وصف المدون

إعلان الرئيسية

أحدث الروايات


شادهافر 

نظر الشادهافر إلى عينيهما مباشرةً وبدأ بالاقتراب منهما بمهابة فحبسا أنفاسهما بترقب! 

مع غروب الشمس وعلى تلةٍ من تلال الأرضِ البعيدة، في بيتٍ من بيوت السُّكان الذين تمسكوا بأراضيهم ولم يرحلوا، كانت تجلسُ أثير البالغة خمسة عشر عامًا تستمعُ إلى والدتها التي كانت تُنهي سردها لقصةٍ ظهرت إثارتها واضحةً للعيان، أنهت الأم حديثها وهي تقول: 
"واختفى بعيدًا في أحراشِ الغابة ولم يرهُ أحد."
فغرت أثير فاهها وهي تنظر إلى الغابة التي لا تبعدُ عن منزلها كثيرًا لكنها تحدُ القرية بأكملها، ثم قالت بتساؤل:
"ماذا لو أنهُ عاد؟"
ابتسمت الأم مجيبةً ابنتها وهي تراها تطرحُ نفس الأسئلةٍ في كل مرةٍ تستمع فيها إلى القصة:
"إذا عاد، سيكون من الجميل رؤيته."
أتاهم صوتٌ مرتفعٌ من داخل الغرفة وقال:
"أتسمعُ آذنكم ما تتفوهون به؟ إنه محضُ أسطورة."
صرخت أثير بعناد:
"ليس كذلك."
أطلَ شابٌ في الثامنة عشرة متوسطُ البنية وهو يمسك بإحدى الملاعق بيده ويشير بها تجاه أثير ثم يقول:
"إذًا أثبتي ذلك."
صمتت أثير بغيظٍ والتفتت إلى والدتها وقالت تسألها النجدة:
"أمِّي!"
ضحكت الأم وقالت تزجر ولدها:
"فيض، توقف عن مضايقة أُختك."
"لكنها أسطورة يا أمي، يجب عليها أن تعلم أنه لا وجود للشادهافر، لا يجبُ أن تتعلق بمخلوقٍ خيالي مثله."
صاحت أثير:
"ليس كذلك."
فُتح الباب ودخل شابٌ يحملُ الخبزَ بيده، ما إن رأته أثير حتى ابتهجت وانطلقت نحوه وهي تطلق ذراعيها للأمام هاتفةً:
"نديم!"
ابتسم نديم لشقيقته الصُغرى وسلم الخُبز لوالدته وجلس على ركبتيه وقال:
_مرحبًا عزيزتي.
اتسعت ابتسامة أثير وقالت:
"مرحبًا بعودتك، نديم"
"أتعلمين ماذا أحضرتُ لكِ؟"
"ألواح الشوكولا؟"
"أجل."
أخرج نديم من جيبِ سترته لوح شوكولا وأعطاه لأثير فشكرته وركضت تُغيظ أخاها فيض الذي كان يساعد والدته في المطبخ ويقلب الطعام على الموقد، فقال:
"إنه يدللكِ كثيرًا."
ابتسم نديم واقترب من والدته يقبل يدها ثم مسحَ على رأس فيض وقال:
"ولماذا لا أفعل؟"
"ستفسدها."
ضحك نديم وغمزَ له وقال:
"لا تقلق، أحضرتُ لك الشوكولا أيضًا."
أطبق فيض على شفتيه يمنع نفسه من الابتسام وتصنعَ عدم الاهتمام.
أعدوا المائدةَ سويًا والتفوا حولها فقالت الأم:
"لا تنسوا أن تسموا الله وتأكلوا بيمناكم."
فعل الجميع كما قيل لهم وبدأوا بتناول الطعام، قال نديم:
"لماذا كان صوتكم عاليًا حين أتيت؟"
أجاب فيض:
"كنتُ أحاول إقناع أثير أن الشادهافر لا شيء سوى أسطورة عربية لا أصلَ له."
نظر نديم إلى أثير التي كانت تضعُ عينها على طبقها وتأكلُ في صمتٍ ثم نظر إلى والدته فابتسمت وقالت:
"كنتُ للتو قد انتهيت من سردِ القصةِ لها."
تنهد نديم بقلة حيلةٍ فهو يعلم مدى حُب أثير لهذه الأسطورة وتعلقها بها منذ الصِغر، ويعلمُ أيضًا أن فيض يحاول فقط أن يبقيها بعيدةً عن ألم فراقِ شيءٍ تعلقت به النفس، قال بهدوء:
"أثير، انظري إلي."
