وصف المدون

إعلان الرئيسية

أحدث الروايات


بسمة

مراجعة لغوية
تهاني فهد / آلاء الدكاك
إياك يا نفس و التفاخر فإنه الهلاك و التهلكة 
و إبتعدي يا نفس عن التباهي فكلنا لله وكلنا إليه راجعون
يا نفس لا تبكي فرب العباد لن ينساك
و يا نفس لا تقنطي فرب العباد رحمته وسعت كل شيء أفلا تسعك؟
و إياك يا نفس أن تشتكي لغيره فهو و إن كان يعلم ما بك فأحب الأمر له أن تلجئي له و تهربي من العالم و ظلمه إليه
ثم إياك و أن لا تتوبي عما اقترفتِ فمن أسمائه سبحانه أنه هو الغفور التواب 


خرجت الفتيات من الصف بعد حصة دراسية شاقة على النفس متعبة للعقل و مرهقة للبدن لم يزدها نهار الصيام في شهر رمضان الفضيل إلا مشقة ، ثم انسللن إلى أحد الأركان الظليلة في  الساحة لالتقاط أنفاسهن  لدقائق معدودة قبل استئناف اليوم الدراسي المتعب 
تنحنحت إحداهن ثم نادت لتلفت الانتباه إليها:
يا فتيات؟
التفت الأنظار إليها بتعب مع همهمة مستفهمة
  فتساءلت بفضول محاولة أن تفتتح موضوعاً للجلسة: 
هل اشتريتن ملابس العيد لم يبق عليه سوى أسبوعين؟!
ردت عليها احداهن بسرعة و كأن الحديث نزال عنيف و الفائز فيه هو من يجيب أولاً: 
نعم لقد أعطاني والدي المال منذ يومين ونزلت بالأمس إلى السوق ولكن لم أجد ما يعجبني فكلها ملابس رخيصة الثمن، ليست حتى جيدة أو من ماركات مشهورة 
هزت الفتاة التي بجانبها رأسها توافقها حديثها وكأنك المصاب واحد وهي تقول بعد تننهيدة :
معك حق وأنا كذلك ؛ لففت السوق ولم أجد هناك ما يعجبني أو يناسبني ولكن أمي  نصحتني بأن أشتري أغلاها و لا يهم إذا ناسبتني أم لا فبالتأكيد الأغلى هو الأجمل ، هذا أفضل من أن اتعب نفسي في البحث بدون نتيجة
عادت الفتاة الثانية لتسألها و كأنها قد وجدت خيط النجاة لحل مشكلتها: و هل ستأخذين بنصيحة أمك ؟
ردت الفتاة في يأس : نعم وماذا عساي أفعل ؛ أظن أن معها حقاً في ما تقول، فالمهم هو ثمن الثياب ولا فرق إن كانت مناسبة أم لا ! وكذلك نحن في أواخر شهر رمضان و لا أعطي أملا أنهم سيأتون بسلعٍ وبضائع جديدة إلا بعد انقضائه
وافقتها الفتاة الأخرى و في سرها قد قررت اتباع نفس النصيحة فالوقت لا يسنح للكثير من الاختيارات
قالت الفتاة الأولى التي بادرت بالسؤال أولاً و كأنها كانت تنتظرهم لينهوا كلامهن و يتركن لها الفرصة و الوقت للمفاخرة بما ستفعله : أما أنا فلم أتعب نفسي بالذهاب إلى السوق أو لغيره 
ثم صمتت وهي تتأكد أن كل الأنظار الفضولية تتجه نحوها ، ولما اطمئنت لذلك تابعت في فخر وهي ترفع كتفيها 
لأني أعرف بأنني لن أجد ما يناسبني أو ما ينال إعجابي لذلك قد قررت أن اشتري ثيابي عبر الأنترنت و تواصلت مع إحدى الشركات المشهورة و بعد أيام ستصلني الأغراض التي طلبتها ،صحيح أن الأمر مكلف ولكنه يستحق فهو العيد و لن أرضى أن أقضيه و أنا لست راضية عما ألبس و بالأخص عند ذهابي إلى أهل أبي و أمي سأجد الكل يرتدي من الثياب أفخرها و يستحيل أن أرضى على نفسي أن تكون أقل من أحد!
نظرت الفتيات نحوها في ذهول يخالطه بعض و هن يشدن بتصرفها العبقري و في سرهن يتمنين لو أنهن فكرن بنفس الفكرة ، باستثناء واحدة كان الخجل يتآكلها و الإحراج نال مبتغاه منها منذ بدأن الحديث في هذا الموضوع ،وهذا ما لفت انتباه  الفتاة الأولى ؛ لذلك قررت أن تكسر لها صمتها سائلة إياها: 
