وهل
كل الفقد فقد؟ وهل يشبه فقد الحبيب لك كفقد من أنت من صُلبه لك؟ كلهم فاقد، لكن ليس
كل من فَقَدَ فقد، هناك من تُسلب منه الروح وهناك من تُسلب حياته، فلا وجه للتشابه
بينهم.
لحظات
مريرة
وهل
كل الفقد فقد؟ وهل يشبه فقد الحبيب لك كفقد من أنت من صُلبه لك؟ كلهم فاقد، لكن ليس
كل من فَقَدَ فقد، هناك من تُسلب منه الروح وهناك من تُسلب حياته، فلا وجه للتشابه
بينهم.
في يوم
كنت أتسامر أنا وعائلتي، حتى ورد زوجتي اتصال من احدى أزواج بناتي الحبيبات، فأنا والد
لثمان جواهر مكنونات مصونات، كل منهن تحتل رقعة في ثنايا قلبي، وإذ به يخبرنا بأن منزله
والمنازل المجاورة ينهار على ساكنيه، وهو يحاول الوصول لزوجه، لكنها لا تجيب، ويطلب
منا أن نذهب لنخرجها وأفراد عائلته فلا يوجد بالمبنى سواهم فقط، ولا يوجد أحد من أشقائه
هناك فجميعهم ما زالوا على رأس أعمالهم، ليقع الخبر على مسامعنا كصاعقة مدوية، وتسقط
معه رفيقة دربي في غمامة من الظلام؛ خوفًا وقهرًا على فلذة كبدها، وأركض أنا وابني
لنرى ما الذي ينبغي عمله تجاه ابنتي، مخلفين وراءنا الجميع، ولحسن الحظ فهي تقطن بمنزل
قريب منا لا يتجاوز بُعده شارعين.
حين
وصلنا لمكان الحدث وإذ بالمنازل المحيطة لمنزل ابنتي قد سقطت وأصبحت مجرد ركام، والغبار
يعم المكان، ولا يرى هناك سوى الهرج والمرج الذي حل على من كانوا يقطنون تلك المنازل،
وتوافدت عربات الشرطة والاسعاف تزامنًا مع وصولنا هناك، بت أنظر حولي أطالع ما يحدث،
فأشاهد من يبحث عن ابن أو زوجة أو أي فرد من أفراد عائلته بين الركام أو حوله، فقام
رجال الشرطة بأبعاد الجميع حتى لا يتأذى أحد، وأخذ رجال الاسعاف بتولي أمور من أصيبوا
أو سقطوا ضحايا لهذه الكارثة الانسانية، ولكن
مهلًا! ماذا حل بابنتي؟ وأين هي وعائلتها؟ كاد الصراخ أن يصمني، وعويل النساء يمزق
نياط القلوب، والرجال يتحركون هنا وهناك ليجدوا ما لهم أو ما كان لهم، وقتها سمعت صوت
هاتفي تتعالى نغماته، فإذا بها رفيقة دربي تحاول الاطمئنان على ابنتي وهل توصلنا لها
وعثرنا عليها بين كل هؤلاء، حينها وعلى غفلة منا جميعًا يسقط مبنىً جديد، فيحل الهلع
على قلوبنا جميعًا، فأسمع صراخ زوجتي عبر الهاتف تناديني لتطمئن، فأناظر حولي المكان
بحثًا عن من هرع معي لإنقاذ أخته فلا أجده، فأبدأ بالصراخ ويتعالى صوتي أناديه: عمار،
عماااااار.
فتسمع
زوجتي صراخي لتظن بأن ولدي أصابه مكروه فأسمع صوت صراخ بناتي عبر الهاتف لأعلم أن زوجتي
سقطت مغشيًا عليها للمرة الثانية، فأدور حولي بحثًا عن ولدي وفلذة كبدي الغالي، فلا
أرى له أثرًا، وكيف أرى والمكان من حولي لفه الغبار من كثرته كأنه ضباب شديد في أحد
ايام الشتاء قارصة البرودة، فلا ترى موضعًا لقدمك ولا خيالًا لمن حولك، فقط تسمع صوت
العويل والصراخ، ليزداد حجم الغصة بداخلك، وقتها أحسست بأنني على وشك السقوط في هوة
لا قرار فيها، هل أتيت لأخسر ابني وسندي، من تمنيته طوال عمري، من رزقني الله به بعد
طول انتظار، من جاءني بعد ست من جواهري النفيسة، وقتها شعرت وكأن الأرض تميد بي، لأصرخ
ثانية بأعلى صوتي مناديًا له عله يجيب، لكن ما من مجيب، فأصرخ وأصرخ لكن ما من مجيب،
وقتها تجلدت وقلت لنفسي أفق، ما أنت بفاعل؟ علي بالبحث عنه وعن شقيقته، فلا أتحمل خسارة
الاثنين معًا، فنفضت غبار افكاري المريعة التي كادت أن تعتصر قلبي وتقصم ظهري، ان أنا
تركتها تتحكم فيّ ستقصمني وتسحقني، وما أنا بقادر على ذاك.
