سديم
لقد سئمت الجلوس وحدي هنا، ألا يوجد من كل تلك الآناس؛ من يجلس معي ونتشارك سويًا الحديث، لقد سئمت عمل كوب واحد من القهوة، ألن أقم بعمل أكثر من كوب ذات يوم؟
كذلك أنتِ يا عزيزتي، أبقى لساعاتٍ أقصُ عليكِ الكثير من الحكايات؛ فتُجيبينني بالصمت، أوه، معذرةً نسيت أنكِ دُمية، مُجرد دُمية حمقاء لن ترد عليّ أبدًا.
أحتاج لدفتري وقلمي، لا أمتلك رفقاء غيرهُم.
أكتب لكم من ثنايا الحزن؛ وطيّات الألم، أُلملم فُتات قلبي؛ وأدسه بين الحروف، أملًا بأن تضُمهم الكلمات وتُلحمهم، حروف كل منها على حِدا، ترى الألف والباء جمب بعدهما البعض؛ ولكن تُفرق بينهم مسافة ما، إن الحروف ذاتها تُعاني من الوحدة ووجود المسافات، فكيف لنا ألا نُعاني منها نحن البشر أيضًا، إن كل منا يمتلك ما يجعله أكثر أنشغالًا عن أحبائه، وأحيانًا ما يجعله مشغولًا انشغالًا كُليًّا، وأحيانًا ما يجعله أكثر عُنفٍ وجَفا، لا يصح أن يُكافئ الشخص ذا الطباع الحسنة؛ بقلبٍ معدوم؛ ومشاعر يعتريها الجفا.
كذلك الكلمات لم يعُد لها نفعًا، بل أصبحت أكثر ضررٍ وأكثر ألمٍ، لا أظن أن ثمانية وعشرون حرفًا أصبحوا قادرين على سرد ما بداخل الإنسان من حِطام.
أحدق بالأشيّاء والأشخاص بصمتٍ تام، تارة أرى الآناس ذو طباع حسنة، وتارة آخرى آراهم ذو طباع سيئة فظة..
"قطع صوت خافت ينبعث من هاتف سديم؛ كلماتِها، فتوقفت عن الكِتابة ورفعت عيناها ببطئ شديد لترى من المُتصل، أتصال هاتفي من أميليا"..
-مرحبًا سديم، كيف حالك، كنت أود فقط أن..
=مرحبًا أميليا، أتمنى أن تكوني بخير،قبل أن تتحدثي، أعدت النظر ثانية، أعلم أنكِ قومتي بالتسخيف من مشاعري بغير قصد، وأعلم أنكِ آسفة، وأرى أنه لا بأس أن أصفح لكِ عم بدر منكِ، فحينما كنت أشكو لكِ جزء مما يسكن قلبي، قومتي بالصراخ بوجهي وأنتِ تُرددين لقد سئمت سماع نحيبك الدائم، لقد سئمت سماع كل هذا الحزن، أذهبي وقصي تلك الكلمات السخيفة على شخص آخر، فأنا لا أمتلك الوقت الكافي لسماع ذاك الهُراء، وداعًا، رددتي تلك الكلمات وذهبتي، لكن آثرها لم يذهب أبدًا، وظلت تتردد على آذُناي عِدة ليالي، لا تقلقي فأنا لم أحزن، ولم أشعر بماء النار ينزلق على قلبي، لم أشعر أنني قد تم بتر جُزء من روحي، لم أشعر بشيء على الإطلاق، لم أشعر بشيء يا أميليا أبدًا، قد شعرت فقط بالخيبة والوَهن يا أميليا، أتعرفين شعور الخيبة سئ لأي حد؟
أنا قد شعرت بشيء سئ للغاية؛ لا أقوى على وصفه، لن أسامحك على فعلتك أبدًا، كما لن اسامحك أبدًا على كوني لن أستطع الثقة بشخص آخر، وداعًا.
