إدريس
عندما يسكن قلب العربي غجرية
رجل ذو هيبة بين قومه كيف يصبح بين يوم وليلة .. مسحور ؟؟
مجرد أضحوكة بين الجميع .. هكذا رأته هي .. في حين رأها هو عالمه الضائع !!
امرأة لعوب كما يراها الجميع لم يرقى لها اشتعال قلب الشاعر حباً ..
تخلى ذا مساء عن رداء الوقار ليمسك بين يديه عوداً يعزف به ويعزفه .. حتى الكلمات أنذلقت من بين شفتاه دون أرادته
كان مثال لقول " كيف يصبح رجلاً مسار للتسلية بين القوم بعدما كانوا يخشونهُ ".
حطت بجماعتها على تلك الأرض القاحلة معظمها، كما هو الحال منذ تم تشريدهم، ينتقلون هنا وهناك حتى يصلوا ارضاً ليعيش فيهم من يعيش بها ويرحل منهم من يكمل الرحلة ..
بهية الحسن غامضة المحيا
جذابة للقلب قبل العين
جمال فتاك غير رحيم
كلما تكحلت عينيها
شابت الخصل اكثر من شيبها
ان القلب العليل شُفى على يديها
وذلك التيه الذي كان اصبح كان
الرجل المهيب اصبح طفل لحوح
والعزة التي تفاخر بها اضحت سراب
والسعي للثراء اصبح كل الحلم لها
قلم يكتب ولا يتمكن من وصفها
ولسان يفقد ثباته حينما تبصرها العين
كلمنا الطير والسحاب ليصل لها شوقنا المتوقد
توسلنا الثرى والاحياء قبل الاموات ليتوسطوا لنا عند قلبها الحاقد
فلتعطي فقط نظرات ازدراء يكفينا او لتلوي ذلك الفم اللاذع بأستهزاء لنظنها ابتسامة
فقط لترضى حينها سأظن القدر كافئني بالكثير
وانا الذي لدي الكثير فلا يغنيني عنها
وهي التي لا تملك سوى سحر فتاك اختطف قلبي اسفل اناملها تزهد حُبي!!
إدريس السلطاني
" عام 1440 ميلادياً "
يصف الشعراء الاقوام المهاجرة كالسرب من تجمعهم معاً كالطير المسافر ... إلا هؤلاء القوم فقد كانوا يشبهون النهر من الأجساد التي تطوف على الأرض بتناغم ... قوماً ضاحكون رغم وقوع ذلك البلاء لكنهم يسيرون وهم يتراقصون كأنما الارض كلها حفلة وهم فقط المدعوون،
لكنهم عند نقطة معينة أنقسموا دون كلمات وداع ... وكانت هي من بين الراحلين نحو جبل شيخا دار ... كانت تنظر للخلف نحو بقية قومها المغادرون للأبد فهي لن تراهم ... وكيف للعوائل ان تفرقوا لأجل البحث عن موطن جديد غير ذلك الذي تشردوا منه كالحشرات,,
قبل ذلك الوقت بيومين ..
فتاة صغيرة تمت عامها السادس، فحينما كانت تنتظر الاحتفال ها هي ترى بعينيها وتحيا بذلك العمر الصغير كل معانى التشريد، ذلك الوقت الذي يصبح فيه بيتك بين ليلة وضحاها بقايا وحطام فيدعس المعتدين بأقدامهم على ثيابك المحترقة، وحتى الصراخ في تلك الحالة سوف ينبه المعتدي لوجودك، ولكن ذلك ما لم تعلمه تلك الصغيرة الصاخبة، فدفعت ثمن مرحها غالياً!!!
ضوضاء في كل مكان بقلب قريتهم .. والجميع يركض بهلع هنا وهناك دون ادراك لتلك المصيبة التي تحدث .. من حيث لا يدري احد هاجمهم بعض المعتدين ..
