هكذا كانت
تسمعهم شريهان لكن لا ترد، تكره شريهان الدخول في أي نقاش، ترى أنها ليست ملزمة لهم بأي تبرير، ولكن رغم ذلك، كادت أن تبكي على حالها، تكره أنها وصلت إلى حالة ميؤوس منها رغم صِغر سنها، لتتوقف عن كل ذلك وتبدأ بأكثر شيء تجد فيه نفسها، الرسم.
1-يونيو - 2011 الواحدة بعد منتصف الليل.
ككل ليلة، تمكث "شيرهان" الطفلة ذات العشر سنوات في غرفتها، وسط ألواانها ولوحاتها الصغيرة، لا تفعل شيء سوى رسم أشكال عشوائية.
أثناء انغماسها في الرسم، تصرخ أمها لتخبرها بأسوأ خبر على الإطلاق
=شريهان، تعالي إلى هنا بسرعة، والدك يحتضر…
لتركض الفتاة مُسرعة نحو غرفة أبيها، لتجده مُستلقي على الفراش، ويلفظ أنفاسه الأخيرة قائلًا: شريهان، اعلمي جيدًا أن أباكِ يحبك كثيرًا؛ ثم مات والدها
لم تستطع شريهان تفهم الأمر بالشكل الكافي، هي تعرف الموت لكنها لم تره ابدًا، لتقف شريهان أمام والدها في حالة صدمة، وعلى الجانب الآخر أمها وأخيها يكادوا يموتون من فرط البكاء عليه.
تمر الأيام وتنتهي مراسم العزاء، وتبدأ شريهان للذهاب إلى مدرستها مجددًا، لتجد في أعين الجميع نظرة شفقة مختلطة بتعجب، رغم كونها طفلة، لكنها تدرك معنى هذه النظرات جيدًا.
- كيف حالك يا شريهان
= بخير
-صحيح ما قالته المعلمة، أنه لم يعد لديكِ أب؟
لتنظر لها شريهان نظرة حزن مختلطة بالدموع، ثم تصمت
كانت غير باقي الأطفال، دائمًا صامتة، لا تحب اللعب وتفضل الجلوس دائمًا بمفردها.
تعود شريهان إلى منزلها بعد يوم طويل، ثم تدخل إلى غرفتها، وبدون أي مقدمات تمسك ألوانها وتبدأ بالرسم؛ لأول مرة ترسم عائلتها دون أن ترسم والدها، لتنظر إلى لوحتها بتمعن، ثم تبكي، تبكي وكأنها لم تبكِ من قبل، تتساقط دموعها كالأمطار الغزيرة في ليلة من ليالي نوفمبر.
تتذكر حديث صديقتها وتدرك أنها لم تعد مثل باقي اصدقائها، أصبح ينقصها شيء، شيء لن يتم تعويضه ابدًا….
أصبح ذهابها لمدرستها أسوأ شيء بالنسبة لها، كانت تسمع سخرية الأطفال منها، كلما رأت طفلة مع والدها تبكي بشدة، ومن هنا بدأت طفولتها السيئة .
بعد مرور ثمان سنوات
1-يونيو-2019 الساعة 12 في منتصف الليل
عيد ميلاد شريهان الثامن عشر، تجلب شريهان ورقة وبدأت برسم نفسها وهي تمسك بكعكة عيد ميلاد، ثم كتبت عليها "عيد ميلاد سعيد شريهان"
لا احد يحتفل بيوم مولدها، لأنه نفس اليوم الذي مات فيه أبيها، لذلك كانت تحتفل بيه وحدها….دائمًا.
شخص مثلك يا شريهان قابل للترك والنسيان في اي وقت، لم يتذكرك أحد يوم مولدك، أنتِ سيئة، ستظلين دائمًا هكذا، من الذين لا يراهم أحد.
أخذت شريهان تحدث نفسها هكذا طوال الليل، حتى غفت في نومة عميقة.
الساعة الثامنة صباحًا
استيقظت شريهان على صوت والدتها وهي تخبرها أن تفيق للذهاب إلى مدرستها.
تذهب شريهان بالفعل، وتدخل الفصل، لتجد أن معظم من في الفصل ينظر لها ويتهامسون بسخرية.
-هذه الفتاة غريبة، تأتي كل يوم وتجلس بمفردها، ولا تتحدث مع أحد.