"نظرت سديم لم فعلته، والشجاعة التي أتسمت بها، كانت تشعُر بالأنتصار لعدم أستسلامها ومسامحة أميليا مِثل كل مرة، جيد أن تُدقن الدرس، وتتعلم من أخطاء الماضي"
"لحظات وقطع شعور أنتصارها صوت صراخ"
-سديييييييم، أين أنتِ أيتها الغبيّة؟
=يا ويلي، هل كانت تنقص تلك المرأة، المتعجرفة، لقد هلكت من تعنيفها الزائد لي على كل شيء، أتمنى أن أستيقظ ذات يوم على فكرة صوت غير الصراخ، ألا يستحق الإنسان أن يعيش بسلام لمدة بضع دقائق فقط، أتمنى لو كانت أمي هُنا، لقد اشتقت لعناقها ولنصائحها التي لا تنتهي، حقًا إن أمي أفضل أمرأة رايتها بحياتي، بل لا يوجد امرأه غيرها من الأساس.
- يا لكِ من بلهاء أيتها الفتاة الساذجة، تتركينني أنادي عليكِ هكذا دون أن تأتي، حين يأتي والدك سأخبره بما تفعلين، أعتقد أنك تشتاقين لصفعة على وجهك مثل التي حظيتي بها أمس.
=ها أنا آتية، كنت فقط أنجز بعض المهام.
وبصوت خافت بدأت بالقول: ما المشكلة إن عاش كل رجل تتوفى زوجته على ذكراها، لمّ لا ينظرون لأولادهم ويختارون لهم قبل أن يختاروا لأنفسهم، إن الأولاد لا تستحق أن تُعاقب على خطأ والِداها، بل يستحقون أن يُعاملوا مُعاملة تليق بطفولتهم، لا يستحقون أبدًا أن يُعنفوا طيّلة الوقت.
=صباح الخيّر زوجة أبي، ها أنا قد أتيت ما الذي عليّا فعله الآن؟
-أذهبي إلى الخارج وقومي بجمع المحصول، ولا تتأخرين فأنا أعلم أنكِ مثل الثلاجة في برودتها، هيا أغربي عن وجهي.
"ذهبت سديم إلى الخارج تمشي مترنحة، ليت ما بداخلها من ألم يُمكن أن يُجمع مثلما يُجمع المحصول، ليتها تستطيع أن تقابل شخص واحد على الأقل يُشبهها، ما رأته طيلة حياتها يجعلها أكثر نضوجًا، ولكن النضوج هذا يُصاحبه الكثير من الخيبات، تبحث عن شيء واحد، شيء واحد على الأقل يبث بها الأمل ويجعلها مُفعمه بالحياة مثلما كانت، أن الوّجع صار يغزوها، والغزو جميعه أصبح مصنوع من الوجع"
أنتهت سديم من جمع المحصول وعندما كانت في طريق الرجعه، وجدت شيء غريب مُستدير ذا ضوء شديد تنزعج منه العين، الفضول كاد أن يقتلها، تريد أن تعلم من أين يأتي ذلك الضوء، ظلت تقترب منه، وكلما كانت تقترب له، كلما أختفى، إلى أن أختفى كُليًا وما عاد موجود، ظلت تبحث وتنظر هنا وهناك بحثًا عنه.
لحظات ثم سمعت صوت ذا نبرة رقيقة جدًا يقول لها: أتبعي ما يُحسسك به قلبك، فهو دائمًا من سيقوضك للصواب، أغمضي عيناكِ، وحاولي أن تذهبي لمّ يقودك قلبك تجاهه.
ظلت سديم تمشي وراء ما تشعر به، وعندما كانت تشعر بالإرهاق وتتوقف، تسمع ذلك الصوت نفسه يقول لها هيّا أكملي لقد تبقى القليل، فتُكمل مسرعة.