في اخر ضواحي قبيلة غجر الزُط,,
خيمة ضخمة اناسب كبير القبيلة، كانت تركض الصغيرة بها بأنطلاق غير واعيه بما يحدث بالخارج، كانت تقفز خارج الخيمة حتى وقفت متجمدة وهي تنظر لكل ذلك الدمار حولها، لتطلق صرختها المفجوعة وهي تركض نحو الخيمة، فلم تتم حركتها حتى وجدت يد غاشمة تمسكها من خاصرها وترفعها لأعلى لتنظر باكية نحو صاحب اليد، لتجده يبتسم لها بشر واسنانه المفقوده تصنع لوحة من الفزع في مخيلتها،
لتصرخ منادية على أبيها بأعلى صوت : أبي!!!!!
لتأتي الاجابة بضربة على رأس المعتدي من يد والدتها لتسقط هي من بين يديه، كانت تنظر نحو أمها بفزع بعينها الذهبية التى استحالت لبركة من الدموع، لتتمسك بها أمها بين احضانها بقوة، لتركض كلتاهما بعيداً عن كل ذلك الدمار، لم تكاد تتحرك حتى شعرت بتراخي يد أمها فجأة لتنظر بجوارها بتسأل لتجد ذلك المعتدي طعن والدتها وهو ينظر لها والشرار يتطاير من عينيه،
لتصرخ بوجهها والدتها : أركضي مائسة لا تتوقفي ... استمري لا تنظري خلفك ابداً
لتنظر بصدمة نحو وجه والدتها الذي انخفض كمن فارقت الحياة، وترفع وجهها الصغير نحو الواقف بهلع، لتبدأ بالركض وهي تنظر نحو كل الجثث المترامية حولها بخوف تود لو تجد والدها، لم تكد تناديه حتى وجدت جسده الغارق بدمائه امامها لتسقط نحو جسده وهي تصرخ، لتستمع خلفها لصوت اقدام وضحكة خبيثة جعلت بدنها يقشعر : هيا ياصغيرة تعالي معي فالجيمع رحل
لم يكاد يمسك جسدها الصغير، حتى اطلقت صرخة قوية بحت لها صوتها وهي تغزر ذلك الخنجر الذي كان بجسد أبيها بجسد المعتدي، لينظر الاخير نحوها بصدمة وهي تنظر له بذهبيتيها بشر، ما كاد يسقط حتى عادت للركض بعيداً نحو قومها الفاريين ...
تلك الحياة لا تعطى دروسها بالمجان، أما تَفقدْ أو تُفقدْ
🟇
العراق...
في فناء دار شيخ من شيوخ قبيلة البقارة، كان يقف بجوار أبيه حيث اجتمع الجميع لديهم بسبب ما جد على حال البلاد،
سمع صوت ابيه الجهور وهو يوقف الجدال " كفى لا اريد سماع صوت احدكم .. من لن يحترم كلمتي ليرحل الان "
عم الصمت كأن على رؤوسهم الطير، ليتحدث كبيرهم الشيخ سلطان بهدوء " لن يضرنا الغجر ان سكنوا في اطراف قرى المثنى .. هل مجموعة من الغجر سوف يزعزعوا استقرار منطقة كاملة بأهلها "
ليعترضه صوت حاكم مدينة المثني " ولما يتحمل اهل المدينة بعض الهمج المشردين كيف لنا ان نعلم ماهية نواياهم .. او ما الذي اسقطهم علينا الان "
ليضرب الشيخ سلطان عصاه بغضب بأرض المجلس " صه .. لقد اخبرت الجميع ياحارس بما سيحدث من البداية ومن يريد الاعتراض ليرحل .. هؤلاء مجموعة من البشر كما قلت مشردين من اراضيهم بفعل القتل والفاسدين .. الا نمد يد العون لهم الان!! .. ام نصبح مثل الوحوش الذين اقتلعوهم من اراضيهم .. والله الذي اعطانا تلك الارض لن يطرد احدهم ماداموا تلمسوا بنا العون .. وان اعترضت ياحارس فالتخبرني لاعطهم من ارض الله الواسعه غير مدينتك "
ليصمت الحارس وهو يرى نظرات بقية المجلس الساخطة نحوه،
كان ينظر لهيبة ابيه بأنبهار وهو يُمنى نفسه ان يكون مثل ابيه يوما ً.. لكن لم يعلم الصغير ان امنيات الماضي قد تصبح مستحيله او .. بعيدة عن ذاكرته؟؟
مدينة المثنى ...
