لم
أنم ليلتها ولبثتُ في غرفة تحضير الطعام أحضر كل ما يحبه بأفضل طريقة ممكنة ، أذهب
لإرضاع فتاتي التي أتمت شهرها التاسع ولم ترى والدها بعد ، كنت انظر إليها وهي تتناول
حليبها بعينان تلمعان وهي تنظر لعيني وكأنها تريد أن تسألني ما هذه الحالة التي
تنتابني منذ الصباح ، ملست شعرها الحريري القصير وأنا انظر لزجاجة الحليب بأسى بالغ
، فأنا لم أستطع إرضاع ابنتي طبيعياً لجفاف الحليب من كثرة الحزن والبكاء بعدما أصبت
بحمى نفاس جراء ما حدث معنا وامضيت شهرين بعد ولادتي في مشفى الحُميات لأجل
ذلك ،
نفضت
رأسي من أفكاري السلبية بعدما فرغت زُجاجة الحليب ، وضعتُ ابنتي على كتفي أضمها
واربت على ظهرها برفق وأعدُها مبتسمة أنها سترى والدها في صباح الغد ، وأخيراً
سمحوا لنا برؤيته...
نظرت
نحوها بطرف عيني وجدتها قد غفت على كتفي ووجهها البريء مبتسماً بحلاوة لم اراها من
قبل ، تُرى هل فتاتي الصغيرة فهمت ما قلته لها وهي الأن تحلُم برؤية أبيها ؟!
سعدت
لمجرد نطقها بلساني ووضعت ابنتي في فراشها وركضت نحوه المطبخ لأكمل ما بدأته ، لم
استطع التوقف عن تذكر ما حدث ، رؤيتهم وهم يحطمون باب المنزل بعد أسبوعاً واحداً
من زوجنا جعلتني أفزع من نومي صارخة مع كل طرقة على الباب أو ضجة خارج المنزل ،
أما
عن رؤية زوجي وهو يترجاهم أن لا يدخلوا غرفة نومنا لأنني اجلس بها بدون حجابي ونظرته
المكسورة حين دفعوه جانباً بعدما اقتحموا الغرفة ولكنهم وجدوني بزي الصلاة وهذا من
حفظ الله لنا فأنا اُقيم الليل عادة في هذا التوقيت وزوجي كان يجلس بالخارج وهو
يظنني نائمة ، قلبوا منزلنا رأساً على عقب قبل أن يجروه أمامهم مثل المجرمين ،
لم
يجب أحدهم على أسئلتنا عما فعله زوجي لينال هذه المعاملة القبيحة وكأنهم آلة مبرمجة
على فعل معين ،
ازحت
دموعي التي لم تنضب منذ ذلك اليوم وقد توالت مشاهد حياتي خلال هذه السنة والنصف وما
حدث لي ولكن أسواءهم عدم معرفة إلى أين اخذوا زوجي سنة وعدة أشهر لم نسمع عنه خبر لم
نترك سبيل للسؤال ،
أغلقت
اطباق الطعام ليظل ساخناً حتى وقت رحيلنا فلم يعد سوي بضعة ساعات قليلة ، تركت
أفكاري وما حدث جانباً وذهبت لتأدية صلاة الفجر والجلوس بعدها أدعوا الله أن يفرج
كربنا ،
حتى
جاء موعد الرحيل ، ارتديت ما جهزته كالعروس تزف ليلة عُرسها وفعلت
بالمثل لطفلتي وانطلقت خارج المنزل لأجد اخو زوجي ينتظرني ، أخذ مني حقيبة الطعام
وبدأت بالركض وكأنني أسابق الزمن " وماهر" يحذرني أن اُخفف خطواتي
قليلاً وهو يبتسم على طفولتي ،
لمأاستطع
السيطرة على قلبي المتسارع وأنا اردد ، يا إلهي سأراه اخيراً لقد متُ ألاف المرات
لأجل هذه اللحظة ، وقفنا أمام حافلة كبيرة تضم أكثر من أربعين شخصاً ، ضممتُ حاجبي وتوقفت أنظر نحوهم قليلاً
معظمهم سيدات في مثل سني وأكبر كثيراً وكلهن يحملن نفس حقيبة الطعام ،
نبهني
ماهر أن اجلس بجوار أحد السيدات وهو سيعود للخلف مع الرجال ، فعلت ما طلبه مني وجلست
بجوار سيدة خمسينية أنيقة جداً ، نظرت نحوي وابتسمت لابنتي التي مازالت نائمة
وسألتني ،
-
راحة لزيارة زوجك ؟!
أحنيت رأسي بنعم
فأكملت ،
-
الزيارة الكام ؟!
رددت وعيناي تلمع وقلبي مازال يخفق ،
-
الأولى
جعدت ملامح وجهها بحزن قائلة ،
-
لم يرى ابنته من قبل ؟!
