" علقتُ في جسده "
نظرت له بغيظ وهو
يتكئ على الأريكة ممدداً قدميه أمامه يمسك هاتفه بيده ويبتسم ببلاهة،
يومياً يعود من عمله على هذا الوضع ، يجلس
أمام التلفاز مستنداً على حافة أريكته وفي يده هاتفه وأطفاله يسعون في البيت فساداً
حوله وهو لا يكترث يا إلهي سأصاب بأزمة قلبية لو أستمر الوضع هكذا..
انطلقت
نحو غرفة الطعام ملاذي الوحيد أفرغ طاقتي السلبية في الأطباق المتسخة حتى فاض كيلي،
لا أحد يشعر بي ولا
أحد يحبني الكل ينظر لي على أني مكينة آلية !
تركت
ما بيدي حين تخطي غضبي حنجرتي فشعرت باختناق شديد ، خطوت نحو الشرفة أتنفس بعض الهواء
فوجدت نوراً ساطعاً في السماء يقترب للأرض ،
أصابني
الفزع وعدت للخلف فسمعت المذيعة في التلفاز تقول :
"
شهاب يسقط على الأرض في حادثة لم تتكرر منذ قرناً مضى وكما تقول الأسطورة تمنوا أمنية
واحدة تريدوها بشدة الأن ! "
رفعت
زاوية فمي ببلاهة وأنا أنظر لزوجي العزيز وهو في عالم آخر ، فرددت بحنق:
-
أتمنى أن يعيش حياتي البائسة هذه ولو
ليوماً واحد حتى يشعر بما أعانيه !
وجدت أطفالي يمسكون بخصلات شعرهم و يصرخون
بجنون وهم يركضون خلف بعضهم البعض و كلاً منهم يمسك بحذاء يقذفه على الآخر ووالدهم
العزيز لم يتحرك قيد اُنملة !
أمسكت بأحد الأحذية وركضت خلفهم فسبقوني
على غرفتهم مختبئين أغلقت الباب عليهم وأنا أصيح بهم وأهددهم إن سمعت صوتا آخر لن أتوانى
لحظة عن تقطيعهم إرباً،
ذهبت لغرفتي أتمدد على سريري تاركة البيت
منقلباً رأساً على عقب وأقسمت أنني سأخلد للنوم وليذهبوا جميعاً للجحيم!
بعدما ارتخى جسدي غطيت في نوم عميق وقررت
أنني في الصباح سأتخذ قرارا مصيرياً لن أتحمل هذه العيشة مرة أخرى ،
رنين المنبه أيقظني في تمام السادسة ، استيقظت
أسب وألعن اليوم الذي تزوجت فيه وأنجبت اطفالا ككل صباح ،
نهضت أجر قدمي نحو المرحاض ولم أنتبه لوجهي
في المرآة إلا حين قررت قضاء حاجتي...
أطلقت
صرخة بصوت رجولي جهوري وأنا لا أصدق لقد تحققت أمنيتي وصرت في جسد زوجي !
***********************************************
سمعت صرخة
رجولية تأتي من دورة المياه ففزعت من نومي أركض نحوها وكل خلية في جسدي تستشيط
غضباً وأنا أتسأل من هذا وما الذي يفعله في منزلي؟!
فتحت باب دورة المياه بحنق شديد فوجدت
رجلاً يُشبهني يقف أمامي ووجهه فزع وكأنه يقف أمام ملك الموت !
الحقيقة
أن ملامحها المذعورة لا تختلف عن ملامحي شيء، وقفت مثل الصنم لا أستوعب تماماً ما
يحدث ، تحركت حين سمعت أولادي من خلفي يسألوها
:
-
ما بك أبي ؟! لماذا تصرخ؟!
نظرت
نحوهم لأجيبهم وجدتهم ينظرون نحو الرجل الذي يشبهني الواقف أمام باب دورة المياه !
فتحت
فمي لأصرخ ماذا يحدث فوجدت أولادي يقفون أمامي وكبيرهم يتساءل :
-
ما الذي يحدث يا أمي ؟! ولما ترتدين
منامة أبي وأبي يرتدي منامتك؟!
جحظت
عيناي بذعر وأنا أنظر لجسدي الممتلئ !
ركضت نحو غرفة النوم ووقفت أمام المرآة وجسدي
ينتفض هلعاً مما رأيت !
ومئات
الأسئلة التي ليس لها إجابة تدور بعقلي ،
دخلت زوجتي التي تأخذ جسدي الغرفة وأغلقت الباب خلفها بعدما نبهت على الأولاد أن
يجلسوا أمام التلفاز ولا يتحركوا من أمامه حتى نخرج من الغرفة ،
وقفت
تطالعني وشبح ابتسامة حمقاء ترتسم على شفتيها جعلتني أقترب منها بانفعال شديد
أُمسك مرفقها بقوة وأنا أهزها قائلاً :
-
ما الذي يحدث لنا؟!
نزعت
يدي من مرفقها وهي تضغط عليها بقوة آلمتني ثم نظرت لي بحنق قائلة :
-
لا تُمسك بيدي هكذا ثانية ، وبالنسبة لسؤالك فالإجابة هي أنني لا أعرف ! أنا استيقظت صباحاً وجدتني أحتل جسدك كما ترى !
لم أستوعب
رقة صوتي بعد ، كما لم أستوعب أبداً صوتي الرجولي الذي يخرج من فمها !
فوقفت كالأبلة فارغاً فاهي أحاول إدراك
ما
يحدث لنا .
جلست
على المقعد الموضوع أمام المرآة أتجنب النظر نحو انعكاسي وعقلي يكاد يُجن مما
يحدث ،
جلست
زوجتي التي تحتل جسدي على الفراش وهي تنظر نحوي ولكني أكاد أجزم أن السعادة تنطلق
من عينيها، حتى نبرة صوتها وهي تُحدثني تتميز
بارتياح أعرفه جيداً فهو صوتي في النهاية وأنا على دراية كاملة به !
حدثتني
بصوت حاولت جعله آمر :
-
يجب علينا أن لا نُشعر أطفالنا بما نحن
فيه حتى نعلم ماذا يحدث لنا ونحل الأمر سوياً
..
***************************************************
سيُصاب
بأزمة قلبية أشعر بذلك !
ما زال
يفتح فمه بحماقة وهو ينظر نحوي ، لا يصدق
أنني استوليت على جسده وآمره بأن لا يعلن ذلك لأطفالنا وسوف أمره حالاً بالبقية ،
أجليت
صوتي لأخرجه بخشونة قائلة له :
-
ستمكث أنت بالبيت وتفعل ما أفعله
يومياً لا تقلق سأشرح لك كل شيء
لم
يتحمل أكثر من ذلك فانطلق نحوي بهياج يدفعني للخلف حتى تمددت على الفراش وجلس هو
فوقي يهدر بي :
-
هل جُننتِ؟! مؤكد قد طار عقلك مما
حدث ، بينما
بسهولة
ويسر اعتدلت أُمسك كلتا يديه الضعيفتين بين يدي واحتجزه بين قدمي قائلة :
-
تكلم معي باحترام فأنا رجل البيت الأن .
حاول
التملص من بين كفي ولكنه لم يستطيع فقوتي تضاهيه كما كان يفعل دائماً، يستخدم
بنيته القوية في كل عراك بيننا ليفوز هو في النهاية وأدخل أنا غرفتي مذعورة أغلقها
خلفي وأجهش في البكاء كحيوان ضعيف لا يستطيع الدفاع عن نفسه ،
الأن
سوف أريه ما كان يفعله بي كاملاً دون نُقصان
، سأذيقه الذل والضعف وقلة الاحترام والتقدير صبراً يا " شاهين "
بيه ،
استسلم
أخيراً و أرخى كلتا يديه فتركته وجلست معتدلة وبصوت جربت أن أجعله جهورياً قلت له
:
-
لنترك العنف جانباً لأنك لن تستطيع
التغلب علي كما رأيت فأنا لم أعد "سندس" الضعيفة كما تعلم لقد أخذت جسدك
ولك أن تتخيل أنك أنت الأخر أخذت جسدي ولذلك تبدلت الأدوار !
