زهرتي البرية
ارتجف جفنيها بينما تشعر
بأن هناك ضوء يخترق عيونها… حاولت النهوض إلا انه خانها جسدها .... نظرت حولها في محاولة
للتركيز وتثبيت تلك الصور المتداخلة أمام عينيها.... إلا أنها صدمت حين علمت...
إنها بالقصر... مجددا بالقصر....
جلست هيلين بغرفتها المستأجرة بذلك المنزل المتهالك تفكر ... لم تكن تظن أنها بيوم ما قد تثبر اغوار هذا القصر المهيب المنعزل بأطراف المدينة... منذ أن جاءت إلى تلك المدينة لاستكمال دراستها الجامعية لتحقيق حلم الطفولة وتصبح صحفية مخضرمة تأتي بالأحداث والقصص من فم السبع كما يقال.... وهي تنظر إلى سور ذلك القصر المهيب... تفكر كم مر من الزمن لترتسم تلك تجاعيد على أسواره وأشجاره... تشعر بأن عمر أشجار الصنوبر الضخمة الظاهرة من خلف الأسوار قد يساوي أضعاف أضعاف عمرها.... جلست على فراشها الصغير تنظر إلى تلك الدعوة بيدها في حين كان يزداد بريق عينيها حينما تذكرت بداية شغفها بذلك القصر ....
تذكرت حينما وقفت هي وصديقاتها بالدراسة يلتهمون البوظة بشراهة وينظرون إلى برجي المراقبة بداخل القصر بنهايتهما المخروطية..... ليقطع صمتهم اتحداهم قائلة
- ترى هل حقا ذلك قصر الجميلة والوحش كما تقول بائعة الخضروات؟
انتبهت هيلين لما تقوله صديقتها إلينا في حين ظلت على حالها تلتهم البوظة وعينيها متسعة في انتظار تكملة الحوار حينما نطقت ماريا صديقتهما الثالثة بضع كلمات غير واضحة تماما حيث كانت مهتمة أكثر بالتهام البوظة الباردة لكنها كانت الي حد ما واضحة
- هل تعني تلك السيدة الخرفة بجانب سكننا؟!
أومأت إلينا موافقة فقهقهت ماريا ضاحكة على تلك الأساطير الخرافية التي تطلق على ذلك القصر... فتارة يقال انه ملعون ومرتع للاشباح حيث لا يرى أحدا بداخله أو بالقرب منه ودائما ما تكون بوابته مغلقه حتى صدئت أقفالها...
و تارة أخرى يقال انه قصر يسكنه وحش في انتظار الجميلة لتفك سحره... أقاويل كثيرة وقصص لا تنتهي عن هذا القصر...
مرت أيام وكلما مرت بالقرب من طريق القصر المهجور تحملق بتفاصيله .... و بيوم جافاها النوم ولم تجد له سبيلا فما كان منها إلا أنها عكفت على محاضراتها تحفظ كل تفاصيلهم... حتى جاء الصباح الباكر....
ارتدت ملابسها و قررت أن تبكر بنزولها عن موعدها اليومي... و بالطبع ظلت وقت لا بأس به منتظرة الحافلة لكن كان الوقت لازال باكرا جدا.... لذا قررت أن تغير مخططها اليومي وتمضي بطريقها إلى جامعتها سيرا على الأقدام...
ومرورا بطريق ذلك القصر... تمهلت في خطواتها تحدق بأشجار الصنوبر خاصته... دققت النظر قليلا ببوابته الحديدية الصدئة.... ولكن اتسعت عيونها لرؤية شيء ما.... شخص.... هناك شخص يتحرك داخل تلك الحديقة....
نظرت حولها يمينا ويسارا تحاول رؤية أحدا ما فلم تجد غيرها.... نظرت مجددا إلى القصر وبخطوات بطيئة تخطت تلك المسافة الصغيرة بينها وبين أسوار القصر لتقف أمامه مباشرة....
وقفت أمام تلك البوابة الكبيرة تدقق النظر لقد اختفى ذلك الرجل...
مر عدد من ألوان وهي تبحث عنه بنظرها بينما كان يطرق ذهنها سؤال واحد هل ما رأته حقيقة؟! هل للقصر سكان؟
وكان جواب سؤالها هو رؤية رجل كهل غاضب حد القتل يفصل بينها وبينه تلك البوابه كل ما يصدر عنه هو صراخ حاد بصوته المشوب بكثير من سعال العجائز وتلويح بيده يفيد بأنه يجب أن تغادر فغير مرحب بالزوار هنا.... كان يمسك بيده الأخرى جارفة أوراق شجر... لمعت عيونها فرحا أن هناك شخص ما تسأله ثم تنحنحت قائلة
- اعتذر جدي على تطفلي لكن أنا أحب مظهر القصر جدا وعجبت كثيرا لوجود احد يسكنه… هلهل يمكنني الدخول للتحدث معك قليلا؟
لم تجد جوابا على كلامها غير صمت مطبق.... لم تجد موافقة ولا رفضا لطبها فلا اجبرها على المغادرة بالتهليل والصراخ ولا رحب بها وبسؤالها.... حسبته لم يسمع شيء منها فعادت تسأله مجددا....