حركت رأسي نفياً فأتبعت وعيناها تزرفان
الدموع ،
-
ربنا يفك كربنا جميعاً
سألتها بالمثل فأخبرتني انها ذاهبة لزيارة
ولدها البالغ من العمر ستة عشر عاماً وهو مُعتقل منذ سنتان وهذه زيارتها الثالثة
واليوم هو ميعاد النطق بالحكم ،
كانت تخبرني قصتها وجسدها يرتعد بجواري ،
لم أسأل عن سبب اعتقاله ففي بلدنا لا نسأل هذه الأسئلة ،
قصت لي عن تفوقه الدراسي وأنه حصل على
المركز الاول في الشهادة الإعدادية وانه ولدها الوحيد على بنتين ، ظلت تقص علي منذ
ولادته كم كان طفل لطيف وغير مزعج وعندما شب أصبح ولداً متديناً وحنوناً حتى أن
عائلته يحسدونها عليه لقمة أخلاقه وتواضعه ومساعدته للكل برغم صغر سنه ، فالكل
يحبه ويدعوا له ، فهو نعم الرجل الصغير كما أطلقت عليه ..
استيقظت ابنتي فأطعمتها ومرت الساعات وأنا
وهذه السيدة نتبادل القصص المتعددة عن جميع من في الحافلة فهي تعرف قصة كل واحدة
منهم فهم يجتمعون كل زيارة ويذهبون سوياً كل اسبوعين سألتها بتعجب كيف يذهبون كل أسبوعين ولم ترى ولدها سوى
مرتين وهذه الثالثة ،
فابتسمت وهي تخبرني أنها تذهب على أمل
رؤيته وامداده بالطعام ولكن لم يحالفها الحظ سوى مرتين وهذه الثالثة ستراه من خلال
القضبان في المحكمة ،
أعتصر قلبي عليها وأنا أستشعر كم المرات
اللي ذهبت له هذه الساعات الكثيرة وعودتها خائبة بدون رؤيته ،
ارتعبت من فكرة ان يحدث لي بالمثل ، يا
إلهي لن أستطيع تحمل هذا الأمر فأنا اُعد للقائه منذ اسبوع كامل يوم أن علمت أنهم
قبلوا بزيارته ،
استمريت في الدعاء حتى وصلنا وبدأت قدماي
في الارتعاد وقلبي يخفق بسرعة البرق ، سرنا في صفوف حتى وصلنا لقاعة الزيارات ،
جلسنا على مقاعد حول منضدة صغيرة وانتظرنا ساعة كاملة من التوتر وكأن الأرض توقفت
عن الدوران ،
كل الأفكار السيئة راودتني ومع كل فكرة
قلبي يصرخ بداخلي وقفصي الصدري يضيق بي وحدة تنفسي تزيد حتى بدأت ابنتي بالبكاء من
توتري الزائد ،
سمعنا صوت انفتاح الباب الحديدي فوقفت
تلقائيا أهز ابنتي حتى تكفُ عن الصراخ ، دخل المساجين في صف وعيناي تبحثان
كالغارقة التي تتعلق بقشة ،
ولكن عند دخول المعتقلين تاهت عيناي وأنا
انظر نحوهم وهم يلتقون بذويهم ، دموع أغرقت الغرفة وصرخات اُطلقت من بعضهم وأجساد هزيلة
لم تتحمل الوقوف للترحيب واسئلة كثيرة هنا وهناك ،
انتبهت حين هزني ماهر لأنظر مرة أخرى نحو
الباب ، لقد جاء زوجي لم أشعر بقدمي التي تجمدا وقلبي الذي يهدر داخل ضلوعي بصرخات
حادة ، أخذ ماهر ابنتي مني حين أسرع زوجي بخطواته نحوي وكأنه وجد ضالته ،
جسداً هزيل ووجه شاحب ويدان ترتعشان وملامح
مرهقة حد الموت ، هذا هو زوجي الذي وجدته!!
قبل يدي ورأسي ودموعي تأبى أن تتوقف ضمني
إليه وجسدي مازال يرتعش وعقلي توقف عن التفكير بأي شيء أخر سوى ، أنني يجب أن لا
أعود بدونه ،
لا نستحق هذه الحياة البغيضة المليئة
بالألم ، ماذا فعلنا لهذا الابتلاء ، لم أنطق بحرف حتى تركني وذهب يحتضن ابنته على
يد أخيه ، حملها وجاء نحوي يمازحني وهو يقبل يدها وقدميها وابنتي تبتسم له وكأنها
تعرفه ، والأغرب أنها نامت بين يديه وهو يسلم على أخيه ، ابنتي التي لا تسمح لأحد
بحملها غفت بين يد ابيها التي تراه لأول مرة ،
غضب وسخط وحنق توغر صدري مما أراه ، صككت
أسناني وجفت دموعي ولم أستطع مجاراته في الحديث ، اختبرت شعور القهر والخذلان طول
سنة ونصف ولكني لم أشعر بمرارة الظلم سوى الأن!!
