بظهرها ليحميها من الخلف ، 

صكت اسنانها بغيظ ثم امسكت بمقبض الباب تديره  فنفتح الباب مُصدراً ازيز جعل دقات قلبها تتعالى ، وهي تتجول بعينيها تبحث عن صديقتها بينما التفت يوسف لينظر الى ما تنظر اليه ليقفا الاثنان أمام الغرفة وقد هربت دمائهما بدون رجعة! 

 

متاهة كبيرة مقسمة لأروقة وغرف زجاجية شفافة ، وكل غرفة منهم يوجد بها جثة معلقة  من قدميها بعدما تحللت من المياه ، وكل جثة منهم مقتولة بشكل مختلف ،

وضعت يدها على فمها سريعاً وانطلقت لركن في الغرفة تفرغ به معدتها التي لم تتحمل رؤية اجزاء بشريه مقطعة بهذا الشكل الاكثر من مقزز ،

وبرغم حبها الكبير لمادة التشريح وتفوقها بها إلا انها كانت تعمل اغلب الوقت على محاكاة من البلاستيك المطاط وحتى الجثث الحقيقية كانت متوفاة بطرق مرضيه وكانت تتعامل معها بحذر شديد وليس بهذا الشكل  ، هؤلاء ليسوا بمرضى هم أبعد من ذلك بكثير   !!

 هذا ما اخبرته به يوسف حين امسك بكتفيها يحاول تهدئتها قبل أن يأتي البقية لأخذ هذه الاعضاء ووضع اجساد جديدة قبل البث ،

حاولت أن تتمالك نفسها قليلاً ، وصورة صديقتها وباقي الفتيات تتوالى على عقلها مما جعل جسدها يرتعش برعب ضمها يوسف إليه بينما خبئت وجهها في صدره وهما يسيران في الممر ليصلا إلى غرفة التحكم ،  وبالفعل وصلا إليها مستغلين انشغال الجميع بقرب البث وتحضير الفتيات قبل نقلهم للغرفة الحمراء ، أو هكذا ظنوا  ! 

كانت آخر غرفة زجاجية في الممر تملؤها الأجهزة الاليكترونية ، دلفا للداخل بينما انطلق يوسف امام الجهاز الرئيسي ولكنهم توقفوا حين اُغلقت الغرفة عليهم وصدع صوت عبر المكبرات قائلا باللغة الانجليزية ،

- أهلا بكم في عالمنا الخاص ، من فضلكم انظروا عبر الشاشات ،

نظروا لها سريعاً فصُعق الاثنان مما يعرض امامهم على الشاشة ،

لقد تم تنظيف الغرف من الجثث المعلقة بشكل مبهر واسرع مما كانوا يتخيلوا ،   انفتحت الابواب وخرج الرجال الذي يرتدون الخوذات وكل منه يمسك بفتاة مكبلة  في يده ترتدي ثوباً من الاثواب التي رأتها في الخزانة وموضوع على وجهها قطعة قماش سوداء!

 

بدأوا بتثبيتهم بالسلاسل المتدلية من الاسقف وتكبيل اقدامهم في الاصفاد المثبتة بالأرض ،

 الصقت وجهها بالشاشة بترقب وقلبها يكاد يتوقف من الرعب وهي تنتظر رؤية صديقتها من بينهم  !

بدأ الرجال في إزالة غطاء الراس عن الفتيات صرخات يوسف جعلتها تنتبه له برعب وهو يسب ويركل المكتب الخشبي الموضوع علية الاجهزة حتى  نزف جرحه مرة اخرى وحياة تحاول أن تستفهم عن ما حدث ولكنه لم تستطع فهم شيء  حتى صدح الصوت مرة اخرى قائلاً ،

- كما رأيتم فان لكل منكما ضحية تخصه ،

 نظرت حياة سريعاً إلى الشاشات فوجدت صديقتها والاربع فتيات الذين كانوا معها في الغرفة ، ولكن توقفت حين وجدت فتاة سادسة ، وجميعهم يصرخون بكل ما اوتوا من قوة ،

هزت حياة يوسف بقوة تساله:

- قصده إيه الحيوان دا!  مين اللي تخصك هنا يا يوسف ؟! 

تطلع نحوها بعينان غائمتان بالدموع وكل خلية به تنعيه بأسى ولم ينطق سوى كلمة واحدة  :

- مراتي! 

عادت للخلف حتى ارتطمت بالأجهزة فوقع احدهم ليتحطم على ارضية الغرفة كما تحطم كلا منهما وهم يرون ذاويهم رؤي العين وما سيُفعل بهم بعد قليل ،

تحدث الرجل ثانية ،

- ارجوكم استمتعوا بالعرض ، سيبدأ البث بعد واحد اثنان ثلاثة  ...