كانت حدقتيه رمادية كهله تحدقا بها بطريقة غريبة... عيونه تلمع و قد ارتعش بؤبؤي عينيه ولم ينطق ببنت شفه.... رفرفت أهدابها وتنحنحت ولم تجد بدا غير أنها تلوح له وهي تبتعد عن القصر....
مرت أيامها بسلاسة بعد ذلك الموقف.. ايام عاديه بلا أحداث غير المعتاد إلا أنها لم تكن بكامل تركيزها... عقلها مشتت بسبب عيون كهله رمادية تظهر لها بكل مكان بتلك النظرات الغريبة خاصته...
إلى أن جاء يوم ووقعت بفخ نسجته لنفسها.... حيث قامت بتسجيل مشروعها وهو عبارة عن معرفه و كتابه قصة هذا القصر المهجور.....
كم لعنت غبائها لليال كثيرة حينما كانت تقف على أعتاب هذا المنزل في محاولة يائسة أن تجد ذلك العجوز مرة أخرى إلا أنها تقابل الفراغ يوميا.... فتارة تحاول تسلق جدران القصر لتقع على مؤخرتها مثل الصبية الأشقياء.. و تارة أخرى تحاول فتح تلك البوابة اللعينة فيأتيها كائن ما مثل الغضنفر إلا انه نوع من أنواع الكلاب الشرسة فيقوم بالنباح والنباح لطردها ... باءت كل محاولاتها لاختراق هذا الحصن بفشل منقطع النظير.....
وبليلة وكانت قد وصلت لقمة يأسها سمعت طرقات خفيفة على بابها.... خلعت نظارة القراءة خاصتها بريبه وهى تنظر إلى عقارب الساعة المشيرة إلى منتصف الليل.... اقتربت من الباب وهي تسال
- من؟
لم يأتها رد لسؤالها فكررته مرة أخرى ليظهر الجواب في هيئة ظرف مغلق بحرص تسلل من أسفل الباب إلى قدميها.... انحنت تلتقطه رفعت حاجبيها في انبهار باناقة و جودته أنيق للغاية بلونه الأبيض اللامع بينما يتوسطه رسمه لزهرة بنفسجية غاية بالجمال....
فتحت الباب بحرص تنظر من بالخارج لتقابل الفراغ… اغلقته مرة أخرى ثم امسكت الظرف برفق وفتحته لتجد دعوة... دعوة لدخول القصر في زيارة رسميه لمقابلة سيد القصر.....
نظرت إلى التاريخ مرارا وتكرارا انه اليوم في الساعة السادسة صباحا!!! أي شخص قد يقابل أحدا ما بهذا الوقت....
جلست على فراشها حتى بزغ الفجر.... تنظر فقط إلى تلك الدعوة الغريبة... دعوة أنيقة وكأنها تبعث لوزير ما تنبعث رائحة زهور عطرة منها مكتوبة بخط يد أنيق و كأنها يد رسام تفنن بحرفته لسنين... غابت بدوامات ذكرياتها لعدد لا بأس منه من الساعات حتى انتفضت وهي تصرخ
- الوقت يا الهي
وبسرعة مدهشة كانت في كامل أناقتها... و بعد وقت قصير كانت تقف أمام تلك البوابة مجددا لكنها الآن مفتوحة على مصراعيها تستقبلها بكل هدوء ورقي.... في حين لم يكن هناك أي بشري يقف باستقبالها... ترددت قليلا ونظرت بكل اتجاه فلم تر أحدا...
بخطوات مترددة دخلت إلى القصر بهدوء ظلت تمشي وتمشي بين الأشجار بتلك الحديقة الواسعة تحاول الوصول إلى المبنى الرئيسي...
وفجأة سمعت صوت تلك البوابة يغلق.... نظرت خلفها بسرعة وهى تشهق بشدة لترى ذلك العجوز يقف أمام البوابة هو وكلبه الشرس وقد أغلقها تماما بالأقفال.... لا تعلم لما هبط قلبها بقدمها بتلك اللحظة... شعرت وكأنما احتجزت هنا للأبد...
بعد قليل من الوقت وصلت أخيرا إلى القصر... و مع أولى خطواتها شعرت بقشعريرة تجتاح جسدها بأكمله... تلك العتمة المحيطة بالمكان و الصمت الرهيب حتى أن لخطواتها بذلك الحذاء ذو الكعب العال صدى صوت شق ذلك السكون....
