وصف المدون

إعلان الرئيسية

أحدث الروايات


 645

تستكين بزاوية الغرفة وتسرح بخيالها بعيدًا، يا الله كم يؤلمها تذكر ما مضي، تسعل كثيرًا فغبار الماضي ملأ رئتيها، تنتبه على صوت الممرضة وقد أتت بدوائها وتخبرها أن أولى جلسات علاجها بعد ساعة واحدة فتبكي.


تجلس ( 645 ) أو هكذا كانوا يسمونها في زاوية الغرفة الباهتة، تتأمل السقف والجدران وسرب نمل قد نال كسرة خبز جافة فرفعها على أكتافه محتفلًا بها، تتأمل الغرفة مرة أخرى، آثار دم وقيود، وسرير حديدي نهشه الصدأ، ولا يوجد بالغرفة غير بعض الضوء يتسلل خلف القضبان الحديدية العالية، فتحاول الوصول إليها متشبثة بالحائط كالعنكبوت لكنها سرعان ما تسقط، فيدها واهنة قد برزت عروقها وقست عظامها فصارت كحد السيف، تستسلم برهة وتعيد الكرة محاولة تحريك سريرها علها تقف عليه وترى الضوء الخارجي ولو مرة واحدة، لكن أرجل السرير المثبتة بالأرض ترفض مساعدتها.
تستكين بزاوية الغرفة وتسرح بخيالها بعيدًا، يا الله كم يؤلمها تذكر ما مضي، تسعل كثيرًا فغبار الماضي ملأ رئتيها، تنتبه على صوت الممرضة وقد أتت بدوائها وتخبرها أن أولى جلسات علاجها بعد ساعة واحدة فتبكي.
يمر الوقت سريعاً ويأتي الممرضون لاقتيادها لجلسة علاجها، وبمجرد خروجها من الغرفة تجد نفسها في ممر مظلم وتري باقي الغرف كالزنازين تنطلق منها أصوات مرعبة تأبي أذنها أن تتجاهلها، ينتفض جسدها كله، حتي تصل لغرفة العلاج فتجد أجهزة غريبة الهيئة، تتساءل كثيراً عن ماهيتها بلا جواب، تحاول العودة للوراء فيمسك بها طاقم التمريض راغمًا إياها على النوم على السرير العفن، ويقيدونها بأغلال حديدية. 
يستمر صراخها كثيراً، فيقترب منها أحد الأطباء متعاطفاً معها، محاولاً تهدئتها، تحتضنه بعينها وكأنه قشة نجاتها، سائلة إياه عن ماهية ما يحدث، فيخبرها أن العلاج هنا في تلك المصحة يعتمد علي سحب الذاكرة ومحوها،  يصيبها الذهول وتصرخ بشدة: لا لا لا أريد محوها، أنا فقط أستاء منها، و لا أريد محوها.
تستحلف الطبيب بكل شيئ ألا يدع الباقين يفعلوا بها ذلك، فيناقشهم دون جدوى، فيعلم أن لا طائل من مناقشتهم ولا يتمالك نفسه فيبكي ويخرج خارج الغرفة مراقباً ما يحدث خلف الشاشة الزجاجية.
يتذكر تلك الطفلة، ذات الرائحة العطرة، عيناها، ضحكتها وعفويتها، وصفاء قلبها المنير، يتذكر كيف كانت له كل شيئ حتى رحل عن البلدة صغيرًا، يبكي بحرقة وينظر لها مرة أخرى مكبلة صارخة باكية على سرير حديدي، يحاول إنقاذها في اللحظة الأخيرة صارخاً لكن الأوان قد فات لذلك، فقد بدأ عمل الأجهزة وسحب الذاكرة . 
تبكي بشدة ويبكي هو الآخر، لكن شيئاً ما يحدث، فبدلاً من سحب الذاكرة وحرقها تبدأ الذاكرة بالتجسد في الغرفة وسط ذهول الجميع، وكلما ارتعد جسد الحسناء النائمة كلما تجسدت الذاكرة أكثر فيحاول الأطباء إيقاف الأجهزة، لكن عطلاً ما بها منعهم من ذلك وتستمر الذاكرة في التجسد حتى تملأ الغرفة والطرقات والمستشفى بالكامل بل تخرج للشوارع المحيطة محدثة فزعًا وضجة عارمة فيراها الجميع.
تهدأ الأجهزة ويجف بكاء الحسناء، فينزعون عنها قيودها، تتساءل: من أنا ومن أنتم، و ما هذه الأشياء الرائعة التي تملأ الغرفة؟! تفتح الباب فتجد تجسيدات الذاكرة تملأ كل شيئ لكنها لا تميزها، يبكي الطبيب فتقترب منه بعفوية فيشرح لها كل شيئ، فيصبح عذابها عذابين وعلاجها مرضين، إنها لا تري نفسها من الداخل، وتري كل ذاكرتها بحلوها ومرها قد تجسدت بشكل مادي أمامها لا يقدر أحد على تغطيته برهة ولا يقدر علي نزع قساوته لا حب ولا ضحك ولا حياة .
ويسدل الستار على الحسناء جالسة أمام ذاكرتها، تصعق قلبها بنبضات من نور عله ينبض مرة أخري، وتستعين بجيوش من النمل والفراشات لغزو الذاكرة المجسدة أمامها، ينظر لها الطبيب في حسرة وقد كُتب علي ظهر قميصها رقم (1) فهي أولي مرضى المستشفى النفسي الجديد الذي أسسه.

تمت بحمد الله 

التصنيفات:
تعديل المشاركة
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

Back to top button