اصابهم الجنون وظلوا يركلون الباب ويحطمون كل ما في الغرفة وحياة تصرخ بكل ما اوتيت من قوة تردد اسم صديقتها بينما ظل يوسف يترجاه أن يقتله هو ويترك زوجته ،

 

صراخهم يصل لمسامعهم مما جعلهم يصلون لحافة الجنون ، وضعت حياة كفيها على اذنها تحاول الا تسمع صراخ صديقتها أما عن يوسف فقد اقترب من الشاشة المتبقية في الغرفة التي تعرض غرفة زوجته ،

وضع سبابته على الشاشة يحاول أن يحفظ ملامحها قبل أن يأتي دورها ،  سقطت دموعه على وجنتيه وهو يراها تصرخ عاليا باسمه ،

توقف نبض قلبه وانقبضت عظام صدره على انفاسه وهو يرى الرجل خلفها ينظر نحوه ويجردها من ملابسه ، لقد اتى دورها ،

اصابته حالة من الذهول وكانه انفصل عن العالم وفجأة امسكت حياة بالشاشة ورفعتها عالياً ثم تركتها تسقط ارضاً لتتحطم لمئات الشظايا ،

تعلق نظره نحوها بتيه وكأنه لم يدرك بعد ما فعلته وجهه شحب اضعاف وابيضت شفتاه واصبحت ملامحه تمثل الاموات،  امسكت حياة بكتفيه تهزه محاولة  أن تجعله يفيق من الحالة العجيبة هذه ،

قالت له وهي تشهق بالبكاء على صديقتها التي ما زالت تستمع صرختها المتألمة ،

- فوق يا يوسف ارجوك لازم نخرج نلحقهم فوووووق  ،

وكأنه لم يسمعها حتى الأن  ،  فجسد زوجته العاري الذي يحفظه عن ظهر قلب كان أمام الألوف من المرضى والمختلين وليس هذا فحسب فهم يستمتعون الأن بتقطيعه   !

 كررت صراخها في وجهه فسقط يجلس ارضاً يستند برأسه على الحائط وعقله يصور له ما يحدث لها كما رأى الجثث منذ قليل  مع خلفية من صوت صراخها الصادر عبر مكبرات الصوت فهكذا اكتملت الصورة حتى وإن كسرت حياة الشاشات  ،

جلست امامه على ركبتيها تفحصه فوجدت جرحه ازداد نزفاً، إن لم ينتقل للمشفى في اسرع وقت قد يصيب بتسمم في الدم وإن  لم تدركه سيموت  حتماً  !  ولكنه لا يشعر بالألم ولم يعد حتى يشعر بها  ،

لم تجد حلا سوى البكاء والعويل وهي تترجاه أن يتماسك ليخرجوا من هذا المكان وهي على أمل أنها ستلحق بصديقتها ،

انتفض الاثنان  عندما اتى صوته مرة اخرى قائلاً  :

- هل تريدون الانتقام الان ؟! 

لم ينتظر إجابة واكمل  :

- سيفتح الباب بعد ثواني معدودة إن أردتم الانتقام فلكم الخيار أو عليكم أن تمكثوا  مكانكم حتى يأتي دوركم  ،

وبالفعل انفتح الباب فأظلمت عين يوسف وقام من مكانه يمتلك من القوة ما يكفي لتمزيق هذا الرجل الذي طالعه على الشاشة بكل وقاحة ،

خطى للأمام فأمسكت حياة بيده سريعاً وهي تهز رأسها نفياً ودموع عينيها تتساقط مثل الشلال  :

- ارجوك يا يوسف تعالى نشوف مكان للخروج من هنا  ، 

لم يعيرها اهتماماً وانطلق كأسد جريح  لا يسمع ولا يرى كل ما يريده هو قتل كل من مس زوجته  ،  وقفت أمامه تحاول اللحاق بخطواته وهي تصرخ : 

-        افهم بقى هو دا اللي هو عاوز يعمله عرض قدام الناس ، مراتك ماتت يا يوسف وآلاء كمان ،

قالتها جملتها الاخيرة وهي تشهق ببكاء مرير ولا تعرف حقاً من أين أتت بتلك القوة التي تتحدث بها ولكنها كما يقولون  "حلاوة روح  "

،سحب يده من يدها وهو عازم على المضي في طريقه  ، وقفت امامه ثانية وهي تمسح دموعها بحدة لتُكمل  :

- هتموت يا يوسف لو روحتلهم  ، جرحك اتلوث لازم نخرج من هنا بسرررعه مش هتقدر حتى تنتقم صدقني ،

صرخ بوجهها بكل ما يحمله من ألم  :

-  وانتِ فكراني حتى لو خرجت من هنا هعيش بعد اللي حصل لمراتي قدام عيني ،

- انت ماشوفتش حاجه يا يوسف انا كسرت الجهاز ، خيالك اللي صورلك الباقي افهم بقى ،

تاهت نظراته للحظات  ولم يعد يدري ما يصدق هل ما رأه حدث بالفعل أم كما تقول حياة خياله هو من صور له نفض رأسه بعنف وهو يسأله بصوت مرتعش يتمسك بأي أمل :

- يعني هما لسه عايشين ؟! 