نظرت
نحوه وهو يحني رأسه بضعف لم أره من قبل جعلني أشفق عليه بمشاعر لم تتغير بداخلي حتى وأنا في الجانب القوي،
وبلين وهدوء أخبرته :
-
أولاً .. لن تستطيع أن تتغيب عن العمل
وخصوصاً ونحن لا نعلم إلى متى سنظل هكذا ، فيجب أنا أذهب مكانك
وثانياً..
يجب ألا يشعر الولدين بما حدث لنا وخاصة أن اختباراتهم النهائية ستبدأ غداً ويجب
عليهم التركيز في دراستهم ،
***********************************
ضعفي
بين يديها أحدث جُرحاً عميقاً بداخلي وجعلني أتذكر كم من المرات استخدمت قوتي في
حل الخلاف بيننا ، ولكن حديثها الهادئ المتزن جعلني أفكر مالياً فيما تقول فبرغم
كل شيء هي مُحقة يجب أن نتعامل مع هذا الوضع على الأقل اليوم حتى نجد حلاً فاليوم هو أخر يوماً في الشهر ولن أستطيع التغيب
!
إماءة
من رأسي كانت كافية للإجابة عليها بالموافقة ، فليس لدي المقدرة للتحدث بصوتها فما
زلت أخجل اخراجه من داخل فمي ،
استدارت
نحوي وأمسكت بكلتا يدي وهي تنظر لعيني
قائلة :
-
لن يذهب الأولاد للمدرسة اليوم
فالساعة اقتربت من السابعة وحافلة المدرسة
تأتي في السابعة والنصف فلن نستطيع اللحاق بها ولهذا فاليوم هو إجازة لهم ،
وبحرج
شديد من جسدي وصوتي على السواء تساءلت :
-
ماذا علي أن أفعل في يوم إجازتهم ؟!
تركت
يدي وأمسكت بهاتفها تضغط عدة أزار ثم ناولتني إياه لتريني محادثة للمجموعة لا أعرف
من تخص حتى أوضحت لي الأمر قائلة :
-
هذه مجموعة فصل زياد هو يعود للبيت في
الواحدة بعد الظهر ستدخل المحادثة وتسأل أولياء الأمور عن فروضه اليوم سيبعثون لك
بالجواب تطابقه بكتبه وتساعده في حل واجباته ،
لم أستوعب
ما قالته ولكني لا أريد منها أن تعيده ثانية حتى لا تشمت بي، ففضلت الصمت ، أما هي
فقد خرجت من المجموعة لتريني أخرى قائلة بحماس لا أعلم مصدره :
-
وهذه المجموعة
الخاصة بزينة هي تعود للمنزل في الثانية عشر ونصف ستفعل ما قلته لك سابقاً في
مجموعة زياد.
ثم فتحت تطبيق الساعة وهي تشير
نحوه لتُكمل :
-
هذا المنبه
الخاص بدواء زينة في تمام الواحدة ، وهذا
المنبه الخاص بدرس زياد لـ اللغة الانجليزية ستأتي معلمته في تمام الثانية .
رفعت زاوية فمي بابتسامة هازئة وأنا أقول في عقلي ما
أسهل هذه المهام ، حتى تركت سندس الهاتف وأمسكت
بورقة وقلم لتكتب بصوت مرتفع :
-
انتبه لي
وسأكتب لك ما يجب عليك فعله من الأن وحتى عودتي للمنزل أولاً
: ستجهز مائدة الإفطار ريثما أرتدي ملابسي ولا تنسى قهوتي سادة ويجب أن تكون
ساخنة .
ثانياً : ستطعم أطفالي بيديك كما تراني أفعل لأن زياد لا
يجلس على كرسيه ثلاث ثوان متصلة وزينة مهووسة نظافة فلو جعلتها تحمل شطيرتها فستتركها
كل لحظة وتذهب لدورة المياه تغسل يدها ، بعدما تنتهي
من إطعامهم تستطيع أن تتناول أنت طعامك ،
ثالثاً
: سترفع المائدة وتضع الأطباق الفارغة في حوض المطبخ وتبدأ بغسلهم ثم ستنظف باقي
محتويات المطبخ من البوتاجاز و الثلاجة حتى الأرضية .
رابعاً
: ستنطلق لباقي الشقة من غرفة نومنا لغرفة اطفالنا وبعدها غرفة الضيوف والسفرة
مكان الإفطار ستنظف جميعها وترتب الفراش الخاص
بنا وبغرفة الأولاد ومن بعدها بالمكنسة الكهربائية في المنزل بأكمله ،
خامساً
: ستُخرج من الثلاجة ما ستحضره لنا اليوم على الغداء وتضعه في المطبخ ثم ستجلس مع
الأولاد في غرفتهم وتبدأ في مذاكرتهم،
زياد سيذاكر اللغة الانجليزية وستساعده في حل واجب المعلمة وحفظ الكلمات، وزينة ستذاكر معها الرياضيات لأنها ضعيفة في هذه
المادة وعندما تنتهى ستعود للمطبخ لتجهز الطعام ،
سادساً
: ستدخل كما أخبرتك على مجموعة زينة وتعرف منهم واجبات اليوم تعود إليها وتساعدها
في حل واجباتها ووقتها لن تكون انتهيت من تحضير الطعام ستنتهي منه لحين معاد عودة
زياد ستفعل ما فعلته مع زينة ولكن بشكل أسرع لان معلمة زياد تأتي في الثانية كما أخبرتك،
سابعاً
: ستصنع عصير فواكه للمعلمة وتقدمه لها أولا ثم ستصنع لها فنجاناً من القهوة بعد
العصير بنصف ساعة قهوتها سكر زيادة،
ولا
تترك زينة بمفردها في غرفتها لأنها ستقلبها رأساً على عقب وهي تبحث عن تنورة
عروستها "الباربي" التي كانت ترتديها منذ ثلاث سنوات ..
ثامناً
: فور ذهاب المعلمة ستنظف غرفة الضيوف من خلفها وتضع كتب زيد في مكتبته ثم تحضر
لهم الطعام وتطعمهم وجبة الغداء وبعدها تحضر عصير فواكه لزينه بعسل أبيض ولا تضع
سكر نهائيا وتصنع لزيد كوب شوكولاتة ساخن ثم تسخن الطعام مرة أخرى قبل وقت عودتي
بدقائق وتجهز لنا السفرة،
تركت
الدفتر والقلم وناولتني إياه وهي تقول لي بابتسامته شامته :
-
وحين عودتي سأخبرك بالباقي !
************************************
رفع
حاجبه بتحدي وكأنه يخبرني أنني أبالغ بالأمر بغاية الانتقام منه لا يعرف أنني حذفت كثيراً من أفعال أبنائه الجنونية وتركته
ليكتشفها بنفسه ، فتح الدفتر أمامي وبدأ
يفعل بالمثل معي وهو يقول :
-
أولاً .. هذا عنوان الشركة بالتفصيل وحين
تصلين لهناك استقلي المصعد للطابق الثالث توجهي لليمين نحو البهو الكبير ستجدين
مكتبي في الواجهة وبابه مغلق ، بجواري على اليسار مكتب العاملين لدي به ثلاث مكاتب
لثلاث موظفين الأستاذ شكري والأستاذة سهير والأستاذ عبد القادر أكبرهم سناً وهو
المسئول عن رواتب الموظفين ،
ثانياً..