و أنت يا بسمة لم تقولي لنا ماذا حدث معك وهل دبرتي أمرك أم لا؟!
رفعت بسمة رأسها و هي تتصنع الابتسامة لتجد كل العيون تتطلع إليها في فضول -جمعت شجاعتها وقالت و نبرة الإحراج تملأ صوتها: أبي لم يأخذ راتبه بعد، س سيأخذه في الأيام القادمة بإن الله و بعدها سأنزل للسوق رفقة أختي و سأرى ما يمكنني شراؤه
عندما همت الفتاة الاولى بسؤالها ثانية سمعن الجرس يرن معلنا عن انتهاء وقت الراحة و العودة لشقاءِ الدراسة 
أخذت بسمة نفساً عميقا تبثُ فيه حرارة صدرها مخفية سعادتها لأول مرة في حياتها  برنة الجرس المزعج ، كيف لا وقد أنقذتها من حديثٍ كان ينخر عظامها من شدة الإحراج و الخجل لتسمع بعدها صوت صديقاتها وهن ينادين عليها باللحاق بهن قبل مجيء الأستاذة 
****
في غرفة صغيرة متهالكة ذات طلاءٍ أزرق بهت لونه بمرور الزمن، كانت تجلس بسمة على فراشٍ في الأرض ؛ فراش مليء بالثغرات أكل الزمن عليه وشرب عشرين سنة على الأقل 
استرجعت ذكريات حديث الفتيات اليوم في المدرسة و بعد كل كلمة كان انكماشها على نفسها  يزيد و لمعان عيناها بدموع الأسى على حالها يصبح أكثر إيلاماً
بعد آخر ذكرى زارت خيالها زاد نحيبها فضميرها يأنبها من جهة و قلبها بالحزن ينغزها من جهة أخرى و عقلها بالإحراج يذكرها وما بين ثلاثتهم هي الضحية التي تتمنى لو تنشق الأرض و تبتلعها 
و بينما هي في وصلة نحيبها إذ بأختها تدخل الغرفة على حين غرة منها،  لم تسنح لها الفرصة حتى لمسح دموعها الفاضحة لأمرها 
فزعت أختها لِما رأت فأسرعت باتجاهها و القلق ينخر كل خلية في عقلها و مئات الأسئلة تجوب بداخله
جلست مقابلة لها وهي تبعد يديها عن عينيها التي تحاول عبثا إخفاء دموعها-قائلة لها و نبرة القلق لا تخفى من صوتها: بسمة حبيبتي ما بك هل أنت مريضة؟
لم تلق جواباً يطمئن قلبها فعادت لتسأل للمرة الثانية وهي تضع يدها على جبهة بسمة :حبيبتي أخبريني ما بك ماذا يؤلمك؟
حاولت بسمة عبثا أن تمسح دموعها لكنها فشلت في هذا فتولت أختها المهمة ومسحت دموعها وقامت باحتضانها لمساعدتها على أن تهدأ
بعد ثوان استشعرت فيها الأمان و الحنان في حضن أختها الكبرى قررت أن تفصح عما في قلبها من حزن لعلها تخفف عنها و تطبطب على ألمها ،أبعدت رأسها عنها وأخذت نفساً عميقاً فيما بادلتها أختها ابتسامة تبثها من خلالها الشجاعة 
قالت بسمة بصوت أشبه بالهمس و عيناها مصوبتان على يديها المتشابكتين في ارتباك: لقد ارتكبت اليوم ذنباً 
تغيرت ملامح الأخت الكبرى للتجهم و لكن سرعان ما سيطرت عليها كي لا تخيف أختها الصغرى فتأبى أن تكمل لذلك قالت في هدوء: سبحان الله غفار الذنوب ،يا حبيبتي إذا ارتكبت ذنباً لا ينبغي أن تجلسي و تنكمشي على نفسك فهذا لن يغير شيئاً بل ما ينبغي عليك فعله هو التوجه لله و الاستغفار عن ما بدر منك وهو لن يخذلك فمن أسمائه الحسنى الغفور
أنهت الأخت الكبرى كلامها وهي ترى معالم الارتياح بادية على وجه بسمة و لكن سرعان ما تعكر صفو وجهها من جديد فعلمت بأن الأمر كبير و لا بد من سماعه لحله فعادت لتشجعها على البوح قائلة: أنا أسمعك يا بسمة إذا ما أردتي الحديث عن ما يتعب قلبك و يثقل كاهلك 
التزمت بسمة الصمت لعدة دقائق حاولت فيها جمع شتات أفكارها و ما شجعها أكثر جلوس أختها بجانبها تتأبط ذراعها ،فقالت تسرد لها ما حدث معها اليوم في ساحة الثانوية و بعد كل كلمة تلتمع عيون أختها بالأسى على حالها وهي واقفة بينهم 