رفعت أثير رأسها إليه فلمعت الدموع بعينها وقالت:
"لا تحاول إقناعي بعدم وجوده، لو كنتَ تؤمن بوجوده لكنت الآن توجه حديثك إلى فيض وليس لي."
نهضت أثير من مقعدها وتوجهت إلى غرفتها، صمت الجميع وهمَّ فيض بالنهوض فقالت الأم:
"أكمل تناول طعامك."
جلس فيض مجددًا وقال:
"لكن..."
ابتسم نديم وقال:
"لا بأس فلتنهي طعامك، سآخذ طعامها إليها."
حمل نديم طعامهما سويًا وتوجه إلى غرفة أثير وطرق بابها لكنها لم تُجبه فناداها بهدوء:
"أثير، أنا نديم، أتيت بالطعام ولا أريده أن يبرُد، لن يكون لذيذًا كما تعلمين."
فتحت أثير الباب وهي تنظرُ إلى نديم بحزنٍ وقد أغرقت الدموع وجهها، ابتسم نديم وقال ملوحًا بلوح الشوكولا بخفة:
"نسيتِ الشوكولا خاصتكِ."
استدارت أثير وجلست على سريرها فتبعها ووضع الطعام بالجوار وقال:
"تعلمين أنه لم يقصد أن يخيب أملك."
نظرت له بحدة:
"ولمَ سيخيب أملي؟"
صمت نديم ومرر أصابعه بخصلات شعره ثم قال:
"أثير، بعض الأمورِ إن لم نضع لها حدًا ستؤلمنا، أنا لا أسحب منكِ الحقَ في التعلقِ بما تريدين، ولكن على الأقل يجب أن تعملي متى تتوقفين عن حبِ شيءٍ ما والتعلق به."
لم تُجبه أثير وإنما أولته ظهرها وتدثرت بالغطاء، تنهد نديم ومد يده يربت على خصلات شعرها وقال:
"سأترك لك الطعام فأنت لم تتناولِ شيئًا."
ما إن خرجَ نديم حتى اعتدلت في فراشها بضجرٍ وقالت تحدث نفسها:
"سوف أثبتُ لكم أنه موجود."
نهضت أثير من فراشها تتذكر كلمات والدتها أن الشادهافر يظهر بليلةِ اكتمال القمر، ركضت لنافذتها تنظرُ إلى البدرَ الأبيضِ الذي ينير منتصف السماء وابتسمت، أمسكت بحقيبتها ووضعت بداخلها لوح الشوكولا وأغلقت نافذتها وآوت إلى السرير وقد رسمت خطتها جيدًا.
جنَ الليلُ وعلى صوتُ البومِ صادرًا من الغابة، قامت أثير بحرصٍ وارتدت ملابسها وأخذت تتسلل على أطراف أصابعها وخرجت من المنزل تحمل هاتفها وحقيبتها وتعدو تجاه الغابة بعزم، ترددت قليلًا عندما وصلت إلى أطراف الغابة ودخلت وهي تسلطُ ضوء هاتفها أمامها بتركيز.
توغلت بالغابة حتى وصلت إلى جدول المياه فابتسمت وهي تتذكر كلمات والدتها أن الشادهافر يتواجدُ بعد الضفة الأخرى من النهر ببضعة أمتار، عادت إلى الخلفِ خطواتٍ قليلةٍ وكادت أن تقفز لكنها جُذبت بشدةٍ إلى الخلف، صرخت بقوةٍ ليقف أمامها فيض مكممًا فمها وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة، نظر لها وأبعد يده وقال:
"ماذا تفعلين هنا؟ هل تعلمين خطورة ما تفعلين؟"
سألته أثير بحنق:
"كيف تبعتني؟"
زفر فيض بضيق وقال:
"أكلُ ما يهمكِ هو كيف تبعتُكِ؟ أتريدين أن أفقدَ صوابي؟ نحن نتوغلُ بالغابة في منتصفِ الليل، إذا أطفئتِ مصباحكِ لن تستطيعي أن تري يدكِ، أتدركين خطورة الأمر؟ ماذا تظنين أنك فاعلة؟ هل تظنين أنك تعاقبينني هكذا؟"
صاحت أثير:
"أنا لا أعاقبك، أنا سوف أجدُ الشادهافر وأثبتُ لك أنه حقيقي."