=ألا يكفي هذا لقد تعبت، لا أعرف ما الذي أفكر به، أركض وراء شيء من الخيال وأعلم أنه سيرهقني عدم كونه حقيقية، كعادتي أبحث عمّ يرهقني، أنا... ما هذا، من أنتم ولمّ أشكالكم غريبة هكذا، أحجامكم وتفاصيل وجهكم، عل أنتم من الأنس أم أنتم من الجآن؟
-أهدأي يا فتاة لن نخبرك أي شيء قبل أن تأتي معنا إلى قريتنا، ولن نأخذك إلى هناك قبل أن نتأكد من حُسن خُلقك، نحن نعلم عنكِ الكثير، ونعلم ما تحملينه بداخلك، ولهذا قد تم أختيارك اليوم، هل تودين الأنضمام إلينا؟
=نعم، ولكن أريد أن أفهم أولًا.
-قولت لكِ، لن نخبرك أي شيء، قبل أن تأتي معنا.
=حسنًا، أوافق، ولكن هل يمكننا ألا نتأخر، إن زوجة أبي تنتظرني ولن تغفر لي تأخري.
-لن ترجعي إلى هنا ثانية يا عزيزتي، سنأخذك لعالمنا، حيث لا أناس أشرار هناك، أصعدي لتلك المركبة وقومي بأغماض أعيونك، ستستيقظي في الوقت المُناسب.
"غرقت سديم بنوم عميق، لا تعلم ما الذي ينتظرها، أرادت فقط أن تتخلص من كل تلك الآلام التي تشعر بِها"
-هيا يا فتاة أستيقظي قد وصلنا، مرحبًا بكِ بالقرية البيضاء، أنا أُدعي العم "شيلا" حيث كل ما يوجد هنا أبيض اللون، لن تجدي لون آخر غير الأبيض، الملابس، الحدائق، الوجوه، وكذلك القلوب، هنا لا يأذي أحد غيره أبدًا، إن كنتِ بمكشلة ما ستجدين الكثير هنا للمساعدة، بل وستجدين أيضًا من يضع نفسه بالمشكلة مكانك، هذا إن وجدت المشاكل، إن قريتنا خالية من المشاكل، وهذا لأن أهلها لا يحملون بقلبهم ضغينة تجاه أي شخص أو أي شيء، أهلًا بكِ بيننا، ستبقين واحدة مننا من اليوم، ولكن أحذري، أهل القرية البيضاء؛ لا يرحبون بالمشاكل بينهم أبدًا، لا يرحبون بالحزن، لا يرحبون بالكره، لا يرحبون بمّ هو سئ أبدًا.
= لا تقلق، عم شيلا، فأنا عشت طوال عمري أتمنى لو أن أعيش بسلام، وها قد حقق الله لي ما اتمناه، لن ألطخ ذاك البياض الناصع، بسواد كاتم.
مرّت الأيام، ومر معها كل ما هو سئ، تشعر سديم بالسعادة بالقرية البيضاء، لكن هناك شعور ما يجتاحها، تشعر دائمًا أن هناك شيء خاطئ، كيف يوجد كائنات تحمل ذاك الكم من الطباع الحسنة، وكأن كل الحب نُزع من قلوب الآناس، ووزع بالتساوي على أهل تلك القرية، تُحبهم ولكن تشعر بأنها غير متأقلمة معهم ومع ما يقدموه من أشياء جميلة ورائعة.
-صباح الخير يا سديم، جلبت لكِ بعض الطعام، لقد شعرت أنكِ جائعة، فقدمت إلى هنا فورًا، هيا تفضلي وكلي جيدًا.
=ولكني لم أطلب، أستظلوا تحققون كل مالا أطلبه هكذا؟
-ليس كل ما نحتاجه يمكن أن نُطالب به، هناك الكثير بداخلنا نحتاجه ولا نستطيع الإفصاح لأحد عنه، ونحن نعلم هذا جيدًا.