=أشعر أنها تعاني من مرض التوحد.
ثم تتعالى اصوات ضحكهم ساخرين منها.
تسمعهم شريهان لكن لا ترد، تكره شريهان الدخول في أي نقاش، ترى أنها ليست ملزمة لهم بأي تبرير، ولكن رغم ذلك، كادت أن تبكي على حالها، تكره أنها وصلت إلى حالة ميؤوس منها رغم صِغر سنها، لتتوقف عن كل ذلك وتبدأ بأكثر شيء تجد فيه نفسها، الرسم.
رسمت شريهان فتاة طويلة ذات جسد نحيف، شعرها أسود ناعم، يبلغ من الطول أقصاه، بشرتها قمحاوية، كانت فتاة شديدة الجمال.
هذه هي الصورة التي كانت تريدها شريهان لنفسها دائمًا، كانت ترى نفسها أنها ليست جميلة مثل باقي الفتيات، رغم أنني كنت أراها دائمًا جميلة، كانت بسيطة للغاية، شعرها قصير مائل للبني، كانت هي قصيرة أيضًا، كان لديها أجمل ضحكة يمكن أن تراها على الأطلاق.
تنظر شريهان إلى رسمتها بتمعن، ثم تحدثها قائلة: ليتكِ كنتِ أنا، لكن لا بأس، يمكنني اعتباركِ من اليوم صديقتي الوحيدة، سأرسمك في جميع لوحاتي يا جميلتي.
الساعة الواحدة ظهرًا
تعود شريهان إلى منزلها أخيرًا.
-هل أُعد لكِ الغداء؟
=لا، أريد أن أنام
-حسنًا، ارتاحي قليلًا
=حسنًا
استيقظت شريهان بعد ثلاث ساعات، تناولت طعامها ثم دخلت إلى غرفتها مجددًا، أمسكت هاتفها وقامت بتشغيل أغنيتها المفضلة.
تذكر كيف كانت الموسيقى تأثر فينا
صرنا نخشى العتمة اللي كنا بنلعب فيها
عشنا وشوفنا وما بقي ولا شيء يدهشنا
عاليا الموسيقى مش معقول حدا يسمعنا.
لتأتي الكلمة الأكثر آلامًا لها
زيفلي الاهتمام، قلي اني بنحب
تمنت شريهان لو كان أحد يحبها، حتى لو بالكذب.
الساعة الثالثة عصرًا
-لا أعلم ما بها شريهان، دائمًا تجلس بمفردها
= شريهان دائمًا هكذا يا أمي منذ صغرها، لا شيء جديد
-لا يبني، الأمر يزداد سوءًا، حتى معلمتها حدثتني هاتفيًا وأخبرتني أن شريهان لا تتحدث مع أحد في صفها، وليس لديها أصدقاء، أعتقد من الأفضل أن آخذها لدكتور نفسي
= حسنًا، ولكن هل سترضى بذلك؟
-لا مجال للنقاش، ستذهب شاءت أم أبت
=حسنًا
انتهى الحوار وذهبت والدة شريهان لتعرض عليها أن يذهبوا لطبيب نفسي.
=شريهان
-نعم
=أرى أنك دائمًا تجلسين بمفردك، لماذا؟
-لا يوجد سبب.
=لكني لا أرى أنكِ بخير، ما رأيك لو ذهبنا لاستشارة طبيب نفسي؟
-إذا كان هذا يرضيكِ، لا مانع لدي.
تعجبت أمها من موافقة شريهان بسرعة، وكأن شريهان كانت تعلم أن أمها ستخبرها بذلك.
=ماذا! ألم تمانعين؟
-لا، لأ أريد أن أدخل في نقاش، ما تريدين فعله، سأفعله.
ياللحالة التي وصلت لها، لم أصل للعشرين بعد، وسأذهب لطبيب نفسي، يا له من شيءٌ سخيف ومضحك... للغاية.
صباح اليوم التالي، الساعة الثامنة صباحًا
ذهبت والدتها لعيادة الدكتور يوسف عمر، لتحجز ميعاد الجلسة من السكرتيرة الخاصة به.
بعد ساعة تقريبًا
عادت أمها إلى المنزل وأخبرت شريهان أن معادها يوم السبت، الساعة التاسعة صباحًا.