ستدخلين لغرفة مكتبي مباشرة ولا تتحدثي مع أحد
، ستفتحين الحاسوب وتدخلين الرقم السري هذا ** ، وبعدها ستستدعين الأستاذ عبد القادر في الهاتف
الداخلي على رقم ** وتطلبين منه ملف
الموظفين للشهر الحالي سيأتي به الساعي ،
ستفتحين الملف وتدققين في الأسماء وبعدها ستدخلين الأسماء على الحاسوب وبجوارها
راتبهم الشهري الصافي بعد خصم الضرائب والتأمينات المدونة بجانب كل اسم وتأكدي من كل موظف قبل تدوين اسمه أن شهره خالي
من الخصومات وبعدما تنتهين ستدخلين هذا
الرقم في نهاية الملف وتقومي بإرساله للبنك
،
ثالثاً
: تطلبين من الأستاذة سهير ملف التوريدات والشيكات المستحقة من البنك والملف الخاص
بالعملاء ومديوناتهم ، ستراجعين هذه
الملفات بتركيز تام وأسألِ أستاذة سهير عن الامور التي يجوز تأجيلها من هذه
الملفات وإن كان هناك أمراً طارئ اتصلي بي على الهاتف وسأخبرك ماذا تفعلين ،
رابعاً
: وهنا يأتي دور الأستاذ شكري وهو المسؤول عن فواتير المياه والكهرباء الخاصة
بالشركة ، ستطلبينها منه وتقومي بمراجعتها جيداً مع الشهور السابقة وإن وجدت
المبلغ زائد ستقومين باستدعاء مهندس الصيانة الكهربائية الخاص بالشركة واسمه
المهندس علاء والمهندس ممدوح المسؤول عن قسم الصيانة الميكانيكية وتقومين بالتحقيق
معهم حتى تعرفين ما سبب ارتفاع قيمة استهلاك هذه الفواتير
، وبعدها
تدونين كل ما حدث اليوم في ملف خارجي وتحتفظي به في درج المكتب وهذا هو
المفتاح ،
أغلقت
فمي سريعاً وهو يناولني المفتاح الصغير ونظرت له بلامبالاة وكأن ما قاله أستطيع
فعله بسهولة ويسر!
تحركت
من أمامه أرتدي ملابسه بعدما أخترت بدلة سوداء برابطة عنق أرجوانية كانت آخر هدية
أهديها إياه في عيد مولده منذ ثلاث سنوات استمريت فترة أترجاه أن يرتديها ولكنه كان يأبي
معللاً :
-
هذه البدلة تحدد جسدي وتُظهر امتلاء
بطني بالإضافة أنني لا أحب رابطات العنق وخاصة
بهذا اللون النسائي ،
التفت
نحوه وأنا أخلع منامتي وأكتشف جسده الرجولي فوجدته فاغراً فاه وحين ابتسمت من رؤية
وجهه ضيق عينيه بحذر وكأنه يتوعدني بشيء ما ،
وزادت
نظراته تهديداً عندما بدأت في ارتداء بدلتي السوداء ورابطة العنق الأرجوانية التي
يكرهها ، وما زاد الأمر سوء أو كما يقولون " زاد الطين بله " هو وقوفي
أمام المرآة لأغير تصفيفة شعره التي يصففها مثل جده في القرن التاسع عشر ولم يكن
يستمع لي ولا يعيرني اهتماماً حين كنت أناشده منذ سنوات ليغير تصفيفة عبد الحليم
حافظ في فيلم الخطايا ، حاول أن يعترض
فتجاهلته و أكملت تأنقي حتى جعلت شكله كما كنت أتمنى ، وبصوت جهوري صحت به :
-
الفطار ولا تنسى قهوتي تحرك من أمامي متوجها خارج الغرفة وهو يصك
أسنانه بغيظ جعلني انفجر في الضحك عندما أدار
لي ظهره ،
خرجت من غرفتي نحو غرقة أطفالي كي ألقي عليهما نظرة خاطفة قبل أن أذهب و من المفترض أنهما
يجلسان في غرفة نومهما كما أمرتهم ولكنهم الأن ينقصهم حمل المراتب وقذفها من
النافذة فالغرفة حالياً كمن أطلق عليها قذيفة هاون ،
تسللت
للمطبخ فوجدته ينقلب رأساً على عقب وهو
يقف في منتصفه يدور حول نفسه يسب ويلعن
،
ابتسمت
وملامحي الشريرة تتراقص فرحاً وأنا أستدير نحو باب الشقة للخارج مرددة :
-
تلق وعدك بالهناء والشفاء يا زوجي
العزيز !
***************************
دخلت
المطبخ وجسدي سينفجر من الغضب ، هي تستغل
كل لحظة لتنتقم مني ، ذهبت إلى الثلاجة وأخرجت بضعة أغراض ووضعتها على طاولة
المطبخ ووقفت أمامها لا أعلم ماذا أفعل بها؟!
ولكنني لن أسمح لها أن تشمت
بي!
أخرجت
البيض واستمريت في البحث عن المقلاة لفترة لا بأس بها انتهت بخروج نصف الأواني من
مكانها ولم أستطع إعادتها فتركتها حتى انتهي ،
ثم أخرجت
الجُبن ووضعته في الأطباق وعندما كنت أبحث
عن القهوة وجدت صينية الطعام الكبيرة ملتصقه بالجدار، وضعتها على الطاولة ووضعت الاطباق فوقها ونسيت
أمر البيض تماما حتى اقتحمت انفي رائحة
شياط !
ركضت
نحو البوتاجاز ولم انتبه لسخونة يد المقلاة حتى احترقت اصابعي فتركتها من يدي لتقع
على الارض محدثة ضجة جاء على اثرها ولداي اللذان وقفا مشدوهان أمام باب المطبخ وابني
الكبير يسألني بذهول :
-
ماذا فعلتي بالمطبخ يا أمي؟!
صرخت
بهما ان يتركاني بحالي وأنا أضع يدي المحترقة تحت صنبور المياه ثم تذكرتها
وسألتهما بغيظ شديد :
-
أين هي أمكم ؟!
ثم
بدأت أتمتم بحنق وأنا أصك أسناني من حُرقة أصابعي :
-
أبنائي ركضوا حين سمعوا ما حدث وهي لم
تتحرك قيد انملة ولم تكلف نفسها عناء مساعدتي حتى او تتكرم و تخبرني عن مكان
الاغراض وماذا يجب علي أن أفعل!
سكت
حينما قالت ابنتي الذكية بتلقائية تامة لأخيها :
-
هي تسأل عن أمنا فمن هي هذه ؟!
تدارك
ابني الموقف وهو يضحك قائلاً :
-
أمي تقصد أبي ألا تسمعين منها هذا
الكلام يومياً لقد أصبحت الشكوى الرسمية لهذا البيت
أجابته
أخته بتعجب :
-
ولكنها لم تعد تتكلم هكذا منذ فترة
كبيرة ،
ثم
اقتربت متسائلة وعلامات التعجب لم تفارق وجهها
:
-
عندما سألتك يا أمي أخر مرة منذ شهور
لماذا تقفين صامتة هكذا دون تذمر ليست عادتك الصمت أنتِ في المطبخ أجبتني
" لقد مملت الحديث يا ابنتي "
وقفت للحظات لم استوعب بها ما قالته ابنتي ذات الستة
أعوام ! بالفعل كانت مشجرتنا اليومية
والدائمة بسبب عدم مساعدتي لها في المنزل ولكن كيف أساعدها فهي لا تعمل خارج
المنزل ونص نهارها تقضيه في النوم بينما انا أذهب للعمل يومياً وأعود مُتعباً أريد
الراحة والهدوء من ضجيج العمل ،
ولكني
توقفت قليلاً عند قولها أنها لم تعد تتحدث
منذ أشهر!
راجعت
الشهور السابقة بعقلي فوجدت أنها بالفعل بقيت صامتة! كفت عن التذمر من أجل جلوسي أمام التلفاز ولم
تعد تُحدثني بأمر مساعدة الأولاد في مذاكرتهم والأكثر من ذلك أنها توقفت تماماً عن
مطالبتي بالجلوس والتحدث معها !
بل
كانت تتركنا وتذهب للنوم بعد العشاء
وعندما كنت أريد قضاء بعض الوقت معها كانت تفعل ذلك في صمت تام وتعود
للنوم!
كيف
لاحظت ابنتي هذا الأمر وأنا لم ألاحظه؟!