كانت تنتقل مع خالتها الوحيدة وما تبقى لها من اسرتها، حتى استقرت كلتاهما في احد المنازل بتلك القرية التى نزحوا اليها،
كانت تجلس على الفراش الذي رتبته خالتها بهدوء على غير عادتها، تنظر للأثاث غريب الهيئة والسقف العالي و تلك الستائر الضخمة ذات اللون الترابي والجدران الرماديه المتشققه من رطوبة الاجواء، هي لا ترى كل ذلك هي تنظر للفراغ فتتذكر ماحدث معها خلال تلك الايام الفائتة،
كانت تنظر لابنة اختها بضجر " مائسة تحركي لتساعديني "
لكن لا حياة لمن تنادي، ظلت تناديها حتي اقتربت منها ووقفت امامها فنظرت داخل عينيها وجدت صفاء الذهب داخلهما متعكر كالدماء، فأمسكت كتفي الصغيرة بخشونة وهي تهزها
" يافتاة افيقي .. مائسة مابك؟؟ "
لتنظر فجأة لخالتها التي تحملق بها وهي تتأوه " اه .. خالتي هل هناك شئ حدث!! "
" انا التي تتسأل ياابن القائد مابك منذ وصلنا .. بل من وقت الرحيل " لتجلس جوارها على الفراش وهي تتنهد " ماذا حدث يافتاة "
لم تنطق لم يخرج من فمها اي شارة انها قد سمعتها فقط وجهت نظرها لخالتها، فحتى البكاء لم تكُن قادرة على فعله كأنها فقدت بعض مشاعر البشر الطبيعية،
وخالتها ملت صمتها ولم تبادر بأحتضانها ورحلت كأنما حصلت على ماتريد، لتختم رحيلها
"من الغد سوف تتعلمين عمل الغجريات .. لأنني لن اتحمل نفقاتك "
ليتها صفعتها ألم كان أهون، لا هي تود الصراخ الان، لا بل تريد ذراعي ابيها وقبلات امها، آه كم هما بعيدان الآن ..
1460 ميادياً
وعلى انغام الطبول ورنين الاجراس كانت تتمايل هنا وهناك امام الحشد الضخم، دائماً تطلق عليهم جائعون فقد كانت نظراتهم نحوها نظرت ضباع جياع لو اطلقوهم لنهشوها حتى اخر رمق، في المقابل مع كل تمايل وحركة ترسل ابتسامة افعى للجميع، كوعد لن ينفذ لكن ليستمتع الجميع بذلك الوعد،
لم تكون تحتفظ بصورة احد داخل ذاكرتها ابداً فقط هي تراهم عابثون يمرحون بأموالهم الطائلة، وهي تأخذ من عبثهم مايسد رمقها،
بعد انتهاء الحفل، " ألحان .. انتظري "
لتتشدق وهي ترفع حاجباً " ماذا تريد يا أدونيس .. اسرع انني اريد العودة للمنزل "
ليلتقط الاخير انفاسه " هناك احد الرجال يريدك "
لتنفض شعرها الكحيل للخلف بإباء " قلت لك مئات المرات لا اذهب مع احد .. وان اراد شئ جلست معه لنشرب فقط لا اكثر من ذلك "
لتتحرك دون مبالاه حتى اعترض طريقها كتلة ضخمة من العضلات " وان قلت انني من اريدك ياحلوتي .. صدقيني سوف ارضيكي جداً "
كان شخصه يكفي ان يجعل محياها يشمئز " أزاد .. جد لك عاهرة ترضيك ياعزيزي .. لأن الحان لن تكون لحثالة متبجح .. يترك زوجته ليبحث عن من ترضي نقصه "
ليمسك يدها بعنف " لم تخلق من تقول لأزاد لا يا ألحان "
لتنتفض وهي تنزع يدها منه بغضب " اذن انت لا تعلم من هي ألحان يا أزاد " لتنهي كلماتها بصفعة على وجهه
ما كاد يرد صفعتها حتى امسك يده احدهم صارخاً " تمهل يارجل متى ضربنا نساءاً "
لترد بسخرية " أوه اظنه يتشبه بهم لذلك يضربهم "
لتجد الاخر ينظر نحوها بسخط ثم يعاود تقريع الضخم الغاضب " عد الي بيتك ولا تجعلني اراك تقترب لها "
ليتحرك أزاد " هل الشيخ يعلم ما وصل اليه ابنه الشاعر .. هل تأتي هنا تلاحق الراقصات يا أدريس "
لم يتفضل حتى عليه بالرد بل تركه يهزي وهو راحل، فأزاد لن يتذكر غداً ما قاله فمتى أوخذ على شارب الخمر كلاماً،