عادت تبكي حتى جف حلقها من مرارة ما تنطقه  :

- لاء مش عايشين ، أنا متأكده

انتبه الاثنان على صوته قائلاً  :

- يبدو أن سيادة الضابط لم يرى ما يكفى لينتقم ممن عذب زوجته ،

امسكت حياة بيده سريعا تهمس له  :

- صدقني يا يوسف قولتلك هو عاوز يعمل عرض مختلف عشان كدا سابنا عايشين ، ارجوك ماتدليوش اللي هو عاوزه ،

اكمل الرجل بضحكة تهكمية  :

- لقد حان دوركما إذاً  ! 

انتهت جملته وبدأ الرجال يخرجون من الغرف وقد امتلأت ملابسهم بالدماء وكلا منهم يحمل خنجرا بيده ،

وقف يوسف يتفحصهم بعينا كالصقر البري وهو يزيح حياة لتقف خلف ظهره ، رفعت حياة رأسها لأعلى حين سمعت صوت تحرك الكاميرات ، فوجدتها تتجمع نحو يوسف والرجال ،

لم تدرك حتى الان انهم اشتبكوا سوياً ، واحتشد الخمس رجال حوله يجرحون كل جزء في جسده بسرعة فائقة بينما يتجول يوسف بينهم محاولاً اصابتهم بالمشرط الذي يمسكه بيده ولكنه لا يستطيع من كثرة عددهم ومهارتهم  ،

 

كل شيء مر سريعاً وفي لحظات ، ادركت حياة انه لا يمتك وقت كثير وسط هؤلاء الوحوش ،

و بحركة خفيفة وعاجلة تعلمتها في تدريبات الكونغ فو التفت حول  اقدام الخمسة رجال بمبضعها فوقعوا الخمس ينزفون بعدما قطعت شريان ظهري الساق بحركة واحدة وسريعة حتى امتلأت الأرض بدمائهم وقبل أن يدركوا ما فعلته اصبحوا اموات  !

نظرت حياة نحو كاميرات المراقبة المسلطة نحوهم وهي تصرخ بأعلى صوتها  :

- عجابكم العرض داااااا!! 

سمعت تصفيق حاد عبر مكبر الصوت يقول لها  :

- لم اخطئ في اختيار فتاة العام من قبل ، ولكني اعترف انك فقت توقعاتي دكتوره حياة ،

انحنت حياة على الارض بعد أن بصقت على إحدى الكاميرات باشمئزاز ثم التقطت احد الخناجر ووقفت تمزق بها اسلاك الكاميرات جميعها وهي تزأر مثل اسد جريح ،

ثم انطلقت نحو خرطوم المياه الخاص بالطوارئ وامسكت به لتفتح الماء على قوتها وهي توجهها ناحية مكبرات الصوت حتى سمعت شرارة احترق الكهرباء بداخلها ،

انحنت نحو يوسف الذي افترش الارض وجروحه تنزف بشدة ، ساعدته على النهوض بأن جعلته يستند على كتفها وخطت في الاتجاه المخالف وهي تحاول الوصول لباب الخروج من هذا المكان ،

وجدت باب اخر وحين فتحته عثرت على درج طويل ينتهي بقبو تحت الارض ،

همست في أذن يوسف  :

- استحمل يا يوسف ارجوك ، هانت ،

 

اخرجت هاتفه من جيبه واضاءت المصباح حتى ترى وجهتها.  دقائق مرت حتى وصلت لنهاية القبو امام باب يفتح إلكترونياً ،

صاحت بغيظ شديد ثم ساعدت يوسف على الجلوس وهي تترجاه ،

- فوق يا يوسف ارجوك ، الباب بيفتح بشفرة  ارجوك ساعدني ،

حاول ان يأخذ نفساً عميقاً يساعده على الحديث وبجهد كبير اخرج صوته قائلاً  :

- في جيبي اليمين كارت جربيه كدا ،

اخرجته بسرعة فائقة ويدها ترتعد خوفاً ثم وضعته في مكانه ولكن لسوء حظهم اصدر صرير اطلق جهاز الإنذار الخاص بالاختراق ،

اصوات اقدامهم اقتربت منهم كثيراً وحياة تدور حول نفسها تبحث عن حلاً سريعاً ، فهذا الرجل المختل لن يتنازل عن عرضه الشيق الذي يكتسب منه المليارات من المختلين أمثاله  ،