حاولت
إلهائهم عن الأمر وأنا أحمل الصينية وأضعها على طاولة الطعام وأدعوهم للإفطار ريثما
أحضر بيضا أخر بدلا من المحترق وقفت زينة تتخصر
بغضب وهي تردد :
-
أنا لا أحب البيض المقلي ولا أكل من
هذا الجبن شيئاً أنا أريد شطيرة "سلطع برجر " مع الكاتشب،
طلبها
كان بالنسبة لي تعويذة لم أفهم أبداً ما
طلبته ! بينما ركض زياد نحو التلفاز يفتحه وهو يبحث عن قناة محدده قائلاً :
-
وأنا يا أمي أريد شطيرة جُبن وضعيها في
الشواية لتسيح الجبن وأريد معها "كورن فليكس " ولا تضعي اللبن سخناً كما
انك تعرفين جيداً اننا لا نحب البيض المقلي !
***************************
خرجت
من المبني وطلبت سيارة أجرة وتوجهت نحو العنوان المدون على الورقة ، نظرت للزجاج بجواري أراقب من خلفه المارين
وأنا أفكر مالياً فيما سأفعله في عمل زوجي
،
عيناي
اصطدمت بالمرآة الأمامية فتعجبت من جلستي المتراخية ، أجليت حنجرتي بصوت خشن ورفعت أكتافي وشددت
ظهري للخلف حتى تستقيم جلستي ،
تلاقت
عيناي بالسائق وأنا أختبر ملامحي الرجولية في أكثر من وضعية جادة وحازمة ، شعرت بالحرج من رؤيته لي وتنحنحت ثم استدرت
بوجهي للنافذة كما كنت أفعل سابقاً ، لحظات
ووقف السائق مشيراً للمبني بجواري :
-
تفضل يا أستاذ هذا هو العنوان
لثواني
لم أستوعب من يقصد بالأستاذ ولكن عند تكراراها للمرة الثانية اندفعت خارج السيارة بعدما
أعطيت له نقوده التي طلبها ،
دخلت
المبني بخطوات مهزوزة حاولت جعلها ثابتة قدر الإمكان فشعوري بالإخفاق لا يتركني وشأني
بل يزداد حجمه كلما اقتربت أكثر ،
بحثت عن المصعد بعيني فوجدت مجموعة من الناس تقف أمام
باب فضي فطنت أنه المصعد، خطوت نحوه دون النظر لأفراد الأمن الواقفين في مدخل
المبني ، سمعت كبيرهم ينادي :
-
يا
شاهين بيه يا أستاذ شاهين
استدرت نحوه بتعجب الرجل يتجاوز الخمسين عاماً
ماذا يفعل في أمن الشركة ! أكمل الرجل
بتردد :
-
ما بك
يا أستاذ شاهين دخلت هكذا دون سلام ولا كلام
!
راجعت ما قاله زوجي في عقلي فتأكدت أنه أخبرني أن
أذهب للمصعد دون التحدث مع أحد !
وقفت على استحياء أعتذر منه بهدوء دون ذكر اسمه
الذي لا أعرفه بالطبع :
-
أعتذر منك ولكني جئت اليوم متأخر فأردت الذهاب
للمكتب سريعاً ثم رسمت ابتسامة لطيفة لأكمل متجاهلة فمه المفتوح وعيناه الجاحظة
وكأنه يقف أمام شبح :
-
فكما
تعلم أن اليوم هو الأخير في الشهر وميعاد قبض الرواتب
أغلق الرجل فمه بصعوبة وهو يتسأل :
-
هل أنت
بخير ؟!
أجبته مازحاً وأنا أدير ظهري متوجهة للمصعد :
-
بخير
تماماً يا عجوز
ركبت المصعد مع بعض العاملين وتجنبت النظر نحوهم
وأنا ألقي السلام ، رفعت جانب عيني أسترق النظر لاثنتين من السيدات ينظرن نحوي
ويهمسن لبعضهن البعض تجاهلتهم وأنا أذم شفتي بتعجب حتى وصل المصعد للطابق الثالث
كما قال لي ،
خرجت من المصعد نحو مكتبي في الواجهة ، للحظة
نسيت تحولي ثانية وأنا أبحث عن المفتاح في حقيبة يدي ! خبط بكفي على جبهتي قائلة
بغيظ شديد :
-
كيف
نسيت حقيبتي !
وجدُتها تقف أمامي تضم حاجبيها بغرابة وتتقدم
نحوي بعنج جحظت عيناي له وهي تتحدث معي بميوعة :
-
ما بك
يا شاهين تقف غاضباً هكذا !
أجبتها بجدية بعدما اكتشفت غبائي عند ذكرها لأسمي
:
-
لا شيء
ثم تحركت إلى مكتبي وأنا أخرج المفتاح من
جيبي متجاهلة إياها وريثما فتحت باب
المكتب وجدتها خلفي تكاد تلتصق بظهري ،التفت نحوها بغضب وقبل أن أنفجر بها قالت لي
بتصنع واضح للغاية :
-
لماذا ارتديت
هذه البدلة ! ألم نتفق على ألا ترتديها ثانية أم أن زوجتك البلهاء أجبرتك اليوم
على ارتدائها !
لم أشعر بنفسي إلا وأنا أقبض على معصمها بعنف
شديد مرددة بحنق يكاد ينفجر بها :
-
لا
تذكري زوجتي بلسانك أيتها الحمقاء !
ارتبكت بحرج وهي تتأوه بصمت من قبضتي التي تكاد
تخلع معصمها ثم تمتمت باعتذار :
-
أعتذر
منك لـ لم أقصد
تركت يدها وأشرت لها لتخرج من مكتبي ثم خطوت نحو المقعد بغضب يكاد يفتك بي وأنا
أتساءل عن نوع العلاقة بينها وبين زوجي و التي من الواضح انها ليست علاقة عمل على
الاطلاق !
*******************************
بعدما مكثت في المطبخ ساعتين كاملتين لأصنع لزينة
شطيرة هامبورجر كما فهمت في النهاية ولزياد شطيرة جُبن ووضعتها في شواية الشطائر التي
لا أتذكر حقاً متى اشترتها زوجتي ومن أين ؟!
صنعت
فنجاً من القهوة وجلست أمسك رأسي من صداعي الذي بدأ بمداهمتي ولكني فزعت من صراخ
زينة فوقفت بذعر أنظر إليهما فوجت زياد يُمسك بشعرها وهي تصرخ وتغرز أظافرها بيده
ويصرخ هو الأخر!
ركضت نحوهم بغضب وصرخت بهم لأعرف ما سبب هذه
المعضلة ليتبين لي أن زياد جعل اخته تتذوق من شطيرته بينما زينة رفضت إعطائه قطعة
من شطيرتها لأنه لم يغسل يده جيداً وإن وضع فمه على شطيرتها ستقذف بها من النافذة
،
أوقفت شجارهم بعدما أخذت الشطيرتين وجلست أطعمهم
بيدي كما أخبرتني زوجتي ، وبعد مرور ساعة كاملة حمدت الله أن زياد أنهي نصف شطيرته
بينما أنهت زينة ربعها بعد محايلات دامت طوال الساعة وأنا أدور حولهما ، فاض كيلي وانطلقت
نحو المطبخ وأنا أسبهم وألعنهم ، جرس المنبه جعلني أنتبه للهاتف لأنظر به فوجدته
مدون باسم " دواء زينة " خرجت من المطبخ وهو على حالته منذ الصباح تعمُه
الفوضى ولا أستطيع الوقوف فيه بضعة دقائق ،
جلست على المقعد وناديتها عدة مرات حتى جاء بها
زياد وهو يجرها خلفه وهي تصرخ به ليتركها ، حاولت أن أهدئها قليلاً لتتناول دوائها ولكني لا أعرف مدى كرهها لهذا
الدواء مما جعلني أتساءل بشد ماذا تفعل سندس معها !