انتفض على صوتها القريب وهي تتسأل " هل انت ابن شيخ .. اي شيخ فيهم .. هل انت شاعر حقاً "
لينظر نحوها بتعجب وهو يدقق في محياها، لتصمت وتتعلثم وهي ترى ذلك الفردوس الذي يسكن عينيه ينظر نحوها " ماذا ؟ "
" هل تقابلنا من قبل "
" لا اعتقد .. لكن ان كنت تتردد على تلك الحفلات فبالتأكيد تقابلنا "
ليهز رأسه برفض " لا ليس الان ولا وانتِ بتلك الهيئة "
لتلملم في وقفتها " اعذرني يابن الشيخ لقد تأخرت سوف ارحل "
ما كادت ترحل حتى اوقفها سؤاله " هل للراقصه مبادئ ياغجرية .. ام انك تنتهجين منهجاً جديداً لجذب الناس "
لتبتلع غصة بحلقها وعقلها يجلدها بالذكرى، لتبتعد دون ان تجيبه، ولم تعلم ان الشاعر وقع في اول خطوات الراقصه ..
...................................................................
منذ عشر سنوات من الآن
في سوق مدينة بغداد..
كانت تتحرك هنا وهناك وهي تنظر لكل ملاذات السوق من طعام وملبس، لتتفحص النقود القليلة التي بحوذتها حتى لم تنتبه لخطواتها فأنتشل النقود احد الفتيه وهو يركض بعيداً " لقد اخذت مالك ايتها الغجرية "
لم تتركه يبتعد بل ركضت خلفه بكل طاقتها وبكل غضب حملته داخلها، فوجدت فتى طويل القامة يمسك تلابيب الفتى السارق ذاك " هات النقود ياسليم "
ليصرخ الفتى سليم " اتركني ادريس .. ذلك المال حقي "
ليهزه ادريس بغضب " متى كان المال المسروق حق السارق يابن الامام .. اعد للفتاة نقودها الان "
ليشير لها سليم بسخط " انها غجرية لابد انها سرقتهم "
ليصرخ فيه ادريس " هل رأيتها تسرقهم ؟ .. ام انك تعتقد فقط مادام انها غجرية "
ليخفض سليم رأسه بحرج وهو يمد لإدريس النقود ويركض مبتعداً،
ليشير هو للصغيرة " تفضلي نقودك .. اعتذر بدلا منه هو فتى اهوج لا يفهم شئ "
لتقترب بحذر " شكرا لك "
" ما اسمك ياصغيرة ؟ "
لتتأفأف وهي تحرك شعرها الذهبي للخلف بغرور " لست صغيرة فلقد اتممت اليوم السادس عشر من عمري .. انا مائسة "
ليضحك بدوره على كلماتها وتلك الحركات التي لا تأتي سوى من طفلة " حسناً يامائسة الكبيرة .. ماذا تفعلين في سوق ضخم كهذا بمفردك .. اين ابيك او امك كيف تركوكي هكذا "
لتتغضن ملامحها بحزن " انا ابحث عن رداء جديد لعيد مولدي كما اعتاد ابي ان يفعل لي كل عيد "
ليتفحص ملامحها الحزينة بأضطراب " واين هو ابوكِ "
لتتحول ملامحها لغضب مخيف " قتلوه .. لكنني اخذت بحقه وقتلته بنفس الخنجر لما اتركه حتى مات .. لقد اصبحت ك شجرة عارية بدون ابي .. وحتى خالتي لم تكرمني بشئ بل جعلتني اعمل منذ وصلنا للقرية بالمثنى "
ليتنفس الاخير بصعوبة " ماذا تعملين اذن .. هل تسرقين!!! "
لتنظر نحوه بأدراك وخجل لم تعتده " ماذا افعل لا تنظر نحوي هكذا .. ماذا يفعل الغجر غير السرقة والاحتيال "
" ولما تفعلي مثلهم كوني افضلهم ما المانع .. هل سيعترضك احد "
لترد ساخرة " لقد رفض التجار عملي لديهم .. بحجة انني غجرية اذن انا سارقة محتالة "
ليقرر بصرامة " اذن لن تسرقي من اليوم "
" ومن اين سأكل ياذكي .. ان لم احصل على المال فلن تطعمني خالتي فارهة "
" سوف اعطيكي ما يكفيكي كل اسبوع .. لكن عديني الا تسرقي ابداً مائسة "
" لو وعدتني الا ترحل انت ايضاً إدريس "
وبين وعد منطوق وفعل واجب الحدوث تضيع الكلمات تحت مسمى الظروف
عودة إلى الآن ..