جُن جنون فيض ومرر أصابعه على قسمات وجهه يستدعي الصبر وقال:
"هل تعرضين نفسكِ للخطرِ لأجل هذا الهراء؟ هل أنتِ حمقاء أو ما شابه؟ الأساطير تبقى أساطيرًا."
قاطعته أثير بصوتٍ مرتفع:
"الأساطير تبقى أساطيرًا حتى يأتي من يثبتُ أنها حقيقة!"
ساد الصمتُ وسمعا حفيفًا يأتي من حولهم، ارتجفَ فكُ فيض بقلقٍ وأمسكَ بيد أثير بتلقائيةٍ وقال بهمس وعيناه تبحثُ عن مصدر الصوت:
"إن لم تريدي أن نلقى حتفنا هنا فاتبعيني بهدوءٍ حتى نخرجَ من هنا."
لم تُجبه أثير فنظر لها بطرف عينه ليجد زوجًا من العيون الحمراء ينظر لهما بتصيُد، سرت القشعريرة بجسده وقال:
"عندما أعدُ لثلاثة، سنركض خارج الغابة، فهمتِ؟"
لم يتلقى ردًا ورآها تنظر للوحشِ وللنهر فعلم ما تفكر به فضغط بشدة على يدها وقال:
"من الأفضلِ أن تتبعي ما أقول ولا تعرضينا للمزيد من المخاطر، أفهمت؟ واحد... اثنان.."
لم تنتظره أثير وانطلقت ركضًا وهي تجرُ فيض من يده ليقفزا بالجدول يتبعهما الوحشُ وهو يقهقع، التفتت أثير للخلف لترى ضوء القمر ينعكس عليه فتتبين فروه البني الغزير وفمه الواسع وأنيابه الحادة... إنه دُب!
غُمرت ملابسهما بالماء وشعرت أثير بالرعب عندما رأته يستمر بمطاردتهما حتى بعد توغلهما في السير في النهر، وصل الماء إلى صدر فيض وكتفي أثير التي كادت أن تشعر بالاختناق، وصلا إلى الضفة الأخرى من النهر ليتراجع الدب مقهقعًا، تمددا على الحشائش يلتقطون أنفاسهم، قال فيض:
"لماذا لا تستمعين إليّ ابدًا؟" 
"لو فعلتُ لكُنا صرعى بالفعل."
سرت نسمات الهواء حولهما فارتجف جسد أثير فقال فيض:
"سأحاول إشعال بعض النيران للتدفئة."
نهض فيض ثم أمسك ببعض الصخور يولد الشرار منهما ويشعل أوراق الأشجار وبعض الأغصان المتساقطة والحشائش سويًا، جلسا حول النار ثم سألت أثير:
"ألن نستطيع العودة للمنزل؟"
نظر لها فيض ثم إلى الضفة الأخرى حيث كان الدب وقال:
"أتمنى أن نتمكن من النجاة أولًا."
قالت أثير بأسف:
"أعتذر عن تسببي لك بالمشاكل."
"لا بأس، أنا شقيقك بعد كل شيء."
التزمت أثير الصمت بينما تساءل فيض:
"إذًا، كيف نجد الشادهافر؟"
لمعت عينا أثير فأكمل فيض مبتسمًا:
"لا باس بمساعدتي، صحيح؟"
تلألأت الدموع بعيني اثير وقالت بتأثر:
"شكرًا لك يا أخي."
"هذا غريب."
انتفض كلا الشقيقان إثر سماعهما للصوت ووقف فيض أمام أثير يحيطها بيده وهو يرى شابًا يملك شعرًا فضيًا طويلًا ويرتدى ملابسًا بيضاء، اقترب منهما بهدوء فتراجعا للخلف، رفع يديه أمامه وقال:
"أعتذر، أنا لا أنوي إيذاء أيٍ منكما."
سال فيض بحذر:
"من أنت؟"
همست أثير لفيض:
"أخي، انظر إلى جبينه."
كان جبين الشاب يزينهُ نقشُ هلالٍ أبيضٍ يلمعُ تحت ضوء القمر، لم يستطع فيض معرفة ما تعنيه أثير، فقال مستنكرًا:
"ما هذا؟"
خرجت أثير من خلف فيض وقالت وهي تقترب من الشاب:
"قرأتُ في إحدى الكُتب، أن هناك حارسًا للشادهافر يحمل نقشًا على جبينه."