الفتاة تصرخ بشكل هستيري وتركض هنا وهناك وأنا
خلفها وبعد عدة مطاردات دخلت غرفتها وأغلقت خلفها الباب بالقفل الداخلي ،
بدأت أخرج عن شعوري وأنهارها وأستحلف لها ولا
حياة لمن تنادي كل ما تصرخ به في نوبة بكاء مستمرة :
-
لن
أخرج من غرفتي حتى تعود أمي !
تركتها كاظم الغيظ وناديت زياد ليأتيني بواجبه
للمادة الإنجليزية قبل أن تأتي معلمته ،
جاء الولد بهدوء وطاعة جعلتني ألتقط أنفاسي في
محاولة لإيقاف ضجيج رأسي ،
جلسنا على مقعدين أمام الطاولة وأخذت منه الملف
الذي أعطاني إياه ، شعرت بانقباض صدري عندما وجدت ورقتين بها أكثر من ثلاثون كلمة
للحفظ بينما هناك ثلاث ورقات ملتصقين ببعضهم بهم اختبارات وورقة خارجية بها قواعد
يجب عليه مذاكرتها !
سألته ببلاهة :
-
كل هذا
مطلوب منك اليوم أم هذا هو منهج الشهر كله ؟!
ضم الولد حاجبيه وهو يمعن النظر بوجهي قائلاً :
-
ما بك
يا أمي ؟!
أجبته وأنا أنظر للأوراق أمامي :
-
لا شيء
ثم بدأت بورقة القواعد وبعد مرور أول دقيقتين
أوقفني قائلاً :
-
أريد
الذهاب لدورة المياه .
أشرت له ليقوم ثم أمسكت بالهاتف لأرى واجبات زينة
في مجموعة فصلها حتى جاء زياد وجلس مرة أخرى ،
أكملت ما بدأته فأوقفني مرة أخرى بذعر :
-
أميييي
لم أصلي الظهر !
صككت أسناني بحنق وسمحت له بالذهاب للصلاة بينما
قمت أترجى زينة لتفتح لي كي تحل واجبتها المدرسية لليوم ولكنها أبت أن تفتح وأصرت
على موقفها ،
عدت لمقعدي وأنا أجذب خصلات شعري بيأس لقد أفقدني
هذان الطفلان صوابي ، جلس زياد وطلب مني أن أكمل ما بدأته وبهدوء ظاهري أكملت
الشرح سريعاً قبل أن يوقفني مرة أخرى حتى انتهيت ، ناولته أوراق الاختبار ليحلها
فأعادها لي بهدوء قائلاً :
-
أنا لا
أستطيع حلها بمفردي
حاولت أن أشرح له مدى أهمية أن يحل الاختبار
بمفرده لتتركز المعلومة في ذهنه ولكنه لم يبال
وأصر على قولها مرة أخرى :
-
أنتِ
تعرفين يا أمي أنني لا أحل الاختبارات بمفردي
-
ما
الجديد في الأمر ؟!
استسلمت لقدري وأن أرسم ابتسامة حمقاء يكاد وجهي
يتمزق على إثرها وبدأنا في السؤال الأول
وياليتنا ما بدأنا !
أعدت شرح القواعد كلها مرة أخرى وكأنني لم أقل شيء
منذ دقائق ومع كل سؤال أعيد الشرح مرة أخرى حتى بدأت بالصراخ في وجهه وللعجب أنه
لم يتحرك أو يغضب أو يبين أي ردة فعل وكأنه مستمتع برؤيتي أنهار أمامه من الغيظ ،
لم أنظر في الهاتف ولا الساعة حتى سمعت جرس باب
الشقة ، نهضت لأفتحه فوجدت معلمة زياد تقف أمامي تنظر لي بصدمة وهي جاحظة العينين
لا أعرف لم ؟!
***********************************************
أمسكت الورقة التي أعطاني إياها وأنا في قمة غضبي
أتوعده بأشد العقاب ، ولكني أولاً يجب أن أعرف مدى علاقته بهذه الأفعى الملتوية !
فتحت الحاسوب وأدخلت الرقم السري واتصلت على الهاتف الداخلي أطلب من الأستاذ عبد القادر
ملف أسماء الموظفين كما قال لي ،
وقبل أن يأتيني الساعي
رن هاتف زوجي برقم مدون باسم " سيد " قررت عدم الإجابة ولكنه أصر على الاتصال
مرة ثانية ، أصابني الفضول وراودتني الشكوك أن يكون هذا الرقم خاص بأحدهم ومُسجل باسم
رجل ،
أجبته قبل أن تنتهي
النغمة فوجدته صوت رجل بالفعل يقول
لي بهمس :
-
أين أنت يا شاهين لماذا لا تُجب سريعاَ ؟!
تنحنحت بحرج وتعللت
بمشغوليتي وأنني لم أكن بجوار الهاتف ، تعجب من أسلوبي معه في الحديث ولكنه مرر
الأمر قائلاَ :
-
علمت بما حدث ؟!
وقبل أن أجيبه أكمل
بحماس :
-
السيد ياسين استدعى صديقك اليوم ونهره أمام الجميع على
ما فعله بالأمس وأنا أتكهن أنه في غضون شهر أو أقل سيترك الشركة أو على الأرجح
سيرفده السيد ياسين ،
لم أفهم ما يرمي إليه
ولا أعرف من هو صديقي الذي من الواضح أنه عدوا لزوجي العزيز ، حاولت التملص منه
بحجة الرواتب وأغلقت الهاتف متجاهلة تعجبه فيبدو أن زوجي يأتي للعمل ليتحدث على
الهاتف في أخبار العاملين بالإضافة للعلاقات النسائية الخاصة !
استأذن الساعي للدخول
وأعطى لي الملف الذي طلبته من السيد عبد القادر ، ثم أذنت له بالذهاب بعدما طلبت
منه فنجاناً من القهوة ليعالج صداع رأسي ويجعلني أكثر تركيزاً ،
فتحت الملف بحماس اختفى
تماماً عندما نظرت نحو الأسماء وبجوارها أرقام لا أفهم منها شيئاً على
الإطلاق !
ألقيت نظرة على الملف
الموجود بالحاسوب على أمل أن الخانات المدونة في الملف الورقي يوجد مثلها في الملف
الإلكتروني ولكن صدمتي اكتملت عندما وجدت اختلاف كلي وجزئي بين الملفات كل ما
يتشابه بينهم هي خانة أسماء الموظفين ،
نظرت للورقة في يدي فلم
أجد منه شرحاً كافياً ولا أريد الاتصال به لأبين له عجزي بينما كنت أردد دائماً باستهزاء
:
-
أنا أستطيع بخنصري أن أقوم بعملك هذا الذي تصفه بالمرهق وجُل ما تفعله هو
الجلوس في مكتبك واللعب على الحاسوب بينما أنا أركض في المنزل طوال اليوم كحيوان
بري ،
طرق على باب المكتب
أخرجني من حيرتي ولم يكن الطارق سوى الساعي الذي يخبرني أن الزملاء ينتظرونني في
المكتب الكبير لتناول طعام الإفطار !
حاولت الاعتذار ولكني
عدت لأفكر في أنني أريد أن أعرف يومه بالتفصيل حتى أستطيع التصرف معه بعد ذلك ،
خرجت أتبع الساعي إلى
المكتب الكبير فوجدت بعضاً من الرجال وبعض من السيدات يضمون الطاولات على بعضها
البعض ويجلسون على مقاعد متقاربه ويضعون الطعام في المنتصف وبعضهم يحييني بابتسامة
مريبة بينما البعض الأخر بدأ بتناول الإفطار ،
أشار لي أستاذ عبد
القادر أن أجلس على المقعد بجواره فذهبت حيث أشار لي وبدأت في تناول الطعام في
محاولة لإلهاء نفسي عن محادثهم أو الاشتراك معهم في حوار لا أعرف عنه شيء بل رسمت
ابتسامة هادئة وأنا أهز راسي بالموافقة عندما يوجه أحدهم لي الحديث ،
توقفت عن الطعام حين
دخلت من باب المكتب تتجنب النظر نحوي فسمعت أحداهن تقول لها :
-
أين كنت يا سها لقد مللت من الاتصال بكِ !