كانت تقترب بخطوات بطيئة نحو البيت، انها تكره تلك الجدران تجعلها تشعر بالوحدة من جديد، فمنذ تزوجت خالتها ورحلت فلم تعد تطيق البقاء هنا وحيدة، كأنه لا يكفيها ان تكن دائماً تشعر بالوحشه لا بل يؤكد البيت ذلك بصرير الابواب وحفيف الستار وصمت الاجواء الذي يحتويه،
لم تكد تدلف للداخل حتى وجدت تلك المرأة التي رحلت منذ سنوات واقفه امامها،
لتنتفض وهي تضع يدها على قلبها بصدمة " ما الذي اعادك يافارهة .. الم ترحلي مع زوجك العتيد "
لتحاول خالتها الاقتراب منها " لقد اشتقت لك يامائسة "
لترفع يدها بازدراء " ما الذي اعادك هنا .. الم ترحلي صارخه انك ستتركين كومة الحثالة هنا والعيش الضنك وتذهبي للثراء .. فما الذي جلبك للحثالة الان "
" لقد تركني زوجي .. وجد فتاة صغيرة تزوجها والقاني كالقمامة "
لتضحك بسخرية " اذن .. اتيت هنا للصغيرة لتنفق عليكي .. اسفه يافارهة سأخيب امالك .. انا لن انفق على مشربك او طعامك .. لتخرجي للسوق لتعملي .. سوف انام لدي يوم طويل غداً لا اريد اي ضجيج "
لتوقفها صارخه " ماذا تظنين نفسك ها .. انت مجرد راقصة وضيعة يلهث الحثالة على رقصها عارية "
لتلتفت بدورها بصمت وهي تمسك يدها وحقيبتها لتفتح باب البيت وتلقيها " لا اريد رؤية وجهك الدميم مره اخرى .. فلا يشرف الراقصة ان تنفق عليك .. عودي ذليلة لزوجك لينفق عليك "
لتغلق الباب بغضب وهي تلهس وتتمتم " كأنما لا يكفيني ما حدث اليوم هذا كثير .. في البداية هذا الداعر ازاد وذلك الهارب ابن الشيوخ والان تلك القمئة فارهة .. يالله كل ما اوده ان انام "
كانت تتجول في الصباح بأرجاء السوق الضخم وهي تتلفح برداء العامة فلا تريد تحديق الناس بها يكفيها ما تمر به،
عند بائع البهار كانت تنتقي مايكفيها، لتستمع لصوت احدهم " كيف حالك ياسليم "
" عوداً كريماً يا إدريس .. متى عدت لم يعلمني احد بعودتك "
ليبتسم الاخير" لم اعد سوى البارحة "
لتتأفأف " اعطني ما اريد ياسليم .. لقد تأخرت "
" حسناً ياحلوتي لا تغضبي .. تفضلي ولا تنسي ان تأتي ف كليلة تشتاقكِ "
" حسناً حسناً .. وداعاً "
لينظر إدريس نحوها بتشويش " من تلك ياسليم لم ارى وجهها "
ليضحك " الم تعلم من هي ذات اللسان السليط .. راقصة الغجر "
" اتلك ألحان ؟؟ "
" لا اصدق غيابك انساك جميع الاحباب "
" من تقصد .. مائسة لقد تغيرت هيئتها كثيراً ولما غيرت اسمها ايضاً "
ليهز سليم رأسه بيأس " لقد حدث الكثير منذ رحيلك ياصديق .. المهم سوف ادعك ترحل لتنال قسطاً من الراحة وفي المساء نجلس سوياً لنتسامر "
اما هي ما كادت تبتعد حتى وصلت لمحل العطور، لتدخل وهي تسلم على البائع " كيف حالك ياعم .. هل وصل المسك ام لا "
" كيف حالك ياصغيرة .. نعم أتى اليوم وتركت ماتريديني بعيداً عن يد الزبائن "
" اخبرتك مراراً ان تتزوجني ولكنك رفضت "
" لا تجعلي خالتك بيداء تسمعنا حتى لا تضربنا بمغرفتها العزيزة "
" لقد اشتقت للخالة .. سلامي لها حتى أتى واراها "
