إيلياء
"نحن لا نعيش في وطننا مُرغمون، بل إننا نعيش في وطنٍ أخذهُ منِا المحتلون، فبتنا كما المرغمون!"
وقف جهاد حاملًا في إحدى يديه راية بلاده، وفي يده الأخرى حجرًا حاد، مدبب.. إن خرج في وجهه أي عدو سيرميه به ويقف ثابتًا شامخًا لا يحرك ساكنًا، ليأتي غيره ويفعل معه كما المرّة الأولى!
ظل واقفًا حتى لاح بعيدًا من تمنى أن يرميه بالحجر!
ظهر أحد الأعداء على بعد أميال منه حاملًا بين يديه سلاحه البغيض الذي يختبئ وراءه كهرةٍ رضيعة.
ركض جهاد تجاهه ولأقصى إرتفاع رفع ذراعه في الهواء ورمى بالحجر، فاصطدم بعين العدو وفقأها ليملأ الساحة بعدها بصيحاتٍ كما الأطفال!.
ضحك جهاد بظفر وقد اِنتابه أحساس الفوز الغامر، لكنه وفجأة أحس بسائلٍ لزج ساخن يسيل على يده، نظر إلى الراية، فوجدها ملطخة بالدماء.. لكنّ هذه الدماء ما لبثت أن تحولت فجاةً إلى نور.. نورٌ أخذ في وجهه كل حشود الأعداء الذين أخذوا يسيرون في اتجاهه بعد أن أطاح بفردٍ منهم، وصوت جماهيري خلفه، يهتف قائلًا:
_"عاش البطل.. عاشت إيلياء. "
وفجأة طرق أحدهم باب غرفته، فاستيقظ جزعًا، تطلع حوله مُتعجبًا! أين الراية.. أين الحجر.. أين الهتاف؟!
لقد كان يحلم كالعادة.. الحلم الذي لا يغادره منذ فترة!
اِستعاذ بالله، ونهض من فراشه ملبيًا لنداء صلاة الفجر، الذي كان يصدح في المنطقة.
تؤضأ وخرج لتأديتها في المسجد القريب منهم..
وبعد لحظات وبعد أن انتهوا، سلمّ على من كانوا بجواره.. صديقه قاسم والشيخ محمد.
جلسوا، وراحوا يتبادلون أطراف الحديث، بادر الشيخ وقد أحسّ أن به خطب ما فسأله:
_ما بك يا ولدي لما أنت شاردٌ هكذا؟!
تنهد جهاد في هدوء وأجابه مبتسمًا، راضيًا وكأن هموم الدنيا مهما تثاقلت عليه لا تحرك في رضاه بقدر الله، قيد أنملة:
_أطال الله لنا في عمرك يا شيخنا، أنا بخير والحمد لله.
تدخل قاسم في الحديث قائلًا:
_يبدو أنك رأيت ذلك الحلم مجددًا! لما لا تقصه على شيخنا؟!
تطلع الشيخ إلى قاسم مستفسرًا ثم أعاد أنظاره إلى جهاد وقال:
_خيرًا يا ولدي.. بماذا تحلم؟!
قصّ جهاد عليه الحلم كاملًا، ساد الصمت بعدها للحظات، قبل أن يقطعه صوت الشيخ الرخيم وهو يعاود سؤله مبتسمًا:
_أخبرني يا جهاد برأيك ماذا يعني الإنتماء؟
تعجب للسؤال، فقط ظن أنه قد وجد تقسيرًا للرؤيا، بدلًا من طرح الأسئلة!
رمق قاسم متعجبًا.. قبل أن يجيب بما زار عقله من كلمات تسعفه على الإجابة:
_الإنتماء.. أن يحب المواطن موطنه وأن.. أن يقوم بحمايته حينما يغزوه عدو!
حرك الشيخ رأسه مؤيدًا كلماته قائلًا:
_أحسنت الإجابة يا ولدي..لك السؤال الثاني إذًا.. هل شرطًا أن يكون الجميع لديه إنتماء للوطن، وهل يجب أن تكون قضية وطننا مهمة لكل إخواننا من الدول المجاورة؟.