بعد
وقت، دُرت في أرجاء المكان، أتساءل بين الجموع، عل أحد شاهد ابني أو ابنتي أو عائلتها، لكن ما من مجيب، يريح قلبي، ويهدأ قلقي، ويجلي همي،
لأبقى على ما أنا عليه من البحث لبعٍض من وقت، فلم يتبقى سوى المبنى الذي كانت تقطنه
ابنتي قائمًا لم يسقط، والجميع حولي يحاذر من الاقتراب، لكن ماذا أفعل؟ هل أدع ابنتي
تموت؟ كمن سبقوها ممن سقطوا مع مبانيهم، لا، لا يعقل أن أخسر أنيسة القلب ومهجة الروح،
من ربيتها على يدي حتى نمى عودها واشتد، لتصبح فتاة بارة، وزوجة حنون، وأم رؤوم، من
يعلم بأني أب لثمان فتيات يعتقد بأن التخلي عنهم أو فقد احداهن أمر سهل، هل نزف روحي
وتمزق ثناياها أمر سهل؟ لا، من لم يجرب حنانهم حين يكبرون، ولا ببراءتهم حين كانوا
أطفالًا، يظن أن الأمر هين، أذكر أن احداهن كانت تناديني صباحًا من كل يوم لأستيقظ
فتقول: قم يا أصلع هيا قم، وتقوم بتجهيز حذائي عند الباب، لأرتديه عند الخروج.
هل فتياتي
تنسى؟ لا وربي هُنّ أنيساتي ومؤنساتي، هُنّ من سأفوز بالجنان أجر تربيتهن الحسنة، ها
أنا الآن أبحث عن احداهن بين ركام المباني، فأنا لا اعلم ان تمكنت من الخروج من منزلها،
فلو تمكنت، كيف عبرت بين الركام؟ فمنزلها خلف المباني التي سقطت، وكان لا بد لها أن
تتخطاها لتعبر، يا الله يا الله، أجرني في مصيبتي وأخلفني خيرًا منها، يارب، يارب،
فمن يعينني سواك؟ ارحمني يا الله.
الفقد
صعب، لكن الأصعب أن تعيش لحظات لا أنت بفاقد ولا أنت بعالم متى يتجلى الفقد، كلاهما
مُرّ، لكن الأمَر أن تحيا لحظاتي المريرة التي أعاصرها ها هنا، لحظات مليئة بمرارة
العلقم، أين هم؟ ماذا جرى لهم؟ ولا تعلم، فقط تنتظر ساعة الفرج، وأن ينجلي كل ما أنت
فيه، وهل يطول الانتظار؟ وقتها لا تشعر بأن الوقت يمضي، بل تشعر بأن الساعة توقفت،
وما عادت عقاربها تقوى على العمل، كحال كل خلية منك، حين تشعر بأنك مقدم على أمر جلل،
وليت الأمر يمضي بلا خسارة، بلا فقد، بلا ندوب، وكيف يمضي بلا كل تلك؟ وأنا أشتاق لهم
وهم بين أضلعي, وَتَرْقُبُهُم عيني أينما حلوا.
تدور
اللحظات عليّ وأنا أدور ومن حولي مثلي، كلٌ باحث عما فقد، أو ما يأمل بأنه لم يفقده،
يحل الصمت لحظات، ويرتفع الصوت لحظات أخرى، وكل منا يدور عل وعسى أن تسكن جراح قلوب
نازفة، لتظهر أمامي بارقة أمل؛ بسماع صوت ولدي، لأدور وألتفت حولي عليّ أراه، فأسمع
صوته يقترب أكثر فأكثر، فأحمد الله في سري بأن أنجاه لي، فاراه وأرى شقيقته التي يحوطها
وأبنائها بحماية، ليتسلل الهدوء والسكينة لاعماقي، ويرتاح قلبي وتهدأ جوارحي وما عانيت
أثناء بحثي؛ بمجرد رؤيتي لهم، لأقترب من ابنتي وأحتضنها فأشعر بارتجافتها بين أحضاني،
لأعلم هول ما تعانيه من خوف وجزع، فالوقت السابق كان عصيبًا علينا جميعًا، فقد تهاوت
قلوبنا، ولولا لطف الله بنا لكنا كمن أشاهد من حولي، من كان مصابهم جلل، بالمال والبنون
والرفيق، أعانهم الله، وأعان قلوبهم.
