لعنة القصر
عليكَ دائمًا أن تكون على استعدادٍ للمغامرة، فمع كُلِ بداية ليومٍ جديد تبدأ مغامرةٌ جديدة لا علم لكَ عنها، اربط أحزمة الأمان ومن ثم اصعد للمواجهة ولمواكبة تيارات المغامرين أمثالك، هيا ماذا تنتظر؟
عليكَ دائمًا أن تكون على استعدادٍ للمغامرة، فمع كُلِ بداية ليومٍ جديد تبدأ مغامرةٌ جديدة لا علم لكَ عنها، اربط أحزمة الأمان ومن ثم اصعد للمواجهة ولمواكبة تيارات المغامرين أمثالك، هيا ماذا تنتظر؟
"في كُل مرةٍ تقرر فيها النجاة من فرط تفكيرك، تجد أشياءً تذكرك بها، بل تجعلك تفكر أكثر مما كنت تفكر وأكثر مما ينبغي".
في الخامسة صباحًا بتوقيت القاهرة، في يوم الثلاثاء المشؤوم الموافق الخامس عشر من كانون الأول لعام ألف تسعمائة وثمانين، وُلِدَ لُؤي عبد المنعم، طفلٌ بائس منذ يوم مولده، وُلدَ ليجد أنه مصابٌ بمتلازمة الموهوب، ولكنه استخدمها بطريقةٍ خاطئة، فكان يسعى وراء الجن وما شابه، لا أعلم ماذا يسمونه ولكن أظن أنه شيء تابع لمجال الرُعب، فعندما كان يبلغ الخمس سنوات، كان قد تعلم القراءة وبدأ في قراءة كتب اللا ماورئيات، في حين أن بقية من هم في عمره لم يتعلموا التهجية حتى، بل كانوا يلعبون في الرمال ويخربون الأشياء، يعتبره البعض نبغة من نبغات التاريخ، لأنه رغم صغر سنة قد حقق الكثير من الإنجازات الصغيرة، ففي عمر الثامنة عشر من عمره كان قد قرأ ثلاثمائة كتاب يتحدث عن العالم السُفلي والجن وغيرهم من الأشياء، لم يكن يخاف كبقية الأطفال، حتى تسبب في ضررٍ لعائلته بأكملها، وفي يوم الأحد الموافق الأول من آذار، لعام ألف وتسعمائة ثمانية وتسعون ، قرر لؤي خوض تجربةٍ لا رجوع منها، ففي الليل ذهب إلى قصر البارون، استطاع الدخول بمعداته وهو يتسحب بهدوء، بعدما وصل لداخل القصر بصعوبة وصل لأمام الغرفة التي أراد الدخول إليها، الغرفة المغلقة ذات القفل المتين، يكتب عليها باللون الأحمر"ممنوع العبور، لكي لا تؤذي نفسك، ومن معك" لم يهتم وبدأ بفتحها بهدوء تام، وبعد عدة محاولات، نجح في فتحها، ومن هنا تبدأ المغامرة.
فتح الباب ليجد المكان من حوله ممتلءٌ بالغبار، جملٌ تكتب على الأرض، وأوراقٌ مبعثرة كاد عمرها الإفتراضي أن ينتهي، قام بإلتقاط الأوراق وأزاح الغبار عنها ليجد عليها كلماتٍ غير مفهومة، بلغةٍ هو لا يفهمها، بدأ في القراءة بصوتٍ عالٍ:"بحق مالكابا محرز وبحق الملوك السبع، تحل عليك لعنة القبر، العجل العجل، الوحا الوحا، الساعة الساعة".