أجابتها بحنق ظاهر :
-
كان عندي عمل بالخارج أنهيته وأتيت
جلست على مقعد بجوار صديقتها
ورفضت تناول الطعام وطلبت من الساعي فنجاناً من القهوة وأنا أفكر بأي طريقة أستطيع
بها معرفة علاقتها بزوجي ،
رنين الهاتف جعلني اتوقف
عن التفكير وحين نظرت للاسم وجدته رضا صديق زوجي المقرب ، الحقيقة أنني سعدت جداً باتصاله
فهو بئر أسرار زوجي العزيز وكأنه جاءني في وقته ، سأعرف منه مدى علاقة هذه السها
بزوجي وإلى أين وصلا معا !
أخذت الهاتف وخرجت
لمكتبي بعدما استأذنت منهم وفي طريقي أجبت رضا :
-
كيف حالك يا صديقي
-
بخير ، أنت كيف حالك ؟!
قالها بتوتر وكأنه ينظر
شيئاً ما ، جعلني أتساءل وما زلت أفكر كيف أفاتحه في موضوع هذه الفتاة دون أن يشك
بي ، دلفت لمكتبي قائلة :
-
خير ما سبب اتصالك الأن ؟!
زفر بضيق وهو يقول :
-
سها تحدثت معي منذ قليل
لقد جاءت لي كما كنت
أتمنى ، انتبهت لما يقوله وجلست على مقعدي أنصت بتركيز واهتمام بعدما قلت له :
-
وماذا بعد ؟!
-
لقد أخبرتني عن اهانتك لها اليوم وهي غاضبة للغاية وبعثت
لك رسالة من خلالي تقول لك فيها إذا لم تعد لها كما كنت سوف تخبر زوجتك بما كان
بينكما ،
شعرت بحرارة جسدي تعلوا وقلبي
يهدر بداخلي ورغم ذلك حاولت التماسك وأنا أسأله :
-
وما كان بيننا ؟!
تنهد رضا قائلاً :
-
أنا أعرف يا شاهين أنك لم تتجاوز معها أكثر من مجرد حديث
بعدما فعلتهُ معك ولكني حذرتك من هذه الفتاة فهي لعوب وتكاد تصنع أي شيء لكي تنول
غرضها منك ولو ذهبت لزوجتك فلن تصدق أنك برئ لأنك لا تعلم ما الذي ستفعله هذه
الحية وما الذي ستقوله لها ..
بدأت ألتقط أنفاسي بهدوء
قائلة له :
-
وما رأيك أنت ؟! اقترح علي ... ماذا افعل ؟!
أجابني :
-
كما قلت لك من قبل أخبر زوجتك بما حدث وأنا واثق أنها
ستسامحك وستنتهي وقتها من تهديد هذه الفتاة ..
أجبته :
-
حسناً ، قبل أن أعتذر منه لأنهي المكالمة بعدما جاءني
أستاذ عبد القادر ليستلم مني الملف الذي لم أنتهِ منه ولا اعرف حتى ماذا سأفعل به
!
***************************************
دخلت المعلمة على استحياء
وهي تسألني :
-
ما بك يا مدام سندس هل انتِ بخير ؟!
تعجبت من سؤالها وأجبتها
ببساطة :
-
ليس بي شيء ، تفضلي
ثم أدخلتها لغرفة الجلوس
ودخلت غرفة النوم لأرى وجهي بالمرأة فمنذ أن أصبحت في جسدها وأنا لم أنظر لوجهها
مرة أخرى ،
وقفت أمام المرآة بثقة
لأفزع بعدها من رؤية شعري الذي هو في حالة
يرثى لها ! بالإضافة لوجهي الشاحب وعيناي المرهقتان بوضوح ،
ذهبت لدورة المياه أغسل
وجهي وأبلل شعري بالماء ثم عدت ثانية للمرآة ، أمسكت بالفرشاة الموضوعة على الزجاج
ووضعتها على شعري وأنا أحاول تصفيفه ولكنها علقت في شعيراتي المتشابكة مما جعلني
أصرخ من الألم وأنا عاجز عن إخراجها من رأسي ،
وبعد محاولات عدة استغرقت
عشرة دقائق استطعت إخراج الفرشاة بعدما قصصت الشعر العالق بها بالمقص الصغير ،
ابتسمت بانتصار ولكني توقفت حين وجدت نصف شعر زوجتي في الفرشاة !
مؤكد ستقتلني حين تعود ،
جلست أفكر ماذا أفعل كي
أخفي جريمتي ولكني سمعت زينة تفتح غرفتها وتخرج منها ، ركضت إليها لأمسك بها
فوجدتها تريد دخول دورة المياه ،
تركتها تدخل وذهبت أيحث عن شيء يغطي رأسي حتى وجدت غطاء رأس
تسميه زوجتي " تربونه " وضعته سريعاً وعدت أنتظر زينة أمام دورة المياه
، حتى انتهت ثم أمسكت بها وكممت فمها حتى
لا تصرخ في وجود المعلمة ثم أخذتها لغرفتي لكي أعطيها الدواء رغماً عنها ،
وبالفعل انتصرت أخيراً
على هذه الشيطانة الصغيرة وأجلستها كي نحل واجبتها المدرسية لليوم بعدما أخذتها من
المجموعة الخاصة بفصلها ،
طلبت مني أن تأتي
بحقيبتها من غرفتها ولكنها لن تخدعني مرة أخرى ، فأنا أعرف أنها ستغلق الباب خلفها
كما فعلت سابقاً فذهبت معها لنأتي بحقيبتها و يا ليتني ما ذهبت لأرى ما فعلته في
الغرفة !
شهقت بصدمة وعلى الفور
تذكرت حديث سندس في الصباح
" لا تترك زينة بمفردها في غرفتها لأنها
ستقلبها رأساً على عقب وهي تبحث عن تنورة عروستها الباربي التي كانت ترتديها منذ
ثلاث سنوات "
نظرت في الساعة فوجدتها
تعدت الثانية والنصف وأنا لم أقدم للمعلمة اي شيء ولكني لو تركت ابنتي ستغلق الباب
وبدأت أردد ثانية :
-
بالله ماذا تفعل معهم سندس ؟!
جلست أمسك برأسي وقررت
أن لا أقوم من مكاني حتى تأتي أمهم فأنا لن أستطيع فعل شيء بعد الأن ،
المنزل بأكمله منقلباً
رأساً على عقب ولا أعرف بماذا أبدأ !
أجلست زينة بجواري وأنا أترجاها
لتكتب واجبها معي ولله الحمد أنها تحب كتابة الواجبات وليست مثل أخيها ،
انشغلت معها ونسيت أمر
المعلمة حتى أتى زياد يقول لي :
-
لقد ذهبت المعلمة يا أمي وأنتِ لم تقدمي لها أي شيء
أجابته بغضب :
-
لقد انشغلت مع أختك في فروضها أتركني الأن حتى أنتهي وخذ
هاتفي وأنقل فروضك من مجموعتك وقم بعملها ،
وبالفعل أطاعني وأخذ
الهاتف وذهب وبعد نصف ساعة انتهيت من واجبات زينة وقمت أخذ انفاسي وأجلي حنجرتي
التي أشعر بشرخ عميق بداخلها من كثرة تكرار الكلام والشرح ،
خرجت من غرفة ابنتي
وجسدي يدور بتعب ومعدتي تصرخ من الجوع فأنا لم أتناول أي طعام منذ الصباح ،
دلفت للمطبخ وحاربت وسط
الاغراض لأصنع شطيرة وفنجان قهوة ساخنه ، انتهيت وخرجت أجلس على المقعد وإذا بزينة
تصرخ وتركض نحوي وأخيها خلفها يتوعدها لتناولني الهاتف وهي تلهث قائلة :
-
زياد كان يلعب على هاتفك يا أمي ولم يكتب حرفاً من فروضه
المدرسية ،
شعوري بالصدمة كاد أن يصيبني
بذبحة صدرية وأنا أنظر للهاتف لأجده مفتوح على لعبة من ألعاب الفيديو !