=لا أريد شيء، ولا أريد أن تفعلوا معي هذا، هيا أخرج من هنا.
ثم غلقت الباب وبدأت بالقول: أنا لا أعلم ما خطب تلك القرية وأهلها، ولا أعلم لماذا أشعر أنني أريد إذائهم، ألم أعش كيلو حياتي أتمنى أن أحظى بشخص واحد فقط يشبهني، لمّ الآن وبعدما حظيت بقرية كاملة، أشعر أنني أنا السيئة وأنا التي لا أشبههم، لا أعتقد أنني سأفعل ما يريدونه، فقد كنت دائمًا افعل للناس ما يريدونه، ولا افعل ما أريد أنا، تلك المرة سأختار نفسي، وسأختار ما أريد، لم أشارك معهم بالحرب؛ لكن ردائي لُطخ بِدماءهم.
لقد سئمت شُرب السُم؛ بدلًا من أن أكون صانعته، سئمت كوني حمل؛ بدلًا من أن أكون قاتله، سئمت أخذ دور الضحيّة، بدًلا من أن أكون الجانية.
اليوم سأقتل تلك القرية السخيفة، من يملكون ذاك القلب الطاهر النقي؛ لا يستحقون أن يعيشون مع تلك الآناس الوحشية.
سمعها أحد من أبناء القرية، ركض مسرعًا ليخبر العم شيلا، وحين وصل قص على العم ما سمعه.
رد عليه العم: أأنت واثق من ذاك الكلام؟
قال: نعم يا عم شيلا، قد سمعتها بأذناي، يمكنك أن تأتي معي وترى بعينك، فهي الآن تصنع مشروبًاوضعت به سائل غريب لتسقيه للقرية كلها.
ذهبوا جميعًا إلى هناك ووجدوا سديم تصنع المشروب، دخل العم شيلا وقال لها: ما الذي تفعلينه يا سديم، أيُكافئ الصواب بالشر؟
ردت سديم: أنظر يا عم شيلا، عشت حياتي كلها أرى الشر داخل أعيون الناس، فأكذب ما رأيته وأكمل وأنا أصدق أنهم لا يكنون لي غير الحب، إن الآناس جميعّا كانوا بحياتي يشبهون السائحين، يتجولون، ويشاهدون ما يريدون، ومن ثم يذهبون ويرجعون من حيث أتوا، قد كان قلبي دائمًا محطة للألم؛ وقطارات السعادة لا تصف به أبدًا، لقد رأيت نظرات كره داخل أعيونهم بينما كنت أضمد جراحهم، أنتم هنا معودون على كل ما هو جيد، لن تفهموا ما أقوله وإن فهمتم، فلن تشعروا بمّ أشعُر به.
العم شيلا: لا يجب أن نُبرر أخطاءنا بأخطاء غيّرنا.
لن نستطيع أن نبقيكِ معنا، كما لن نستطيع أن نُرجعك من حيث أتيتِ، سنُرسلك لقرية تعيشين بمُفردك بها، نعتقد أن هذا أفضل حل على الإطلاق، الخطأ كان من عندنا، لا يصح أن نثق بالغرباء من لا نعرفهم، أذهبي ولتكملي حياتك بمفردك دون أي حد، لا أهل القرية البيّضاء، ولا أهل المكان التي أتيتي منه.
"ها قد تم أستقبال خيبة جديدة، بخسائر أكثر، كنت أعتقد أنني لا أمتلك شيء على الإطلاق، بينما كنت أمتلك القليل، والآن أنا حقًا لا أمتلك شيء، سواء أكان جيد أم سئ، سأبقى بمفردي هنا لا أرى أحد، ولا أحد يراني، لا أؤذي أحد، ولا أحد يؤذيني، لا أعلم ما الذي سأقابله، ولا أعلم ما الذي سأمر به، لكن كل ما أعلمه أنني قد تعلمت الكثير وأعتقد أن هذا يكفيني".
تمت بحمد الله