إلا أنها شعرت بدفء في هذا المكان... ألفه ما اجتاحتها وطمأنت قلبها قليلا في حين انتفضت حين سمعت صوت خشن من خلفها يقول
- مرحبا بك
التفت هيلين خلفها لترى تلك المرأة العجوز بظهرها المستقيم…
تشعر بشئ غريب تجاهها لغة جسدها خطواتها الرشيق و تلك الوقفه المستقيمة لا تخص سيده عجوز خط الشيب علامات بوجهها…
ابتسمت هيلين وهي تنحني لها تحييها بكل احترام .... وبعد قليل من الوقت كانت تجلس هيلين باستقامة على ذلك الكرسي العتيق بالحجرة الرئيسية بالقصر ترتشف ذلك المشروب اللذيذ لا تعرف ما هو إلا انه تنبعث منه رائحة زهور جميلة للغاية... نظرت إلى تلك المرأة التي لم تنبث ببنت شفة منذ أن رحبت بها وهنا تنحنحت هيلين قائله
- سيدتي أريد أن اسأل بعض الأسئلة... من بعد إذنك أريد كتابه قصتك أنت وهذا القصر
- لكنها ليست مالكة القصر لتقص لك عنه شيء...
انتفضت هيلين اثر تلك الجملة وذلك الصوت الذكوري القوى.... و التفت لترى رجل اقل ما يقال عنه انه وسيم... تنبعث منه الرجولة لتجذب إليه اقوي وأجمل النساء.... رفرفت أهدابها قليلا وهي تتنحنح وتبتسم بلطف له إلا أن ابتسامتها ذهبت إدراج الرياح حتى لمحت عيناه المظلمة.... كان يمسك عصا ليتبين طريقه فلا نور بعينيه يهديه...
جلس الرجل أمامها وكان رد الفعل تلك السيدة العجوز هو أن انحنت له قائلة
- لقد أتممت مهمتي سيدي أتمنى لك السعادة....
ظلت هيلين تسال نفسها عن أي سعادة تتحدث تلك وما بال ذلك الأسلوب إلا أنها نحت التفكير جانبا فما تراه وستراه أعجب بالتأكيد...
مر وقت قليل وهو يجلس وكأنه ينظر إلى تلك الزهور البنفسجية خارج النافذة دون أن يتحدث....
- اليوم الأول من شهر ديسمبر البارد. بيوم ما بهذا الوقت كان يمتلئ قصري بالزوار لمشاهدة أشجار الصنوبر المخروطية الخضراء في بداية زينتها بحبيبات الثلج المتناثرة كالألماس اللامع، بينما كان الجميع يقف فارغ ألفاه بسعادة غامرة أمام تلك الشجيرات العتيقة كنت أنا أقف بابتسامة هادئة مطمئنة أنظر بزهو لتلك الزهور الصغيرة... زهور الزنبق بلونها البنفسجي تحارب وتناضل بهذا المناخ القاسي لمعظم الزهور لتظل هي صامدة بوجه الثلوج... كلما ازداد الوضع سوءا كانت تزداد هي قوة تجمع بين الجمال والرقي... والقوة.... تلك هي زهرتي البرية، كانت ولازالت تلك هي مفضلتي ... كنت اجلس لفترات طويلة أمتع ناظري بجمالها... لكن الآن لا استطيع ... لا استطيع سوى لمسها و تخيل لونها البهي وطلتها الجميلة القوية وسط الثلوج بالشتاء القارص...
ابتسمت هيلين وأخرجت دفترها بسرعة تسجل كل حرف سمع صوت الأوراق فابتسم الرجل قائلا
- مجتهدة جدا... حسنا أيتها المجتهدة أنا السيد بارك مالك هذا القصر... ورثته من عائلتي توارثه أبى عند جدي عن جده... عمر عائلتنا قد يقارب قرنين أو ثلاث لا أتذكر حقا...
- حسنا سيد بارك هل لي أن اسأل ما اسم القصر فلا احد يعلم اسمه حتى الآن
ابتسم السيد بارك وقال
- الزهور البرية....
- ماذا؟!
- اسمه قصر الزهور البرية.... انه يحتوى على مجموعه مميزة للغاية من الزهور البرية... لكن أحبهم لقلبي هي زهور الزنبق أتعلمي لماذا؟
صمتت هيلين في حين استكمل ذلك الرجل قائلا
- ذلك العناد الخاص بها وقوتها تخطف لبي دائما... مثلك....
ابتسمت هيلين وقد شابت وجنتيها الحمرة ثم قالت
- مثلي؟ّ كيف؟!!
- بالطبع فلقد ثابرت لكثير من الأيام للحصول على تلك المقابلة وها قد حصلت عليها هنيئا لك...
ابتسمت هيلين وهي تمسك القلم خاصتها بإحكام تنتظر كل حرف يقوله كي تسجله...