*************************************
طلبت من أستاذ عبد
القادر أن يمهلني بعض الوقت والأن تعدت الثالثة
وأنا لم أفعل اي مهمة مما دونها لي شاهين ، لم أجد أمامي سوى ادعاء المرض
كي أهرب من هذه المهمات و بعد محاولات عدة لفعل ما أخبرني به ولكنني لم أستطيع فالأرقام
كثيرة ومتداخلة والخانات متشعبة ولا أفقه بها شيء ،
قررت اهاتفه وأخبره أنني
مريضة واريد العودة للمنزل فماذا علي أن أفعل كي أعود ؟!
أمسكت الهاتف وضغط رقمي
فوجدته يدون رقمي باسم " حبيبتي "
استوقفني الوصف للحظات
فأنا منذ زمن طويل لم أفتش في هاتفه ولم يخطر ببالي أن اعرف ما هو الاسم الذي
يسجلني به على هاتفه !
تركت الهاتف وأسندت ظهري
للخلف لأفكر في حياتي معه وكيف أصبحنا بهذا التباعد والجفاء وكل ما يربطنا ببعضنا
هم أطفالنا وكل منا يحمل الأخر أخطاء جمة واتهامات عدة ،
فهو دائماً يتهمني بالإهمال
في كل ما يتعلق به وأنا أتهمه بتجاهل كل ما يتعلق بي حتى أنه يتجاهل وجودي معه وفي
حياته ،
عدت من شرودي على رسالة
نصية من المسماة سها تقول له فيها ،
" أنا بالخارج في الكافتيريا
الخاصة بملحق الشركة قابلني هناك وإلا ستكون محادثتنا الوهمية عند زوجتك الليلة
"
وبهذه الرسالة تأكدت من
كلام صديقة المقرب فهذه الحرباء تلف عليه
وتبتذه لتقيم معه علاقة خاصة ومن الواضح أنه تقرب منها لفترة ثم تباعد عنها وهي لا
تسمح له بهذا التباعد ،
ضغطت زر الاتصال فأجابني
سريعاً وهو يلهث وكأنه كان يُمسك بالهاتف ، تعجبت من صوته ولهاثه فسألته عما به
فأجابني
بحنق شديد :
-
أولادك أصابوني بالجنون فلم أعد احتمل
رغماً عني أطلقت ضحكة
كتمتها بيدي كي لا يسمعها وهو في قمة غضبه ثم قلت له بوهن ظاهري :
-
وأنا أيضا أشعر بالتعب الشديد وأريد العودة للمنزل فماذا
أفعل ؟!
أخبرني أن أتحدث مع
أحدهم على الهاتف قال لي أسمه وأن أخبره أنني مريضة وأريد أن أخذ باقي اليوم إجازة
عرضية وقبل أن أغلق سألني :
-
فعلتي ما طلبته منكِ ؟!
ترددت أن أجيبه ولكنه
سيعرف في النهاية فقررت مصارحته :
-
لا لم أفعل شيء !
وللعجب وجدته متفهماً
على غير عادته وقال لي :
-
حسناً أخبري أستاذ عبد القادر أنك مريضه وأعط له الملف
وقولي له أنكِ لم تُنجزي أمر الرواتب واتركي له مفتاح المكتب وهو سيفعل وأنا سأفعل
الباقي حين أعود , ثم أبلغيه أنك في إجازة مفتوحة حتى تستقر حالتك وعودي للمنزل كي
ترتاحي قليلاً ،
شعرت بالامتنان من حديثه
معي وخاصة أنه لم يتهكم علي كعاده ، أغلقت الهاتف وفعلت ما قاله لي ، وبعد أن أخذت
الإجازة العرضية استدعيت أستاذ عبد القادر وتصنعت المرض الشديد بعدما جعلت شعري
مشعث وفككت رابطة عنقي وأزرار قميصي
العلويين ، وبالفعل اندهش الرجل من مظهري وأصابه الهلع عندما تحدثت معه وأنا الهث
وكاد أن يتصل بالإسعاف لولا أنني أوقفته وطلبت منه انجاز مهامي اليوم وأنا سأعود
للمنزل في إجازة مفتوحه ، جررت أقدامي أمامه والرجل يضرب كفاً بكف ويطمئنني انه
سيؤدي كل مهامي لهذا الأسبوع ولا أحمل هماً ،
تركت الشركة وذهبت للكافتيريا
فوجدتها تجلس تتوليني ظهرها ، تسللت لدورة المياه وعدلت من مظهري وذهبت أقف أمامها
بثقة تامة وأنا أناولها هاتفي وأقول لها بكل ثبات :
-
هذا هو رقم زوجتي ستحفظينه أم أدونه لكِ ؟!
ابتلعت ريقها بصعوبة
وتبدلت نظرتها القوية المتعالية لأخرى رقيقة وقد تجمعت الدموع بمقلتيها فلم أعيرها
اهتماماً وقد بدأت بثرثرة النساء :
-
لا تتركني يا شاهين أرجوك أنت لا تعرف كم أحبك .
أخرجت قلم وورقة ودونت
بها رقم هاتفي ووضعته على الطاولة لأوقفها عن الحديث التي بدأت به :
-
هذا هو الرقم دونته لكِ كي لا تنسيه ..
ثم التفت خارج المكان
وأنا واثقة أنها ستبعث برسالة فورية لهاتفي وزوجي العزيز مؤكد سيراها !
*********************************
بعدما أخبرتها ما تفعله
شعرت بالقلق الشديد عليها ، كيف ستعود للمنزل وهي متعبة هكذا ، فكرت بالاتصال بها
والذهاب إليها بسيارتي لأعود بها ولكني تذكرت الأولاد لن أستطيع تركهم بمفردهم بالإضافة
للمنزل الذي لا يوجد به شيئاً في مكانه سوى الخشب الثقيل ،
جلست أفكر ، أريد أن
أفعل شيئاً سريعاً ولكني لا أعرف من أين أبدأ او ماذا يجب علي فعله ؟! ناديت زياد
وطلبت منه أن يستدعي زوجة حارس العمارة ولحظي السعيد صعدت " سعاد "
وشهقت بصدمة حين رأت الشقة وما بها :
-
ما الذي حدث لشقتك يا مدام سندس ؟!
حاولت اختراع أمراً ما
ولكنه لم يفلح معها وهي تلوي لي شفتيها باستهزاء جعلني أترجاها بشدة أن تنظف
المنزل سريعاً ،
طلبت مني مال مبالغ فيه
، يبدو أنها تنتقم من زوجتي لأنها لم ترغب بمعاونتها من قبل وأكثر من مرة ترجاني
زوجها أن أطلب من زوجتي أن تجعلها تساعدها كي تحصل على المال ، ولكني لم أخبرها
بذلك من قبل ظناً مني أنها لا تفعل شيء يستحق المساعدة من زوجة الحارس !
