ديچاڤو
لقد خمدت نيران المدينة بعد ارضاء قلبها الرقيق !
في هذا الوقت الباكر من الصباح والذي اعتدت دومًا الاستيقاظ فيه على أمل أن تعود لي أحلامي المسلوبة كل يوم ولكنها مضت، تعلقت بصاحبها حتى تخلى عنها، حملتها الرياح فكادت أن تجزم أنها رحلت من فرط حزنها.. لم تترك الرياح بابًا إلا وطرقته، توزع أحلامًا وتنادي بأعلى صوتها "أحلامٌ يا سادة؟، إنها للبيع أيضًا وليست للتمني فقط" اتجهت فورًا للمطبخ لأنعش أفكاري لكي لا أسلم نفسي لها.
أفضل القهوة بالحليب دومًا فلقد أحببت ما بينهما من امتزاج وكيف للأبيض والأسود أن يكونا تلك اللوحة التي تبعدك عن تعب الحياة وتنقلك إلى عالم لا يوجد فيه سوى أنت والكوب تتلذذ به، قبل أن أنهي الكوب تنهدت وقلت: لو كل الوقت التي أشعر به راحة، فقط راحة مثلما أفعل الآن، لا أريد أن أكون أنانية، الأمر يستحق لبعض المعاناة أيضًا للوصول إلى المراد ثم فقدانه..
حملت سلة التفاح بعد تنهيدة ورائها مئات المعاني من التعاسة.
أقف أمام عتب الباب لأواجه أشد مخاوفي كل يوم، لا أسلم من حديث الناس عندنا في القرية، أنا أيضًا لا أعيرهم أية اهتمام، لكن كلامهم يجعل الحجر الصلب ينطق.
في كل مرة أعود فيها إلى البيت بعد يوم شاق في المزرعة حاملة معي التفاح
وأثر نظرة الناس عليّ
وعيوبي الجديدة المصنفة منهم، أفرزها كما أفرز التفاح لتنقيتها وأعلقها أمامي لأنظر إليها كل يوم، أعطيها ابتسامة بلهاء لأكتسب منها نظرة ثقة في نفسي..
خرجت الآن من منزلي حتى تخطيته بمنزل، في كل مرة كنت أخرج فيها للخارج لا أرى أحدًا يلقي لي التحية إلا عندما رأتني سيدة عجوز يظهر على شكلها اللطف من ابتسامتها لا أدري ربما تتغير تلك البسمة يومًا لتصبح مثلهم، تتغير مشاعر البشر من موقف، ابتسامة، ولحظة، لا يمكنني اظهار عفويتي كل ذلك الوقت سأتعامل بطبعي العادي إن حدثتني..
لم تنتهِ من حديثها للتو حتى وجدت السيدة العجوز تبتسم لها: صباح الخير أيتها الجميلة، أيمكنني مرافقتك؟
لورين: صباح الخير يا جدة، يمكنك ذلك إن أردتي في أي وقت.
السيدة العجوز: أنا جديدة هنا في القرية ولا أعرف أحدًا، رأيتك تسيرين فأردت مرافقتك، كما أيضًا لاحظتكِ تسكنين جواري، صدفة سعيدة حقًا.
لورين: حقًا؟ كما أن لو حلمي تحقق بكونك جارتي لطالما تمنيت جيرانًا في مثل لطفكِ.
السيدة العجوز : ولهذا السبب أدعوكي لتناول الغداء وتناول الشاي معي اليوم.
لورين: اسمحي لي لا يمكن أن تكوني جديدة هنا وتضيفيني عندك، اجعليها عندي هذه المرة.
السيدة العجوز: هذه المرة فقط لأجلك.
لورين: سأذهب إلى المزرعة الآن أنهي بعض الأعمال في حين أنه يمكنكِ التعرف على أهل القرية هنا.
أنهت لورين حديثها مع السيدة العجوز وتركتها تكتشف القرية حتى تتعود على الناس فيها..
أرادت سارة الخروج للعب مع رفاقها في القرية عند التلّة الصغيرة فذهبت للاستئذان من لورين لكي تسمح لها.
سارة: أريد الذهاب للعب قليلًا، تسمحين ليه؟
لورين: يمكنك الانتظار قليلًا، لا أشعر بالراحة قلبي يخبرني بأن ثمة شيء ما سيحدث، ابقي هنا معي بأمان لدقائق.
سارة: أرجوكي سيتروكنني ويذهبون.
لورين: أرجوكي أنتِ، إن تركوكي سآتي معكِ إليهم، انتظري قليلًا.
تذمرت سارة بسبب رفض أختها لطلبها وبدأت قدماها تتخبط بالأرض، لا تعلم أن ما تشعر به الأخت الكبرى تتجاها لهو حب وخوف مما تشعر بأن يحدث، بدأت سارة في الانسحاب والخروج من الباب لفعل ما تريد، لم تشعر لورين باختفاء سارة حتى فُزعت من سماع الصوت في الخارج.