تشعر بالشفقة على قلب فتاتها الصغيرة التي أخذت من الدنيا دروسها الصعبة بدون اعتبار لعمرها الصغير أو هشاشة قلبها الحنون
رفعت يدها لتمسح دمعة هاربة من عيون بسمة 
أكملت بسمة كلامها قائلة: أنا لا يهمني كلامهم عن مشترياتهم و تباهيهم بما يملكون وما سيفعلون ،ولكن كل ما يؤلمني هو اضطراري للكذب !
أما أسوأ ما في الأمر  فهو الشعور الذي أحسسته و أنا أقف بينهم 
لقد شعرت للحظة بالمقت لحياتي و شعرت في لحظة ثانية بالكره لها ،و في لحظة أخرى بالقنوط من رحمة الله
شعرت أنني صغيرة جداً!
وما يدمي قلبي أكثر هي تلك اللحظة التي شعرت فيها بالكره لأبي الفقير
هل تصدقين هذا يا أختي لقد شعرت بالكره نحو من يفديني بروحه قبل ماله لأجل قطعٍ من القماش
أنهت نوال كلامها بنحيبٍ بلغ مسمع والدها الواقف خلف باب الغرفة 
عادت الأخت الكبرى لتشد من أزرها قائلة :اهدئي يا حبيبتي لا نريد لوالديك أن يشعرا بك فيزيد همهما هماً أكبر 
ولكن بسمة كانت مثل المغيبة فما كان من الأخت الكبرى إلا أن تعود لاحتضانها و قد استجابت بسمة لهذا 
من بعد دقائق مليئة بالحنان و السند أبعدتها عنها قليلاً عازمة على الأخذ بيدها نحو الراحة و اطمئنان القلب فقالت لها: أنا أتفهم شعورك يا بسمة و ما شعرت به في تلك اللحظات طبيعي 
ليس ذنبك أن هذا ما أعطاك الله و أعطانا وليس ذنبك أنه قد أعطاهم أكثر منك فالله سبحانه وتعالى له من وراء هذا حكمة وكذلك من واجبنا الرضى بقضائه و قدره و قسمته لا أن نقنط من رحمته
لم يكن لطيفاً منهن أن يتكلمن في حديثٍ مثل هذا بطريقة كهذه أمامك و هم يعرفون حالتك و لكن لنحسن النية و نقل أن الفضول و الفخر قد أخذ عقولهن ، أما خطؤك الأكبر أنت يا حبيبتي كان الكذب و مجاراتهن في تفاخرهن فأمر كهذا لا يستحق أن ترتكبي لأجله ذنباً يغضب الله منك وفي شهره الفضيل و لا يمكن تبرريه ،كان من الأجدر أن تتهربي من الإجابة أو حتى تغادري المجموعة لأي سبب ، ولكن الآن لا ينفع الندم بل ما ينفعك هو الاستغفار 
حبيبتي لا أريد منك أن تلومي نفسك على حياتك هذه لأنها بلاء و امتحان من الله، و لا أن تحملي والدك الذنب فما يفعله لأجل تدبر لقمة العيش لنا لا يمكننا إيفائه له حتى لو عشنا مليون سنة 
سكتت الأخت الكبرى تأخذ نفسها قليلاً ثم أكملت قائلة: لا تهتمي بهذه الأحاديث و لا تعطيها حجماً أكبر منها بل ضعي كل إهتمامك في دراستك يا دكتورتنا المستقبلية فهذا ما سينفعك 
هزت بسمة رأسها موافقة و كلام أختها قد أشعرها بالراحة و أعطاها الأمل فهمت باحتضانها تشكرها على وجودها لجانبها تحمد الله على هذه النعمة 
أما بخارج الغرفة و تحديداً وراء بابها كان يقف والدهما و دموعه القليلة الهاربة من مقلتيه على خديه يشعر بالقهر و ما أصعب قهر الرجال فكلام فتاته قد قصم ظهره نصفين ،لم يحزن لما شعرته تجاهه بقدر ما شعر بالحزن وهو يتخيلها تقف وسطهن وهن يتباهين أمامها 
وضعت زوجته يدها على كتفه تشاركه حزنه 
نظر نحوها ليجدها هي أيضا تشاركه الدموع و تبتسم له بحب ،عندما هم بالحديث بادرته قائلة: ليس لدينا مال نعطيه لهما و لكن لدينا الكثير من الحب الذي يحتجنه أكثر من أي شيء فاللهم لك الحمد
رد عليها متمتما :اللهم لك الحمد
 
 
 
 
تمت بحمد الله 

التصنيفات:
تعديل المشاركة
تعليق واحد
إرسال تعليق

Back to top button