ظل يتحدث مع أخيه عما سيفعل وما حدث له وهو
ينظر نحوي بتعجب ، وأنا أنظر نحو العساكر الذين يحاوطوننا بغضب وكره لم استشعره من
قبل ،
أمسك زوجي يدي فأخذ ماهر ابنتي النائمة من
يد أبيها وذهب بعيداً عنا ، وفي هذه اللحظة انفجرت في بكاء مرير وشريط من حياة
قاسية مر علي ، شهور حمل التسعة ووقت ولادتي ونمو ابنتي يوماً بعد يوم مر عليا ،
حياة عشتها بمفردي من دونه ، سندي وعزوتي حضنه الحنون ويده الرقيقة ومزاحه وخوفه
وغيرته وحبه الخالص كل هذه الاشياء حُرمت علي بأي سبب ،
لا شيء!!
ترجاني أن اكف عن البكاء وبدأ طمئنتي على
أحواله واستقراره وقص لي عن صحبة الصالحة وعن حفظه لنصف القرآن ، وعن قراره ان
يُكمل دراسته العليا وأنه قدم طلب على ذلك ،
طرق الحارس على الباب الحديدي وهو يخبرنا
أن الزيارة قربت على الانتهاء ، وقفت أصرخ لاااا أنا لم أتكلم كلمة واحده لم أحكي
له عما حدث لي في المشفى لم أقص له عن
ابنته شيئاً لقد علمتها أن تقول بابا ، لم يسمعها منها بعد!
بدأت أترجاهم لا تأخذوه مني ارجوك ، نظرت
نحو النساء التي بدأت بالبكاء وزوجي الذي زرف دموعه وهو يتوسل لي أن اصمت فأنا
ازيد أمره سوء ،
لم أسمع منهم شيء وبدأ هذياني وأنا احدثهم
عما مر بي من عناء تكبدته طوال ثمانية عشر شهراً ولكنهم لم يستمعوا لي وأخذوه من
بين يدي وهو يتضرع إليهم أن يتركوه عدة دقائق ليجعلني أهدأ فهو يعلم أني حين أفلت
زمام أمري لا أتوقف حتى يغشي علي ،
وهذا بالفعل ما حدث حين سحبوه من أمامي
عنوة وحملني أخيه وخرج بي سريعاً قبل أن يحملني الحرس ، أما عن ابنتي فقد اخبروني
أن سيدة فاضلة من الزوار تولت أمرها حتى فقت من إغمائي ، لم اكف عن الصراخ ودخلت
في انهيار عصبي حين وجدتني في الحافلة خارج السجن ، لحسن الحظ كانت معنا طبيبة
فحقتني بمهدئ جعلني أغفو حتى وصلنا لمنزلي ،
مرت الأشهر بعدها بطعم الحنظل وأنا أعيش غي
حبس انفرادي!! لم اتناول الطعام إلا
قليلاً ولم أتوقف عن البكاء ليلاً ونهاراً بعدما ُمنع عنا الزيارة بسبب ما فعلت أصبحت
حياتي مظلمة لا يوجد فيها طاقة نور سوى صلاتي ودعائي ،
جاءت البشرى بعد ستة أشهر محاولات لنراه
مرة أخرى بالزيارة مع التحذير لو حدث ما حدث مرة أخرى لن نراه ابداً ،
سجدت شكراً لله وتحضرت كما فعلت من قبل ودربت
نفسي على التماسك وخصوصاً بعدما استطاع زوجي إرسال رسالة لي ، رسالة واحدة جعلتني
أتشبث بالحياة ، لقد عاتبني على ما فعلت واخبرني انه ذهب للمشفى عدة اسابيع مريضاً
بسببي وأنني يجب أنا اتماسك قليلاً فهو لن يتحمل حالتي هذه مرة أخرى وسينهي حياته إن رأني بهذا الضعف ، فهو يستمد قوته مني فإن لم
يجدها سيموت ، وعليه قررت أن اُصبح أقوى لأجله ولأجل ابنتي لعل فرج الله قريب ،
جاء الموعد وصعدت للحافلة وأنا أبحث عن
السيدة الأنيقة اللطيفة لأقص عليها ما حدث معي ، ولكني للعجب لم أجدها ، سألت أحد
السيدات فأخبرتني ،
-
أدعي لها يا ابنتي بالصبر والثبات لقد حُكم
على ولدها بالإعدام وتم تنفيذ الحكم منذ أسبوع مضى .....
لن
أُنهي هذه القصة فهي لم تنتهي بعد....