- لا تستعجلي الأمور كثيرا هيلين لن تكن أخر مرة تأتي إلى هنا ونتحدث لا تقلقي...
- شكرا لك سيدي لكرمك أود أن اعرف لم أصبح ذلك القصر مهجور؟ اعتذر عن اللفظ لكن هكذا يقال عنه
اتسعت ابتسامته قليلا وقال
- لا داعي فهو مهجور بالفعل... لقد هجرته صاحبته منذ زمن لذا هو بذلك الشكل....
- الم تقل انك صاحب القصر سيدي؟
- اجل أنا صاحبه لكن كان هناك من يقاسمني به وهى زوجتي.... هجرته وهجرتني منذ أن فقدت بصري... كانت هي مثل الزنبق في حياتي.... ذات وجه جميل ورائحة حلوة وعناد لا يضاهيه شيء... قوية لا تقتلها كلمه ولا نظره .... إلا أنها لم تكن بها صفه أساسية من صفات الزهور...
- ما هي سيدي
- الوفاء.... الزهور والأشجار دائما ما تكن وفيه لتلك الأرض التي غذتها وذلك المزارع الذي رعاها وسقاها إلا أنها لم تكن كذلك.... وحينما هجرتنا زوجتي الجميلة... هنا حلت اللعنة على ذلك القصر المهجور كما تسمونه....
ابتلعت هيلين ريقها بصعوبة و هي تشعر بالأسى على ذلك الرجل الوسيم المبتسم بمرارة...
مر الوقت و هما يتحدثان عن عمر القصر وتاريخيه وحفلاته و لم تشعر أن الليل قد حل بالفعل...
انحنت له بأدب جم وقالت
- سيدي يجب أن أعود الآن إلى منزلي أطلت عليك كثيرا وأنت استضفتني بكل ترحاب أتمنى أن أراك مرة أخرى كما أشرت لي سابقا
- لا تقلقي ستريني كثيرا هيلين ليلا ونهارا....
ابتسمت هيلين وهى لا تفقه معنى كلامه و رحلت.....
انتهت ذكرياتها وهى بغرفتها المستأجرة حين سمعت صوت طرقات على بابها.... ألقت بنظاراتها جانبها وهى تفتح الباب بعفوية تامة بذلك الوقت المتأخر من الليل فما كان إلا ذلك البستاني العجوز الخاص بالقصر.... إلا انه اصغر قليلا عما كان... كيف أصبح ظهره بتلك الاستقامة وشيب وتجاعيد أقل....
فاقت هيلين من تحديقها على صوته المبحوح الخال من السعال
- مرحبا بك سيدتي حان موعد دخولك للقصر....
- ماذا؟ الآن؟!!! ثم إنني كنت بالفعل بالقصر صباحا وأنت من استقبلني و ... لم تحدق بي هكذا؟
- حان وقت عودتك سيدتي...
لم تشعر هيلين بشيء بعد أن قام بتكميمها بشدة....
ارتجف جفنيها بينما تشعر بأن هناك ضوء يخترق عيونها… حاولت النهوض إلا انه خانها جسدها .... نظرت حولها في محاولة للتركيز وتثبيت تلك الصور المتداخلة أمام عينيها.... إلا أنها صدمت حين علمت... إنها بالقصر... مجددا بالقصر....
- الم اقل لك إنني سأراك مجددا ليلا ونهارا أمام ناظري...
نظرت له بخوف وهي تقول
- أرجوك سيد بارك أنا لم الفعل شيء خاطئ…
ابتسم قليلا بينما يقول
- بالطبع لم تفعلي عزيزتي لو كنت فعلت لما كان اختارك القصر...
- اختارني ماذا؟
- بالطبع فالقصر هو من يختار صاحبته وسيدته.... أي زوجتي.... و اليوم هو عرسنا عزيزتي...
- ماذا؟ هل فقدت عقلك؟!
تبخرت تلك البسمه ليحل مكانها الوجوم وهو يقوب
- لا يجوز مخاطبة الزوج بتلك الطريقة هيلين.... آه ليت زوجتي السابقة كانت هنا لتلقنك كيف تكون المعاملة الطيبة إلا أنها رحلت صباح اليوم أنت رايتها صباحا أليس كذلك؟
كان اتساع حدقتيها وفكها المتدلي هو ردها الوحيد على هذا الهراء.... عن أي زوجة يتحدث؟ لا افهم أي شيء....
اقترب منها بينما يبتسم وقد امتدت يده قليلا في الهواء حتى وصلت إلى كتفها ليربت عليه ويقول
- استعدى يا عروسي فأمامنا ليال طويلة وأحداث كثيرة أتوق إليها معك قبل أن تشيبي مثل زوجتي الراحلة.... يا زهرتي البرية....
تمت بحمد الله..