حمحم الشاب وقال:
"في الحقيقة، هذه معلومةٌ خاطئة تداولها الناس، أنا لستُ حارسًا، أنا في الواقع مُرافق."
وضعَ يده أسفل ذقنه مفكرًا:
"ولكن في نفس الوقت أنا من حراس الغابة، أهذا يجعلني حارسًا للشادهافر؟"
قال فيض بارتياب:
"ولماذا قد نصدقك؟"
"فيض!"
نادته أثير بلوم، بينما ابتسم الشاب وقال متسائلًا:
"ولماذا قد أكذب؟"
لم يستطع فيض الإجابة عليه فمرر الشاب أصابع يدهُ بين خصلات شعره الفضية الناعمة وقال:
"دعوني أقوم بالتعريف عن نفسي بشكلٍ صحيح، أنا دليل، أحد حراس الغابة، والشادهافر أيضًا، وبإمكانكم القول إنني صديقه ورفيقه الوحيد." 
قالت أثير بابتسامةٍ عريضة:
"وأنا أثير، وأصدق بوجود الشادهافر وأتيت كي أراه وأثبت أنه حقيقي."
ثم أشارت لفيض وتابعت:
"وهو أخي، فيض، ولا يصدق وجود الشادهافر ويقول إنه محض أسطورة."
ابتسم دليل وقال:
"مرحبًا، أثير وفيض."
اتسعت ابتسامة أثير بينما أشاح فيض بوجهه بعيدًا، قال دليل في حيرة:
"حسنًا، أنا متفاجئ قليلًا من وجودكم هنا ولا أعلم ما هو الشيء الصحيح لفعله معكما، خاصةً أن الليل قد أوشك على الانتصاف."
قال فيض سريعًا:
"أعدنا للمنزل بأمان، فلقد كاد دبٌ متوحش أن يلتهمنا."
قالت أثير:
"لا، ليس بعد، لقد أتيتُ لأرى الشادهافر."
انفعلَ فيض وقال صارخًا:
"أتهتمين لمجرد مخلوق أسطوري عوضًا أن تهتمي لأمي وأخي وكيف هم قلقون علينا بالوقت الحالي!"
اغرورقت عينا أثير وأخفضت رأسها وقالت بصراخ:
"ليس الأمر كذلك."
تابع فيض الصراخ:
"إذًا فلتعودي للمنزل وحسب!"
انسكبت دموع أثير وقالت:
"لن أفعل حتى أجد ما أتيت لأجله."
مسحَ فيض على وجه بغيظ، فقال دليل:
"أعتقد أن بإمكاني حل هذه المشكلة."
التفت كلاهما إليه فابتسم وقال:
"أستطيع أخذكما إليه، بما أن البدر مكتملٌ هذه الليلة والرياحُ ليست شديدة، سيكون أكثر هدوءًا."
تنهد فيض وهو ينظر إلى أخته التي لا تزال تبكي مُطأطئة الرأس بحزن فاقتربَ منها وانحنى على ركبتيه وقال:
"أعتذر لأني صرختُ عليكِ، لكنني كنتُ متوترًا للغاية وأرغبُ بالعودة للمنزلِ في أقربِ وقت، أنت تعلمين أن والدتنا لن تتحملَ غيابنا."
نظرت له بأنفٍ محمرٍ وسألت:
"أمازلنا سنعود إلى المنزل؟"
نهض فيض ثم ابتسمَ لها وربتَ على رأسها قائلًا:
"أعتقد أنه سيكون من الإهدار لو أنا عدنا أدراجنا الآن بعد أن قطعنا كل هذا الطريق، صحيح؟"
تهللت أسارير أثير واحتضنت أخاها فابتسم لها بحب وقال:
"أعتقد أنني أصبحت أدللكِ كما يفعل نديم."
ضحكت أثير فقال دليل:
"إذًا هل نبدأ في التحرك؟"
بدأوا في التحرك سويًا بهدوء، بينما كان دليل يوجههم بصبرٍ كي لا يصابوا بأذى، سألته أثير:
"دليل، لما كنتَ متعجبًا عندما رأيتنا؟"
أجاب دليل ولا زال يقود الطريق:
"هذا لأنه لم يأتِ أحدٌ للبحثِ عن شادهافر منذ زمنٍ طويل"
"هل هذا يعني أن هناك من أتوا قبلنا؟"
التفت لها دليل وأجاب:
"بالطبع، كان هناك الكثير ممن يأتون لرؤيته، هذا... حين كان الناس يتذكرونه ويصدقون وجوده."