ولكني مضطر الأن لدفع ما
طلبته حتى تنتهي قبل مجيء سندس فأمامها ساعة على الأكثر ، شمرت عن ساعديها وبدأت
بغرفة نومنا وفي عشر دقائق انتهت منها وطلبت مني الدخول إليها أنا وأولادي حتى
تنتهي من باقي الشقة ،
دلفنا للغرفة وجلسنا بها
بعدما هددتهم بالخروج منها او التحرك بداخلها ، جلس الأثنان بضجر يخبراني بأنهم
جوعى ، تذكرت الطعام وانني لم أتناوله قط اليوم وسندس عائدة ومتعبة وأنا وأولادي
سنموت جوعاً ، خطرت على بالي فكرة نفذتها في الحال ، فالحل هو أربع وجبات سريعة
ستفي بالغرض ،
أمسكت بالهاتف وطلبت
الطعام وحين سمعني أولادي بدأوا بالحديث عما يشتهونه ورغماً عني لبيت كل ما طلبوه
ولكني توقفت قليلاً فانا لا أعرف تحديداً ما ترغب به سندس ، ولذلك طلبت لي ولها
طلبين متماثلين وبعدما انتهيت وجدت رسالة نصية من رقم غير مسجل مكتوب بها "
زوجك على علاقة حميمية بزميلة له في العمل اسمها سها وإن لم تصدقي الأمر فأنظري
للقطات الشاشة التي بعثتها لك على موقع " الواتس "
شعرت بالغضب الشديد من
هذه الحمقاء وفتحت الواتس الخاص بزوجتي فوجدت صوراً تحوي محادثات بيني وبينها لا
أعلم عنها شيئاً وكلها تتحدث عن علاقة بيني وبينها وحديث عن اني سأطلق زوجتي
وأتزوجها وأنني أحبها بشدة وأشياء من هذا القبيل ،
كدت أن أفقد صوابي مما
رأيت وقررت أن أحذف هذه الرسائل لأني أعرف سندس جيداً لو أقسمت لها أن هذا لم يحدث
لن تصدقني ،
سمعت سعاد تناديني فتركت
الهاتف وأنا أسشيط غضباً وذهبت إليها فوجدتها شارفت على الانتهاء ولم يتبق سوى
المطبخ وأرادت أن تريني ما فعلت ،
شكرتها وشجعتها أن تنتهي
من المطبخ سريعاً وحين عدت للغرفة وجدت الهاتف يرن تلقيت الاتصال فوجدته رجل توصيل
الطعام يسألني في أي عمارة أسكن ،
وقفت في الشرفة انتظره
حتى اتى واستلمت منه الطعام ودفعت إليه أمواله وقبل أن يذهب وصلت سندس ووقفت تنظر
لي بتعجب ،
دلفت للداخل وأنا خلفها
، وضعت الطعام على المائدة وسرت خلفها لغرفة النوم ، طلبت من الأولاد الذهاب
لغرفتهم كي تبدل ثيابها وقد بدا عليها التعب ،
ساعدتها في خلع ملابسها
وأنا أشعر بالقلق الشديد عليها ، بعدما انتهت تمددت على الفراش وجلست بجوارها
أحاول الاطمئنان عليها ولكنها لم تجيبني والتفتت تواجهني ثم سألت على هاتفها ،
تذكرت أنني لم احذف
الرسائل فارتبكت قليلاً حتى صدمتني بالقول :
-
هل بعثت لي سها الرسائل ؟!
ولم يخطر ببالي سوى سؤال
واحد :
-
ماذا فعلت اليوم ؟!
أجابتني بهدوء على غير
عادتها :
-
غضبت حين رأتني بهذه البدلة وقالت لي " لماذا
ارتديت هذه البدلة ، ألم نتفق على ألا
ترتديها ثانية أم أن زوجتك البلهاء أجبرتك اليوم على ارتدائها !
*********************************************
وجهه تلون بمئة لون وهو
ينظر نحوي في ذهول لا يعلم تحديدا بم يجيب ، لقد وضعته بين المطرقة
والسندان واجهته بخطئه دفعة واحده وقد
كانت فرصة لي كي أخرج عليه كل غضبي ولكنني لم أفعل !
صمت طويل بيننا وانا
أنظر نحوه نظره عتاب بينما تحتضن نظراته الأرض وهو يحاول قطع صمته هذا بكلمات تنفي
عنه تهمة الخيانة لكنني قاطعته حينها :
-
لا داعي للحديث شاهين فلقد علمت الأمر كاملا على حقيقته
، حاول مقاطعتي وهي يحرك رأسه نافيا ونظراته تائهة :
-
لا صدقيني الأمر ليس كما تعتقدين بلـ .....
لم أدعه يكمل ووضعت يدي
فوق شفتيه لأكمل ما بدأت :
-
قلت لك بأنني على علم بالحقيقة كلها ، لقد قام صديقك رضا
بمحادثتي هاتفيا اليوم وبطريقة ما علمت الأمر كله كما أنني واجهت تلك الحمقاء وأنا
من طلبت منها إرسال الرسائل لهاتفتي بعدما هددتني بذلك ، وهذا لا ينفي أنه خطأك
منذ البداية زوجي العزيز !
رفع رأسه لي وكأنه عثر على ضالته فقد وجد حجة
صالحة ليبرر بها خطئه بحقي :
-
أعلم أنني أخطأت ولكنه خطؤك أيضا سندس لقد أهملتني كليا ،
حتى علاقتنا الحميمية فقد أصبحت روتينية بلا أي عاطفة !
حاولت
مقاطعته وقد بدأ الغضب يعتلي ملامحي ولكنه أوقفني
بإشارة من يده :
خطئنا معا سندس أعلم ذلك لا داعي للحديث ، لقد
علمت كم تعانين فقط اليوم أدركت كليا كم تتحملين وحدك بهذا البيت ، بل وتعجبت
لآلاف المرات كيف تفعلين كل هذا في هذا الوقت الضيق ، أعترف بأنني لم أستطع أن
أتحمل دورك بهذا البيت ليوم واحد ، كما أعدك بأنني لن أجعلك تتحملينه وحدك بعد
الآن ..
دمعات هاربه تساقطت رغما عني وانا ابتسم له
وأخبره :
-
- وأنا
أيضا فشلت بجداره في أخذ مكانك ليوم واحد
ثم انفجر كلانا من الضحك ونحن ننظر لهيئة بعضنا
البعض فنزداد ضحكا ولكنني توقفت عن الضحك فجأة وأنا أصرخ بصوتي الجهوري :
-
ما هذا
! يا إلهي ماذا فعلت بشعري ؟!
توقف شاهين عن الضحك هو والآخر وهو يتنحنح بحرج :
ِ
أعتذر منك حبيبتي لقد كنت أحاول تصفيفه فقط ولكن اااييـ
قاطعته بصراخ وأنا أكاد أبكي :
ولكن ماذا ! لقد ضاع شعري الحبيب ! ااااااه يا شعري !
احتضنني بين ذراعيه والغريب أنني شعرت به هو
بشاهين زوجي بدفء روحه التي لم أشعر بها منذ فترة طويله شعرت بحرارة احتضانه لي برغم
اختلاط جسدينا وقد أخذ يعدني بأنه سيعطيني المال كي أهتم بنفسي وأعالج ما تبقى من
شعري المهدور !
*******************************************
انتفضت من الفراش فزعة وأنا أفرك رأسي وأحاول فتح
عيني وقد أخذت أتحسس جسدي في هلع لأجدني
كما أنا لم يتغير شيء بي !
-
يا
إلهي لقد كان حلم ! أخذت أتمتم بتلك الجملة بينما لم أنتبه لزوجي الذي كان مستيقظا
بجانبي فزعا وقد فرغ فاهه دهشة وهو يطالعني
ابتلع ريقه بصعوبة وهو يحاول اخراج صوته :
هل رأيتِ نفس الحلم سندس ؟
نظرت له بدهشة وقد تلاقت أفكارنا حينها ، لقد
شاهدنا الحلم نفسه ، والأهم أنه كان حلما فكلانا كما هو لم يتغير شيء نحن على
طبيعتنا والحمد لله نعم الحمد لله الذي خلق كل منا بطبيعته التي تجعله يتحمل ما
كلف به فبالنهاية كل ميسر لم خلق له ، لقد أدرك كلانا تلك الحقيقة تماما بعد هذا
الحلم وربما تلك الرسالة !
بعد صمت طويل بيننا ونحن نحاول تجاوز الحلم
والهبوط على أرض الواقع جذبت سندس لأجعلها تستقر بين ذراعي وأنا أهمس لها وأقبل
رأسها :
سأفي بكل ما قد وعدتك بالحلم سندس أعدك بأنني
سأفي بكل حرف قلته.
أما هي فقد همست لي وهي تشدد من احتضاني قائلة :
وأنا أيضا زوجي الحبيب ..
انتهت بحمد الله.....