بعدها
بدأت وأبنائي بالتحرك، وما هي إلا ثواني
حتى
رأيت زوج ابنتي قادمًا باتجاهنا راكضًا، فما أن وصل عندنا حتى أخذ زوجه وأبنائه بأحضانه،
حتى كاد أن يكسر ضلوعهم، لكن! وهل يلام؟ لا أعتقد، فما شعر به، كان شعوري من لحظات،
لا أعادها الله علينا، وأبعدها عن كل قلب، وقتها بدأت بسؤال ولدي، ماذا حدث معه؟ وكيف
عثر على أخته؟
فأجاب:
ذهبت لمبناها من طريق خلفي لكنه طويل علني استطيع ادراكها وعائلتها، فما كدت أصل للباب
حتى وجدتها تظهر أمامي هي وأطفالها، فخرجنا من نفس الطريق حتى وصلنا ها هنا سالمين
بينكم.
فقلت
له: حسنًا فعلت.
ولم
اكد اكمل كلامي حتى هوى المبنى الذي كانت ابنتي أحد قاطنيه، هوى كاحدى قطع ألعاب الليجو
التي يتداولها الأطفال بينهم، مُخلفًا عاصفة من الغبار والرمال كما سبقه من مباني،
ليتعالى بكاء ابنتي وأرى الانكسار بعينها وزوجها، الذي لا يملك الا قوت يومه، فضممتهم
تحت جناحي وأنا أقول قدر الله وما شاء فعل، وهل يقال غير قولي هذا في تلك اللحظات،
أعلم أن الغصة التي تخلفها الكوارث لا تزول، فهي تبقى حية مخلدة بأعماقنا السحيقة،
لكن ما عسانا نفعل غير تقبل كل مُصاب بقلبٍ راضٍ على قضاء الله ومشيئته، وهل بعد الرضى
شيء يريح الأنفس المنهكة، ويكللها بالسكينة.
وقتها
سرنا عائدين جميعًا للمنزل حتى نُطمئن من هناك يرقدون على صفيٍح ساخن من القلق، فهم
بعيدون عن الحدث، ولا يصلهم سوى أصوات المباني حين سقوطها وعويل النساء الذي هز أرجاء
المنطقة بأسرها، وحين وصلنا للمنزل وجدت لآلئي تحيط بزوجتي التي تبكي بكاءًا مريرا،
لما حدث، لكنها حين رأتنا جميعًا، قامت مهرولة باتجاهنا تحتضن أبناءها بكل الخوف الذي
وقع على قلبها، هذا وهي لم تُشاهد الاهوال التي رأيناها، لا أعادها الله علينا من مواضع
ولا أراها لقلب أحد.
بعض
الأحداث تبقى مخلدة بالذاكرة لا تنسى، وهل ينسى الجزع، الألم، الانكسار، وأهمها ما
فُقد بذلك الحدث، ربما نتناسى لكننا لا ننسى مهما مر علينا من أمور، لحظات الفرح تُنسى،
لكن اللحظات المريرة لا تنسى مطلقًا، لانها تُزرع في ثنايا القلب والوجدان، كوشم مُحرم
لكنه صعب الزوال.
تمت
بحمد الله ....

الرواية اكتر من رائعة صورت الكانبة الحدث بصوت الاب هو الراوي ومن يصلح راوي اكتر من الاب بهذه اللحظات المريرة وسرد احداث مرت معه شخصيا وابنته وابنه وشعور الفقد الذي استشعره بالحدث المهول من حوله سواء لابنته او ابنه ورفيقة دربه وحياته تعايشت مع الاحداث بشدة بكيت انتظرت الفرج من بين السطور والوصف المريع الذي تم وصفه للاحداث بحييكي من قلبي وصفتي كم هائل من المشاعر والاحداث بشگل عظيم ابدعتي غاليتي انتظر عمل قادر بلهفة لك احسنتي
ردحذفوفعلا كانت لحظات مريرة للكاتبه احلام حسين غنيمات ابدعتي
حذف