لم تتحرك خطوة للخارج حتى وجدته امامها " مائسة ؟ "
لترفع حاجب بسخط " هل تتسأل ام تنادي .. ام نسيت الطريق ياسليل الشيوخ "
ليرد بسخط مماثل " لا بل اتعجب مما وصل اليه حالك ياسارقة "
لتجيبه صارخه دون مبالاه للماره" فلتسأل ذاتك لما ذلك .. انا من اتعجب لما المرء يعطي لمن معه امل زائف وهو يعلم صعوبة تحقيقه .. او لما نطلق وعوداً يصعب علينا تنفيذها .. اليس في ذلك كذب وسرقة ان تسرق من الناس امل يتعلقون به وبعد ذلك ترحل .. لقد اعتبرت الفتى الذي ساعدني مات .. حتى لا اتألم لكذب لسانه وخديعة وعده لي "
لتتحرك مبتعدة دون انتظار لرده او دفاعه عن نفسه، كأنما استهلكت كل طاقتها بالكلام،
في مساء اليوم ..
كانت يتحرك نحو دار سليم كما تواعدى، فما كان يطرق الباب حتى فتحته ضاحكة غير الوجه الذي صرخ به في الصباح،
لتصدم وهي تدرك الموقف وتبتعد قليلاً سامحه له بالدخول وهي تنادي " سليم صديقك وصل "
ليقترب وهو يصافحه " لا تتأخر ابداً .. هي لنأكل فالعشاء جاهز "
كانت تحاول في ذلك الوقت وضع الطعام دون الالتفات نحوه، لكنها كانت تستشعر عينيه التي تتحرك مع حركاتها، في النهاية ضجرت وصديقتها تبتسم لها في الخفاء،
كان هو سارحاً في عالم لا يحتوي غيرها ليفيق على هزة صديقه " هيا يارجل الطعام سيبرد .. وسوف تقتلنا كليلة ان لم ننهيه "
ليبتسم بالاخير " لا سوف نقضي على كل الطعام .. يكفي الا تغضب زوجة اخي "
لتعلوا ضحكاتهما حتى وصلت لغرفة الجلوس، لتلكزها كليلة " هل تسمعين يافتاة .. اه من صوت الضحكة .. لا اعلم لما غبائك يتحكم بك "
" والله انك الغبيه ياكليلة .. اخبرتك مراراً لقد رحل .. لقد تأملت ان اجد به عوضاً ..بعدما عرض انه يريد خطبتي اختفى ولم يعود او يخبرني شئ بل يأتي بعد سنوات ويتسأل ما الذي حدث .. هل ضربوه على رأسه وفقد ذاكرته .. ام اصبح احمقاً "
لتنظر نحوها بسخط" إن كنت مكانك لركضت نحوه وتبليت عليه بأي مصيبه .. صدقيني والده الشيخ سوف يجعله يتزوجك في وقتها انه يأس منه "
لترن ضحكاتها من غير مبالاة وهي تتمايل " اوه لقد اقنعتني يافتاة "
لتستمع لنحنحه خلفها " اشكرك على الطعام اللذيذ يازوجة اخي .. اعذريني اني راحل الآن "
كانت تقف امامه مصدومه وغارقه بخجلها كأول مره تقابلا بها
لتكمل عليها كليلة في تلك اللحظة " لو تسمح يا إدريس لتوصل مائسة بطريقك فهي سوف ترحل الآن "
كانت تنظر نحو الاثنان ببلاهة، لتسمع اجابته وهو يضحك بعبث" لا لا مشكله تفضلي ياصديقة زوجة اخي الكريم "
لتتحرك من امامهما بغضب، لكن ما كادت تصل للباب حتي اوقفها " إلى اين انتِ راحلة سوف اوصلك للدار "
عندما عبرى عتبت البيت، الا ووقفت امامه وهو يحاول التحدث " دعيني اشرح لك ماحدث "
لتبتسم بكل هدوء " لا يهم .. ما كان ولا يهم ماحدث او كان السبب الذي جعلك تختفي .. لقد حدث كل شئ وانتهي "
لتتركه وترحل نحو البيت بسلاسة كأنه لا يعنيها.