هنا ثار قلب جهاد، هاج كأمواج بحر تضرب شاطئه بقوة.. فالسؤال هنا يخص خليلته، درته المصونة، وطنه الذي أخذه الغزاة غصبًا وظلمًا:
_"ليس شرطًا أن يكون الجميع لديه إنتماء لوطنٍ من أبهى الأوطان، لأن الإنتماء الحقيقي ينَبعِث من داخلنا، من أعماقِ أفئدتنا دون أن يطلُبَ منا أحدٌ إظهاره أو إدعائه، ولأن ببساطةِ الأمر.. تلك القضية تمثل الشرفاء وليس كل مدعي الإنتماء شريف!. "
تهللت أسارير الشيخ، وما لبث أن أفرج عن ابتسامة عذبة تبعث السكينة في نفس كل من يراها.. أخذ نفسًا عميقًا ثم أطلقه في بطء وقال وقد هزّ رد جهاد لبه ونال على إعجابه:
_والوطن قد اختار أن يضم اِسمك لقوائم الأبطال لأنه علم فيك الخير وأحسّ بأصالة إنتماءك يا ولدي.
حرك جهاد كتفيه مستفهمًا، لكنّ الشيخ بدلًا من أن يشرح له، نهض من مكانه مستعينًا بكفوفهم وقال قبل أن يوليهم ظهره ويغادر:
_بعض الأقدار بدايتها تجزع الناس، ولا نملك الاعتراض عليها لأن في مكامنها يكون دائمآ الخير الذي لا نراه إلا لاحقًا، وبعض الأقدار تسعدنا من بدايتها وإن كانت نهايتها ستترك حُزنًا في قلوب كل الذين يحبوننا!
قال كلماته واستئذنهم بالرحيل، وظلّ الشابان واقفان في حيرة، "صاحب الحلم" يربط كلمات الشيخ بأحداث حلمه ويتمنى في نفسه أن يكون ما قصده هو الشيء الذي يتمناه منذ أن كان صغيرًا، منذ أن همسوا في أذنه أن أرضه محتلة ولكي يحررها عليه أن يكون بطلًا، منذ أن رأى وهو طفلٌ في العاشرة من عمره جنازة شاب ملامح الذين يحملونه فرحة بدلًا من أن تكون حزينة، وكأنهم يزفونه لعرس وليس لقبر!
منذ أن اِخترقت أذنه "أول جملة كاملة" عرف منها وبعدها ماذا يعني أن تحيا مجاهدًا وتموت شخصًا يحبه الله
"لا إله إلا الله الشهيد حبيب الله"
تلك الجملة التي لم تغادر سمعه قط!.
بينما قاسم كان يخشى أن يكون تفسير كلام الشيخ مقصودًا به أمر لا يحبذ حدوثه.. لا يحبذه مطلقًا!!
عاد إلى منزله وهو يجهز نفسه طوال الطريق للقاء الذي سيكون في يومه هذا.
عندما دلف إليه وجد والدته على سجادة الصلاة، دق قلبه بشدة حينما تسلل إلى مسمعه اسمه وهو يتردد في دعائها مرارًا وتكرارًا
اللهم إحفظ لي ولدي، اللهم لا تُريني فيه بأسًا يُبكيني، اللهم وفقه إلى ما تحب وترضى وأكتب له الخير والصلاح يارب.
كل تلك الأدعية التي لا ترجو الأبناء من الدنيا سواها.
ترددها والدته ليلاً ونهاراً، أمه التي إن أصابها قرحٌ أصابه أضعاف أضعافه، مؤنسته الغالية التي يخشى عليها أبسط الأشياء!
سالت دموعه على خديه كنهرٍ جارف، اِنهمرت ككل مرة يسمع فيها دعائها ولا يتماسك.
سار إليها.. مضى كطفلٍ عائد من أول يوم مدرسي، اِرتمى عند قدميها، أوسد رأسه إلى حجرها واحتضن كفيها بين كفيه..
"أمي الحبيبة لا حرمني الله منكِ. "
قالها، وعندما راحت تحدثه اِختلطت الدموع بالكلمات وهام صاحبنا لعالم الأحلام، ولأن في حضن الأم يكمن السلام طالت غفوته على حجرها ونسي معها ما كان مخطط له من لقاء..!