ذهبت لورين نحو الباب لتجد سارة ملقاة أمام سيارة غارقة في دمها، لم تسيطر لورين على نفسها ولا تدري ما كانت أن تفعل، جرت نحو أختها وهي تتكلم والدموع تنهمر من عينيها: ألم أخبركِ يا سارة أن تنتظري قليلًا؟! كنت سأتركك تذهبين، الآن ذهبتي مني للأبد من سيعيدك ليه الآن؟!
لا تمزحي معي الآن، أعلم أنكِ ستنهضين، سأحملك هيا يا سارة، قومي معي..
ربما لو كنت أعلم، كنت سأمنحك العناق الأخير لأشبع منكِ قبل أن تغادريني هكذا..
أعتقد أن هذا السبب كافٍ لقتلي، موت أختي كان أولى مراحل موتي بالبطئ، رحلت ورحل جزء ما بداخلي معها
يمر ذلك الشريط كل يوم في عقل لورين، كل يوم تفقد الاحساس بأنها ليس لديها القدر الكافي من الطاقة لمسايرة حياتها، مرحلة إعادة شحن البطارية قد نفذت..
تحدث لورين نفسها وهي ذاهبة للمزرعة بهذا الكلام كل يوم، أظن لو كانت الأشجار تتحرك لعانقتها لمواساتها في كل مرة تتذكر هذا اليوم...لا بأس اليوم فلقد اعتدت على هذا، عشرة أعوام وأظن أنني في حلم، إنها الآن في أمان بعيدًا عن كل شيء موحش قد كان سيصيبها..
وصلت إلى المزرعة جمعت تفاحاتي لأعد التحلية لي وللسيدة العجوز وللأطفال وسا...
تنهدت قليلًا وكادت أن تبكي: أظن أنه كفى لهذا، لقد أخذ مني عمرًا كاملًا لتخطيه مازلت ألفظ اسمها في كل مرة ولم أنساها، إنها معي حتمًا ولن تغيب..
في حين وصولها المنزل أعدت غداءً لذيذًا من أطباق الأرز واللحم والبطاطس فكان يناسبها وللسيدة العجوز وتركت الفطائر تبرد عند النافذة
انتظرت العجوز حتى تأتي..
صوت جرس الباب في الخارج يعلن اقامة الأفراح عند مجئ طارقه اليوم.
لورين: حسنًا، آتية.
فتحت لورين الباب ثم ابتسمت، لقد هلّ العيد حتمًا.
افتقدتك كثيرًا، بالأجمع افتقدناك.
شعرت أن جرس الباب يرقص حين قرَعته.
سامي: غبت كثيرًا عن كل هذا الدفئ، فببعدي عن هنا أشعر أن العالم كله قاسٍ ببرده علي.
لن تغيب عن هنا ثانيةً، أعدك.
فقد نفذت إجراءات المزرعة وهي الآن مِلكٌ لنا، أعتقد أنها مفاجأة سعيدة كنت أخبؤها لحين قدومك.
سامي: تمزحين؟ لن أسافر مجددًا وسأبقى هنا معكِ؟
لورين: معنا، أنظر لقد ظهر بطني، شهورٌ قليلة ونزداد قلبًا جديدًا، ستشرفنا لورين الصغيرة.
سامي: أكاد من فرط سعادتي أن أحلق حقيقةً.
لورين: يُصاحب مجيئك كل خير يا عزيزي.
سامي: بمناسبة تلك الأخبار السعيدة، انظري لقد اشتريت لكي فستانًا كان يعجبك، رأيتك تسألين صاحبة البوتيك عنه، فقد أوصيتها أن تخبرك أنه صغير عليكي ولن يأتي مقاسك، حجزته من وقت تلك المدة لكي يكون هديتك وقت مجيئي هنا، ها هو ارتديه الآن سنذهب للعشاء في الخارج.
لورين: لا أستطيع حقًا أن أعبر عن مدى حبي لك، كان كل شيء في فوضى من دونك حتى سكنت أضلعك، باتت روحي في سكون.
أخذت الفستان وفي قلبي فرحة عامرة برجوع سامي وأنه سيبقى هنا بجواري، أدركت تمامًا معنى الونس في وجوده شعرت في غيابه بعدم وجود سقف لبيتنا.
تجهزت للذهاب كان سامي قد سبقني وأنتهى من تجهيزه.
انتظرني في الخارج، عندما رآني لمعت عيناه وكأنه يقول "أن الجمال إذ عرف لورين ستمحى كلمة الجمال من قواميس الكون وستصبح للأبد لورين"، فكرة دافئة أن تلمع عيناه من أجلي.
تنهدت لورين قليلًا: ربما أود أن تعود تلك الليلة مرة أخرى لكن كنا سنأكل في المنزل، لقد حدث أمامي مشهد كنت أقارب على تخطيه، لقد عشته وقتها كل عدد من الأعوام تذبل روحي بفقدها بجزء بداخلها الآن فقدته كله، لم يبقَ لي أحد..