حالما خطت داخل البيت الا وحدثت نفسها وهي تمتم
" اخبرتك من البدايه لا تقع بحبي لن يعجبك الامر انا لست فتاه بريئه كما تعتقد، وتعلم ما هي نتيجة الحاحك واصرارك علي وجودك في حياتي! هي اني سقطت في افخاخ حبك توغلت لجراح قلبي وتمكنت منها جعلتني ساذجة لا تستطيع العيش بدونك..
ولكن الان ايقنت قيمه ذاتي ومن اكون ربما بعد مرور العشرة اعوام وعدم عودتك ولو لمرة كانو كافين لملئ قلبي بكرهك واحتقارك ولكن ذلك لم يحدث مازلت المغفله التي تم هجرها بدون اي مبرر ولكنها تحبك حتي الان ولم تستطع الغفران ومهما حاولت جاهدة لم تنساك ولو للحظة، اسفة لنفسي علي جعلها تقع ضحيه حب كاذب وجعلها تعاني لكن قلبي مازال ينتظرك ربما علي المعاناه لبضع سنوات اخري لعلك تعود لي ربما يغلبك الاشتياق، وبعد كل معاناتي وانتظاري اتذكر شئ واحد فقط انك لم تحبني يوما ولن تعود. "
اية عزيز
اما هو ما كاد يصل لدار الشيخ حتي وجد ابيه ينتظره،
ليبادره القول " وجهك يدل علي ماحدث .. لقد رفضتك الغجرية .. تلك التي كانت سبب رحيلك من البداية .. هل رأيت ياولدي كيف تدور الايام .. ليتركك الهوي الذي تركتنا لأجله "
ليجلس جوار أباه متنهداً " الجميع يدور في حلقة من الظنون .. ذلك يظن وذلك يظن ويقع بينهم سوء الظن .. فيقع الجميع في الخطأ "
ليضرب الشيخ بالعصا في الارض " سوف ترحل مره اخري ياسليل الشيوخ "
ليبتسم " ومتي عدت لأرحل ياابتي .. مادام هوي القلب لم يقبلني فلم أعد حتي الآن"
في حفل السمر ..
كانت تتمايل فوق المسرح العريض وحولها جميع البشر من الرجال بمختلف الأعمار، لم تكُن تراهم تلك المره، كانت تبحث عنه وقلبها يقفز داخله وهي تستشعر بشئ غريب الليلة، كأنه لم يأتي او لم يعد،
اما عنده كان يقف بين الجميع ينظر نحوها بصمت، ينتظر ان تدور عيناها نحوه فقط حينها سوف يكون حصل على سلام الرحيل،
ف نظرت نحوه ونظر إليها، ف أنتهي العرض حينها علم كلاهما ان الوعد الذي نطق منذ سنوات قد أنتهي الآن صلاحيته،
والراحل الذي اعتاد الرحيل لن يعود يوماً.
تمت بحمد الله ..