بدأ المكان بالاهتزاز الشديد، كل شيء من حوله أصبح مظلم بعد انطفاء المصباح الذي يحمله بيده، قام بإعادة تشغيله وهو لا يبالي بكل ما يحدث، ليجد جملًا كتبت بالدم على الحائط:"أنتَ الآن حلت عليك اللعنة، كل من هو منك سيموت، وفي الآخير أنتَ" غادر المكان مسرعًا وعاد إلى منزله، وعند دخوله من الباب رأى كل جدران المنزل تكتب عليها نفس الجملة التي كتبت في هذا القصر، "أنتَ الآن حلت عليك اللعنة، كل من هو منك سيموت، وفي الآخير أنتَ"، ارتعب مما كُتبَ، فنادى على أخته وقال لها: هل يوجد شيء هنا على الحائط؟
قالت له: نعم يوجد هناك شيء
اطمئن قليلًا أنه ليس هو الوحيد الذي يرى هذا، فقال لها: ما الذي يُكتب؟
قالت باستنكار: لا يوجد شيء مكتوب، يوجد فقط الأنتيكات التي وضعتها أمي اليوم، لاحظتها أليس كذلك؟
ارتبك كثيرًا ثم قال لها: بالطبع، كم هي جميلة
تركها وذهب للفراش وأراح جسده قليلًا، لا يعلم عواقب ما فعل ولا يعلم أنه قد لُعن، فقط يعلم أنه لا يريد رؤية هذا الكلام مرة آخرى، شرد قليلًا فيما يريد أن يكون عندما يكبر أكثر بقليل، شابٌ ذكي جدًا ماذا سيصبح؟ بالتأكيد سيصبح عالمًا كبيرًا، وحينها فقط سيأخذ أخته لأنها أغلى ما يملك ويذهب بعيدًا عن ذاك المنزل، أفاق من شروده بعد عدة دقائق على نور الغرفة يفتح ويغلق دون لمس أحدٍ له، الأبواب تغلق وتفتح أيضًا ماذا يحدث؟ خرج مسرعًا من الغرفة ليجد أخته تبكي وتقول له والدتك مريضة للغاية، ارتفعت نسبة السُكر لديها، ودخلت في غيبوبة سُكرية، طلبنا الإسعاف وناديتك كثيرًا لكنك لم تجب، هيا ..لأنه قارب على الوصول
!ذهب وهو لا يفهم ماذا يحدث، ما هذا اليوم العجيب
فقبل أن يخرج من الغرفة تلقى اتصالًا من أحدهم قال له أن أخوه قد اصطدم بسيارة وهو في المشفى الآن، وكان يخرج مسرعًا ليذهب له، ولكنه تفاجأ بمرض والدته، وصلت الإسعاف وأخذتها للمشفى وذهبوا كل منهم معها، بعد كثيرٍ من التوتر الذي حل على الجميع خرج الطبيب مطأطأً رأسه يعلن خبر وفاتها، كيف؟ ما هذه السرعة في تنفيذ ما رأى على الجدار؟ حالة هلع أصابت الجميع فالجميع يبكي، والجميع لا يعلم ماذا حدث وكيف حدث؟
الآن لؤي في صدمةٍ لا يستطيع الخروج منها، رن هاتفه وهو يبكي ليجد الرقم نفسه الذي اتصل ليخبره أن أخيه قد تعرض لحادث، فتح الهاتف وليقول له هذا الشخص أن حالته أخيه تصير أسوء، وأخبره عن العنوان وأغلق الهاتف، ذهب لؤي وأخبر والده أن أخيه في حالة يُثرى لها، فأخبره والده أن يأخذ ريم ويذهب إليه ليراه، وهو سيستلم جثمان والدته ، الوضع ليس على ما يرام، والكل حزين وبائس، أن يحدث شيء سيء لم يكن في الحسبان يكون الأمر أكثر تعقيدًا وحزنًا، ذهب لؤي للمشفى التي معه بالعنوان ليجد الطبيب أمامه يسأله عن حالة عُدي، فيقول له أن الوضع صار صعبًا وأنه قد فقد الكثير من الدم، وأن يدعوا له..ذهب لؤي وريم ليجلسوا وصار الإثنين يبكيان، غفيا في مكانها حتى الصباح، والذي كان يحمل بين طياته خبرًا ليسا مستعدين لسماعه حتى، عُدي انتقل إلى رحمة الله، وقعت ريم مغشيًا عليها فإثنين من أفراد عائلتها ماتا في يومين متتاليين، الأمر صار أصعب بكثير، وفي جانبٍ آخر كان والدهما يبكي من حسرته على زوجته وعلى طفله الصغير عُدي، تجمعت أفراد الأسرة وحضروا لمراسم الدفن وتشيع جثمان عُدي ووالدتهم، وبعدما دفنوا وصاروا تحت التراب..عادوا إلى المنزل وهم يحملون خيبات الأمل والحزن بين كفوفهم، فتحت ريم باب المنزل وبدأت بالبُكاء الشديد لأنها ولأول مرة ستدخل المنزل دون إثنين من أفراد العائلة ، تركهم لؤي وذهب لغرفته، فتح الباب وهو يسارع الوقت لكي ينام نومًا عميق، نظر على الحائط ليجد مكتوبًا عليها:”هذه هي البداية، والدك هو القربان التالي” ارتعب ورمى نفسه على الفراش وحاول النوم ولكن يحدث أشياء غريبة حوله، فُتحت النافذة بمفردها وصارت تصدر صوتًا مزعجًا، أزعجه كثيرًا حتى وضع الوشادة على رأسه وأمسك بهاتفه وفتح موقع البحث وكتب عن ما يحدث له فظهرت له النتائج وكانت أنه أصيب بلعنة هو وعائلته، وحلها الوحيد هو أن يذهب لكاهن ليخلصه من كل هذا، قفز من الفراش وارتدى ملابسه وخرج من المنزل مسرعًا يبحث عن الكاهن ، وبعد مدة تجاوزت الساعة ونصف من البحث المتواصل، أخيرًا وصل للكاهن، يسكن في مكان رديء جدًا لا يحبذ دخوله أحد، فبالرغم من أنه كان يتمنى في الصِغر مقابلة كاهن، إلا أنه الآن يكره هذا المكان ويكره كل ما يتعلق بهذا الشيء، طرق الباب فوجده مفتوح، دفعه ببطء ودخلت، ليجد شخصًا كبيرًا في العمر يجلس ويمسك بعصى ويقول له: أجلس، أعلم لِمَ أتيت إلى هنا، و يمكنني مساعدتك.