هزت شريهان رأسها بأن نعم ثم دخلت إلى غرفتها مجددًا.
هذه المرة لم ترسم شريهان كعادتها، بل أخذت مذكراتها وبدأت تكتب، هذه المذكرة التي دونت فيها كل حياتها.
عندما يكره المرء ذاته، ويبدأ رؤيتها في أقبح صورة وضعها عقله على الإطلاق، عندما يشعر بسخافة الأحاديث المجاملة له.
يكره النظر في المرأة حتى لا يزداد كرهه أكثر، يكره العالم ويلعنه، يكره كل من تسبب له في ذلك الشعور ولو عن طريق الخطأ، ذلك الشعور الذي يجعلك تشفق على نفسك، لأنك غير مرحب بك في عالمهم.
أنت وحيد، ليس لأنك تريد ذلك، وحيد لأن عالمهم لا يتقبلك.
كتبت شريهان تلك الكلمات في مذكراتها، هذه المرة لم تعبر عن حزنها بالبكاء، حزنها قد فاق عينيها، فأصبحت كما -تسمي نفسها- متبلدة المشاعر.
لكني لا أراها هكذا، هي حساسة، حساسة للغاية، تبكي لأقل الأشياء، أنني أراها ألطف من أي شيء لطيف في العالم.
السبت-الساعة التاسعة صباحًا
ذهبت شريهان مع والدتها إلى عيادة دكتور يوسف، أخبرتها السكرتيرة ان تنتظر دقائق قليلة ثم تدخل.
مرت الدقائق وجاء دور شريهان للدخول.
كانت شريهان تخطو خطواتها كمن حُكم عليه بالإعدام، كانت خائفة، تخشى دائمًا المواجهة، اعتادت الهرب، الهرب من كل شيء، حتى نفسها.
دخلت شريهان أخيرًا إلى الدكتور
=كيف حالك؟
-بخير
=لماذا تقفين، يمكنكِ الجلوس
-حسنًا.
=أخبريني ما بكِ، بكل التفاصيل.
-.........
=لا تقلقي، كل ما تقوليه سيبقى سرًا بيننا
أخذت شريهان نفسًا طويلًا، كمن يستعد للمواجهة، ثم بدأت بإخباره كل شيء حدث منذ يوم ولادتها إلى يومها هذا.
لم تنزل دمعةٌ واحدة منها، لكن من يسمعها، يستطيع سماع البكاء في صوتها.
شعرت ولأول مرة أن هناك حملًا على قلبها قد أنزاح، ولأول مرة أيضًا تشعر بالارتياح لأحد.
لم ترى في عينيهِ نظرة شفقة، تعلم أنه من الطبيعي أن يكون الدكتور النفسي هكذا، لكنها شعرت بارتياح غريب.
انتهت الجلسة وحُدد ميعاد الجلسة التالية يوم السبت القادم في نفس الميعاد.
كانت جميلة، بسيطة للغاية، أخبرتني أنها لا تحب نفسها، وتكره شكلها، لا أعلم كيف وهي أجمل شيء رأيته على الإطلاق، في الحقيقة لم تكن هذه المرة الأولى التي رأيتها فيها، رأيتها من قبل في إحدى المقاهي، كانت كالقمر وقتها، هي تشبه كل شيء جميل، أعتقد أنها الجمال نفسه.
في الدنيا شوفتك صدفه، وقلت أنساك وأنسى لطفك
أتاري هواك سكن فيا.
دَوت كلمات الأغنية في أذنيه، وشعر معها بنبضات قلبه السريعة، وقع الطبيب في حب مريضته.
على الجانب الآخر، كانت شريهان تفكر فيما حدث معها طوال اليوم، ثم أمسكت الوانها وبدأت بالرسم، كعادتها عندما تريد الهروب من أي شعور يجتاح افكارها.
بعد مرور ثلاث ساعات
نادت أمها عليها ليتناولوا الغداء.
= أخبريني، كيف كانت جلستك مع الطبيب؟
سكتت شريهان لمدة دقيقة كمن يستجمع أفكاره ثم ردت
-جيدة.
= أمممم حسنًا، أخبرتني السكرتيرة أن الدكتور حدد جلسة ثانية، هل ستذهبين؟
-نعم، سأذهب.