أفاق على صوت الأذان مرة أخرى، ولكن هذه المرة كان أذان الظهر، وجد نفسه مستلقيًا في المكان الذي كانت والدته تصلي فيه وقد وضعت تحت رأسه وسادة ونهضت لقضاء أشغالها..
هتف في جزع بعدما تذكر موعد اللقاء:
_يا الله.. يا الله كيف عفوت؟ لما لم تيقظيني يا أمي؟
_خشيت إزعاجك يا بني.. ثم لم يحدث شيء لكل هذا، دع جسدك يأخذ قسطًا من الراحة!
قام من مكانه على عجلة، اِرتدى حذائه وتوجه ناحية الباب مسرعًا وقبل أن يغادره، جاءه صوت والدته قائلة:
_رافقتك السلامة يا ولدي.. لا تتأخر في العودة، فاِبنة عمك "إيلياء" ستزورنا اليوم.
"إيلياء" اسم مدينته التي يعشق ترابها، واسم ابنه عمه التي يحبها، لقد أخذ هذا الاسم حيزًا كبيرًا من قلبه، فأيهما سيختار يا ترى؟
ابتسم في حنين ومضى..
وصل إلى المكان المرجو، اِستقبله أحد الأصدقاء، تبادلا التحية، ثم توجها إلى مكان ما وهما يلتفتان يمينًا ويسارًا خشية أن يراهما أحد أو يكونا مراقبين..
وما هي سوى لحظات حتى وصلا إلى مخبأهما السري
هناك وجد جهاد قاسم وباقي أصدقائه من الأبطال.
قال أحدهم والذي بدا من هيئته وكبر سنه أنه قائدهم:
_لما تأخرت يا جهاد؟ أنت تعلم أن الإلتزام شعارنا!
أجاب والإحراج مرسوم على وجهه:
_أسف أيها القائد لم أتعمد فعل هذا!.
_حسنًا أرجو ألا يتكرر هذا مرة أخرى.
_إن شاء الله.
فرش القائد لوحة كبيرة على الطاولة أمامهم.. مرسوم عليها خريطة بكل الأماكن التي في بلدته من أصغرها إلى أكبرها.
وضع عصاه فوق اسم مكان ما مخطوط حوله بقلم وقال:
_مهمتنا هذه المرة ستكون هنا.. هنا يتجمع حشد كبير من الأعداء لحماية مخزن صغير من الأسلحة، وإن اِستطعنا القضاء على معظمهم أو الحصول على بعض تلك الأسلحة ستكون خطوة موفقة لبث الرعب في نفوسهم.
تحمسوا جميعهم وبدأ القائد توزيع المهام وما يجب أن يفعله كل واحد منهم، وانتهى اللقاء بتحديد يوم المهمة والذي اتفقوا على أن يكون بعد خمسة أيام.. في ذكرى وفاة أحد أصدقائهم الذي قال بقهر قبل أن يموت:
_"نحن لا نعيش في وطننا مُرغمون، بل أننا نعيش في وطنٍ أخذهُ منِا المحتلون، فبتنا كما المرغمون!."
عاد إلى المنزل وفي نفسه بعض السعادة لأنه سيراها..
وعندما التقت العيون لبرهة، ما سكنت أن خفضت أرضًا وكلًّا منهما قد وضع يده فوق قلبه تلبية لتحية السلام..
أمه دائمآ ما تخبره أنها تستدعيها لتساعدها في بعض أمور المنزل، لكنه يعلم أنها تخطط لتزويجه منها، ولو كان يملك الإختيار لأختارها، لكن في أمور الوطن لا يملك المرء حق الإختيار، إنه الوطن الذي لا يجب أن يملك معه منافس آخر..قال وعيناه معلقة أرضًا:
_كيف حالكِ إيليا؟
أجابت والخجل قد احتجز من وجهها مكانًا:
_بخير والحمد لله.. كيف حالك أنت؟
أيخبرها أن حاله يصبح أفضل حينما يلقاها، حينما يسمع صوتها، حينما يتخيل للحظة أنه لو كان يملك الإختيار لربما كان يعيش معها الآن وحولهما يلعب طفلٌ أو اثنان!