لؤي بتوتر: ومن قال لكَ؟
الكاهن: أسيادنا.
لا تكثر بالحديث، أصبت بلعنة لأنك قرأت تعويزةً في قصر البارون من كثرة فضولك، أذلك صحيح؟
لؤي بتوترٍ زاد الضعف: صص..صحيح.
الكاهن: والدتك وأخوك ماتوا وأنتَ الآن تريد إنقاذ أختك، لأن والدك الآن في تعداد الموتى أيضًا، لنختصر الحديث..ستجلب لي قربانًا وهو عبارة عن جثمان والدتك، ستفتح المقابر وتحضرها لي، ومن ثم سأزيل اللعنة عنك.
لؤي برفضٍ شديد: لا لن أفعل هذا بالطبع!
الكاهن: حسنًا كما تحب، اذهب من هنا لا أستطيع مساعدتك.
ذهب لؤي مسرعًا لأنه قد أخبره أن والده قد مات، وصل للبيت في غصون نصف ساعة ، ليجد ريم في حالة انهيار عصبي، والطبيب بجانبها يقول أنها دخلت في صدمة عصبية، لأنها وجدت والدها مات منتحرًا في غرفته وكتب جملةً واحدة وهي”لا استطيع التعايش مع هذا الوضع بدون والدتكم، وداعًا”.
ذهب لؤي إلى غرفته دون وعي، دون أن يستمع لأي شخص يحادثه، حتى أنه لم يحضر مراسم الدفن لوالده، ضم قدميه إلى صدره وطأطأ رأسه، وقال: أنا السبب في كل هذا، أنا من جعلتهم يعانون..أنا السبب.
أمسك بالورقة والقلم وبدأ في الكتابة، ومن ثم طوى الورقة ووضعها على المنضدة وقام بالوقوف والتقط السكين الحاد، وقطع شريان يديه دون شعور، الدم في كل مكان، والحزن احتل المنزل، وصارت ريم في مشفى الأمراض النفسية بعدما رأت لؤي منتحرًا وترك ورقة كتب بها"مرحبًا ريم..
أختي الصغيرة والتي أحبها دائمًا وأبدًا، كم وددت لو أن كُنت شخصًا طبيعيًا ولا أبحث في المجال التي كنت أبحث فيه، وددت إخبارك أنه بسبب فضولي تسببت في موت أفراد العائلة، وأنتِ من سيكون عليك الدور، لم أتحمل أن أكون موجودًا وأنتِ تموتين، فلا تحزني مني، ولا تحزني عليّ..كنتِ ونعم الأخت لي، أراكِ عما قريب.
أخوك: لُؤي".
-أسماء، فيما شردتِ؟
=فيما تقصيه عليّ، كيف تحملتِ كل هذه الأحداث بمفردك يا ريم؟
-لا أعلم، ولكن ها أنا اليوم سأخرج من هذه المشفى وسآتي لزيارتك دائمًا، و سأكمل حياتي.
=لحظةً واحدة..كانت اللعنة تقول أن كل أفراد العائلة ستموت، كيف ظللت على قيد الحياة؟
ريم وهي تضحك- اللعنة تحل على كل من يكون من نفس دمهم، لكن أنا ابنة متبناه من ملجأ، لست شقيقته بالدم، فلم أمُتْ، ها أنتِ علمتِ قصتي التي كنت طوال تلك السنوات تصرين على معرفتها، وأنا الآن سأرحل.
=سأفتقدك كثيرًا، وداعًا.
-وأنا أيضًا، وداعًا.
يُقال أن بعدما رحلت ريم، دخلت الممرضة لغرفتها لتجدها كتبت على الحائط بالدماء:"إن لم تكن مستعدًا للمغامرة، لا تغامر، وإن كانت تلك المغامرة مقابلها أرواح عائلتك، فإياكَ أن تفعل، أترك حزام الآمان بمكانه، وأهبط ولا تواجه التيار..ومن الأفضل أن لا تعبث معهم".
تمت بحمد الله