= حسنًا.
أنتهى الكلام وأنشغل كل واحد بطعامه، ثم دخلت شريهان غرفتها لترتاح قليلًا.
بعد مرور أسبوع
السبت الساعة التاسعة صباحًا، في عيادة دكتور يوسف.
-كيف حالك يا شريهان؟
=بخير، وأنت؟
-بخير، من سيبدأ الحديث، أنا أم أنتِ؟
= يمكنك أن تبدأ إذا أردت.
-حسنا، سنلعب لعبة بسيطة، سأسألك سؤالًا و تسأليني سؤال، موافقة؟
= حسنًا.
-سأبدأ، متى أول مرة شعرتِ فيها أنكِ وحيدة؟
= عندما مات أبي.
-ولكن والدتك بجانبك؟
= لم تستطع أمي تعويض مكان أبي.
-حسنًا، حان دورك
= متى نُحب؟
فكر قليلًا، كمن يستجمع كل معلوماته
-الحب شيء معقد ولكن سأجاوبك -من وجهة نظري- لا يوجد إلا سببٌ واحد يجعلنا نحب، هو الأمان، عندما نشعر بالأمان مع شخصًا ما ، نُحب.
ظلوا هكذا طوال الجلسة، في الحقيقة كانت هذه الجلسة الأكثر استمتاعًا لهم.
أستمرت هذه الجلسات طوال الشهر، تذهب كل سبت في نفس الميعاد.
2-يوليو-2019 الساعة الثانية بعد منتصف الليل.
أخبرتني ذات مرة أن من نشعر معه بالأمان نحبه، في ذلك اليوم ظللت طوال الليل أفكر، كيف ذلك، وكان هناك سؤالًا آخر يجتاح عقلي، لماذا نشعر بالأمان من الأساس؟
لم أجد سببًا، ولكني شعرت بهذا الإحساس الغريب معك، ولكن الأغرب هنا أنني لم أشعر بالحب تجاهك، لا أعلم السبب.
أخبرتني أمي ذات مرة أن فاقد الشيء لا يعطيه، أعتقد أنني عرفت السبب، أفتقد الحب من صغري، لذلك لم أستطع أن أشعر به تجاه أحد، آسفة لمشاعرك الجميلة، آسفة لكونك أحببت أحدًا لا يقدر على حب نفسه حتى.
سأبتعد، لا أريد ايذائك أكثر من ذلك.
و أمر آخر، سأفعل كل ما أخبرتني به طوال جلساتنا، سأرى الأمور كلها بنظرة أخرى، سأقبل بي كما أنا، و سأتعافى من كل ذلك، صدقني.
وداعًا يا ألطف من رأيته في حياتي كلها.
ضغطت إرسال، ثم حظر لرقم هاتفه
شعر دكتور يوسف حينها أنه خسر شيئًا ثمين، هو لا يقوى على خسارتها أبدًا، أخذ يبكي طوال الليل، كمن مات له شخص عزيز، كانت هي كل شيء بالنسبة له، كل شيء.
صباح اليوم التالي.
ذهب الدكتور إلى منزلها، حتى يخبرها أنه يتقبلها كما هي، لن يغصبها على حبه، يكفي فقط أن تبقى معه، ولكن الصدمة هنا عندما ذهب إلى منزلها.
أخذ يدق باب منزلها كثيرًا، يدق ويدق حتى أحمرت يداه
= لا يوجد أحد هنا.
قالتها السيدة التي تسكن في الشقة التي أمام شقة شريهان
-ماذا! أين ذهبوا؟
= غادروا المكان للأبد، حتى أنني لا أعرف أين ذهبوا.
وقع كلامها كالصاعقة على دكتور يوسف، هنا فقط تأكد أنه قد خسرها للأبد.
= أأنت دكتور يوسف؟
-نعم، أنا.
= أخبرتني شريهان أن أعطيك تلك المذكرات.
كانت شريهان تعلم أنه سيأتي، لذلك تركت مذكراتها مع جارتهم.
عاد دكتور يوسف إلى منزله، وفتح أول صفحة في مذكرتها وبدأ يقرأ.
1-يونيو-2011، الواحدة بعد منتصف الليل.
تمت بحمد الله..

حلوه جدا ♥️♥️♥️♥️♥️♥️
ردحذف