السيدة العجوز: لقد كانت ابتسامتك ظاهرة الآن وكأن الليلة عيد، ماذا حدث؟!
لورين: كما حدث منذ أعوام، حادث موت أختي.
سامي: مهلًا علي الاتصال بالمطعم لأؤكد الحجز، انتظريني هنا في السيارة.
لورين: حتمًا سنحظى بوقتٍ رائع سويًا.
أدار سامي وجهه ليبلغ المطعم أنه على وصول، وأنهى حديثه معهم، وما ترى عينك سوى النور.
كل المشاهد تكررت، كرهت الخروج من المنزل حين إذن لم أُرد الذهاب إلى المستشفى، فقدت ابنتي وزوجي.
أصبت بحالة من الصدمة قدموا لي جميع الأدوية والمهدئات، لم أكن أحتاج إلى الأدوية ولا الحَقن كنت فقط أحتاج إلى العناق، لم يصدقوني حينما قلت لهم علاج الصدمات العناق، العناق من سامي يخبرني أني سأكون على ما يرام، لم أرى سامي ولم أحظى بعناقه حتى..
مازلت أفتقد شعور الاحساس بالطمئنينة، دعوتي لكِ ذكرتني بتلك الليلة، أنا حتمًا لم أنساها لقد مرّت ذكراها الآن
ليست بصدفة أبدًا أن تكوني معي الآن، كي لا أقضي اليوم وحدي، لا أدري ماذا كان سيحدث لي إذا لم تكوني هنا..
نظرت لورين للسيدة العجوز وجدتها تبكي.
لورين: ما بكِ يا جدتي؟ ، آسفة حقًا لبكائك لم أقصد فعلًا
السيدة العجوز: لا عليكِ عزيزتي، كنت أتهرب أيضًا من ذكرى وفاة ولدي، لذلك كنت أدعوكي على الغداء
اتضح الأمر أن المرء منا عندما يريد أن يُذهب الانشغال بأحزانه يشغلها بقضاء الوقت مع شخص آخر لا مع نفسه.
وجدتُ فيكي بمجرد النظر لوجهك الهدوء والسماحة، أعتقد أن عليكِ أن تهدئي الآن
فتحت السيدة العجوز ذراعيها للورين و عانقتها حتى هدأت.
ظلت السيدة العجوز تربط على كتف لورين كأنها تُنيم ابنتها الصغيرة حتى غلبهما النوم.
استيقظت لورين ووجدت نفسها نائمة في حضن السيدة العجوز أحست بالطمأنينة أكثر، وقامت وقبلتها على رأسها
“لقد خمدت نيران المدينة بعد ارضاء قلبها الرقيق "
لاحظت لورين في رقبة تلك السيدة أنها ترتدي عِقدًا ذهبيًا يحمل نفس شكل العِقد الذي ترتديه.
لورين: عقدك جميل يا جدة، يشبه خاصتي.
السيدة العجوز: لقد جلبه ليه ابني قبل أن ينزل إلى سفره يأتي ليه بعد كل إجازة هدية.
لورين: زوجي أيضًا من جلبه ليه.
أدارت السيدة العجوز ظهرها، فوقعت صورة للورين على الأرض
جلبتها ووضعتها على الأريكة حتى تجمع الزجاج الساقط منها.
لمحت السيدة العجوز الصورة وكانت الملامح قريبة جدًا لها
السيدة العجوز: سامي؟!
لورين: أين سامي؟!
السيدة العجوز: هذا سامي ابني!!
لورين: ابنك؟ إنه زوجي، لابد إنك قد أخطأتِ
السيدة العجوز: ابني ليس متزوج، إنه يذهب لرحلات للعمل، لم يخبرني أنه متزوج.
لورين: هذا زوجي أقسم لكِ، قسيمة الزواج بالداخل أجلبها لكِ؟
السيدة العجوز: أنتِ؟
أنتِ السبب على الحال الذي أنا عليه الآن
لورين: ماذا تقولين؟
السيدة العجوز: أخبرني زملاؤه أنه توفي بسبب امرأة.
لورين: لقد قصصت عليكِ الحكاية لقد كنتُ سأموت مع زوجي الذي تدعوه ابنك، لمَ سأقتل زوجي؟!
السيدة العجوز: لا أعرف لماذا في نيتك الانكار، تريدين الاستيلاء على ماله.
لورين: مال من؟ يا جدة انه زوجي.
استيلاء على مال زوجي، جُننت أنا!.
السيدة العجوز: سأبلغ الشرطة حتى تبحث في هذه القضية ومعي دلائل الآن.
لورين: سأتصل بالمشفى، أعتقد أنه المكان المناسب التي تريدين الذهاب إليه.
"الأحضان دائمًا لا تكذب، لا أجد من يمنح عناق يؤذي، لماذا اختلفت القاعدة الآن!!"
تمت بحمد الله...