ولكن قد فات الأوان فقد تجمع ثلاثة من الرجال حولهم يشبهون ابطال المصارعة ،

رفعت الخنجر بوجههم فابتسم احدهم قائلاً بلغته الاجنبية  :

- هل تظنين ان هذا السكين سيوقفنا عن قتلك ،

اجابته بلغته  :

- جرب أن تقترب مني وسوف ترى ،

ضحك اخر بصوت مرتفع قائلاً  :

- هل تظنين أننا مثل هؤلاء المختلين الذين قتلتهم بالأعلى ، هم مجرد مرضى يدفعون اموالا طائلة مقابل ارضاء شهواتهم المريضة بتعذيب اجساد البشر ، اما نحن فمدربين على القتل فلا تضيعي وقتنا لقد جاءت الأوامر أن نأخذك حية  ،

لم ينتبهوا على يوسف الذي استند على الجدار واخرج شريحة من هاتفه ووضعها في الباب الإليكتروني ،

 

انتبه الجميع على صدور صوت الانذار مرة اخرى ولكن هذه المرة مختلفة ،

تحدث الكمبيوتر الخاص بالأمان قائلاً  : 

- لقد تم اختراق جهاز الامان الخاص بالمختبر وكإجراء احترازي للطوارئ سينفجر المكان بعد عشر ثواني ،  

ثم بدأ الجهاز العد  ...

انطلق الثلاثة رجال ركضاً لينقذوا رئيسهم ولكن حياة قذفت بالخنجر نحو رقبة أحدهم فوقع صريعاً ،

هرولت نحوه وبدأت بتفتيش جيوبه حتى وجدت كارت الخروج.  ركضت عائده نحو الباب تجربه وهي تدعوا الله أن يقذها من هذا الكابوس ،

بعد عدة محاولات فاشلة فتح الباب عند رقم ثلاث ، امسكت بيد يوسف وانطلقا الاثنان فوجدوا نفسهم فوق جرف عالي ، شهقت حياة بفزع وهي تنظر للأسفل فلا يوجد سوى المياه ، نظرت للأعلى حين سمعت صوت عالي صم اذنيها لطائرة هليكوبتر تغادر المكان وقبل أن يُدركا الأمر انفجر المكان بأكمله مما جعلهم يسقطون في البحر!! 

                            ************

بعد مرور سنة   ..

خرجت حياة من غرفة العمليات بعد إجراء اول عملية جراحية لها بمفردها بدون اشراف ،

تلقت التهاني من الجميع على نجاح العملية وثناء كبير من الاساتذة الذين راقبوا العملية عبر الشاشات ،

فتحت هاتفها سريعاً فوجدت رسالته ، ابتسمت برقة واعادت الاتصال به لتخبره بفرحة عارمة  :

- الحمد لله يا يوسف العملية نجحت مش مصدقه نفسي ،

ابتسم على الجانب الاخر وهو يغلق حاسوبه قائلاً  :

- انا كنت واثق والله قولتلك كتير أنك اشطر جراحه في العالم العربي ما صدقتنيش ،

- يا عم انا كدا هتغر والله ،

تنهد بألم وهو يدلك جانب رأسه  :

-  ياستي اتغري احنا عندنا كام حياة

ضيقت عينيها بقلق تسأله  :

-  مالك ؟! 

- ما فيش مالي! 

صكت اسنانها بغضب ،

- يوسف! 

اجابها بنفاذ صبر  :

- نفس الكابوس يا حياة مش عارف اخلص منه ،

قالت له بحزن شديد:

-  والدكتور النفسي لازمته إيه ؟!  انت اللي ما بتواظبش على الجلسات يا يوسف أنا اتحسنت كتير عن الأول ،

تأفف بضيق  :

- مش هرتاح إلا اما اجيبه الكلب دا ،

ثم اكمل سريعاً قبل أن يتعرض لمناقشة حادة معها  :

- سيبك مني دلوقتي ، ها عاوزين نحتفل بعمليتك الاولى يا صديقتي الوحيده  ،

ضحكت حياة على جملته قائلة:

-  تفتكر حد حيستحملك غيري يا حضرت الظابط ،

توقف الاثنان عن المزاح حين سمع صرير يصدر من جهاز الكمبيوتر المحمول الخاص به،

فتحه على الفور فوجد اشارة لموقع ما ، سالته حياة بتوجس  :

-  دا صوت إيه ؟!

اجابها وقد ملئت الفرحة قلبه  :

- واخيراً رجع  يا حياة  أنا حدسي عمره ما خيب كنت عارف أنه هيرجع ورحمة هايدي ما هيفلت مني المره دي !! 

 

*****************************

تمت بحمد الله  ....

 

تعديل المشاركة
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

Back to top button