لكنه يشعر بل شبه يعلم أن عمره قصير، الحلم الذي يتكرر كثيرًا والمهمة التي سيقومون بها بعد فترة.. كل تلك الأشياء وشبيهتها دائمآ ما كانت تقف حائلًا بينه وبين أمور الزواج وتكوين عائلة، لهذا دائمآ ما كان يتهرب من والدته كلما فاتحته في تلك الأمور!
أجاب قبل أن يستأذن منها بحجة قضاء أمر ما:
_بخير والحمد لله.. أستاذنك لقضاء بعض الأمور.. خذي راحتك.
أنهى كلماته وذهب وعبست هي كما الأطفال، ربتت والدته على كتفها وقالت:
_لا بأس يا بُنيتي.. سنحاول من جديد!
مرت الأيام الخمس، وجاء اليوم المرتقب، يوم اللقاء..
اِتفقوا أن يقوموا بأداء صلاة الفجر ويتوكلون على الله.
قبل أن يغادر المنزل، قبلّ يد والدته، إحتضنها وطلب منها أن تدعو له، لم يخبرها بالأمر الحقيقي، بل أخبرها أنه ذاهب لعمل جديد..
لكن قلب الأم، حدسها الذي لا يخطئ أبدًا أشعرها أن ثمة أمر ما!
سألته وغصة من الخوف تقف في حلقها، فطمئنها أن لا شيء، أعادت سؤالها مرة وأخرى، وفي كل مرة يجيبها بثباتٍ زائف أقوى من الذي قبله كي لا يبث الخوف إليها!
وأخيرًا تركها ومضى وخلفه وقفت هي تردد سيل من الدعوات.
وصلوا إلى مبتغاهم، تسللوا خفية، أطاحوا بالعدو الأول والثاني، ثم تقسموا لفرق، أحدها ذهب إلى المخزن.. اِستطاعوا الدلوف، أخذوا ما أرادو من الأسلحة، ولكن تأخر أصدقائهم بالخارج في فتح الباب لهم أيكونوا قد قُتلوا؟!
ثوان وانطلق دوي انفجارات وطلق رصاصات في الخارج..
لقد كشف أمرهم، كان عليهم توقع هذا فالأمر ليس بالهين!
أمر باقي فرقته بالعودة من حيث تسللوا مع أخذ بعض الأسلحة
وحينما تم الأمر وخرجوا كان الضرب يزداد..
رفعوا أسلحتهم وراحوا يطلقون بدورهم النيران..
وبعد برهة وجد جهاد نفسه وحيدًا في مكانه كل اللذين كانوا حوله، افترشوا الأرض باجسادهم التي تقطر دمًا.
نفذت خزينة سلاحة، تطلع أرضًا فوجد حجارة مرمية، وراية بلاده ترفرف فوق جسد أحد أصدقائه الشهداء، أخذها ولفها على يده وتناول بعض من الحجارة وعلى مرمى البصر ظهر أحد الجنود، وقبل أن يقترب من جهاد ويتبينه من بين الدخان المتصاعد رماه جهاد بالحجر فاصطدم بعينيه!
وبينما يتعالى صراخ الجندي أحس جهاد بدماء جرح أصاب يده فملئت الراية، هنا تذكر العبوات الناسفة التي ملأ بها جيبه، فأخرجها وعاد للوراء وأخذ يرمي بها الحشود التي كانت تسير في اتجاهه، فأطاح بربعهم ثم بنصفهم ثم بهم كلهم، وفي تلك اللحظة لحق به ما تبقى من الفرق الأخرى ووقفوا صفًا واحدًا، وعندما هدأ الوضع.. تشربت أنظارهم جثث الأعداء الملقية أرضًا..
اِرتسمت فرحة النصر على وجوههم، حمله أصدقائه ومضوا يسيرون به ويرددون:
_"عاش البطل.. عاشت إيلياء "
إبتسم وهو يردد في داخله:
_سيظل الوطن بخير طالما في داخلنا ينبت الوفاء.. الحب.. الإنتماء، سيبقى ذو هوية طالما أننا شرفاء.. شرفاء لم نتحالف مع العدو ولم نتخلى عن القضية..
تمت بحمد الله