قاطعه فيض:
"اعذرني ولكن جبينك يتوهج!"
لمس دليل جبينه وقال مبتسمًا:
"هذا دليل أننا اقتربنا."
وصلوا إلى منتصف الغابة، حيث كانت هناك بقعةُ خاليةُ من الأشجار، يسقط فوقها ضوء القمرِ مباشرةً، وتهبُ الرياحُ بسلاسة، كادت أثير أن تتحدث لكن صوتًا كالناي يأتي من خلفهم، التفتت سريعًا لتتسع عيناها بدهشة وتمسك بيد فيض الذي فغرَ فاهه بدهشة حين وقعت عيناه على مخلوقٍ يبلغُ طوله طول شخصٍ بالغ وله ذو قرنٍ عظيم يتشعب منه اثنان وأربعون قرنًا آخرين، تأملوا جسدهُ القوي، ونقشَ الهلال الأبيض المُضيء أعلى خاصرته، كانت الرياح تعبثُ بذيلهُ وشعرِه بهدوءٍ بينما ظل هو رافعًا عُنقه للأعلى بشموخ.
التفت أثير إلى دليل وتأكدت من مطابقة نقش جبينه معه، ابتسم لها دليل واقترب من الشادهافر ومسحَ على عنقهِ فازداد لمعان نقشُ كليهما، نظر الشادهافر إلى عينيهما مباشرةً وبدأ بالاقتراب منهما بمهابة فحبسا أنفاسهما بترقب، انحنى ولمسَ وجه فيض بهدوء ثم تجاوزه ووقف أمام وجه أثير يحدق بعينيها المتلألئة بسرور، أسندَ جبينهُ إلى جبينها فنظرت إلى دليل الذي ابتسم لها وأمأ برأسه مطمئنًا فابتسمت ورفعت يده ووضعتها على عنقه تمسدهُ وقد امتلأت عيناها بالدموع، هبت الرياحُ بقوةٍ أكبر فصدرَ لحنٌ عذبٌ من قرنه، ابتعدَ عنها الشادهافر واستدار متوغلًا في الغابة.
اقترب منهما دليل وقال:
"بماذا تشعران؟"
كان فيض لا يزال غير قادرًا على تصديق ما رآه فتمتم:
"مبهر للغاية!"
ضحك دليل فقالت أثير وهي تمسحُ دموعها:
"هذا أفضلُ شيءٍ حدث لي على الإطلاق!"
ابتسم دليل وربتَ على رأسيهما وقال:
"اسمعوا، أتريدون رؤية شيءٍ أكثر إبهارًا؟"
نظروا له بتساؤل فأخذ بأيديهم وساروا من حيثُ سار الشادهافر ليصلوا إلى صخرةٍ مرتفعةٍ نسبيًا عن الأرض حيث كان الشادهافر يقفُ والبدرُ مكتملٌ خلفه، وفجأةً، ومع هبوب الرياح، رفعَ أطرافه الأمامية عن الأرضِ ثم هوى بحوافرهِ على الصخرة بقوة في مشهدٍ ساحرٍ ومهيب، ازدادت الرياح قوةً وعلى الصوت الموسيقي العذب الصادر من قرن الشادهافر الذي جلسَ على ركبتيه، نظروا حولهم ليجدوا الحيوانات جميعها قد اجتمعت والتفت حول الصخرة تستمعُ لألحانه بهدوء وسكينة فجلسوا أرضًا يستمعون له أيضًا، جلس دليل بينهما مبتسمًا، كان كل شيءٍ ساحرًا، ورغم هيبتهِ إلا أنه كان هادئًا، يملأ النفسَ سلامًا، غفا أثير وفيض على قدمي دليل فربتَ على رأسهمَا مبتسمًا بامتنان، فلم يأتي أحدٌ للبحث عنهم بإيمانٍ هكذا منذ فترةٍ طويلةٍ جدًا.
فتح فيض عينيه ليجد نفسهُ في غرفته وعلى سريره، انتفض ليرى الفجرَ قد أوشك على البزوغ، خرج من غرفته راكضًا تجاه غرفة أثير، طرقها سريعًا ففتحت له بابتسامة وقالت:
"هل استيقظت؟"
"كيفَ عُدنا؟ لقد كان كل هذا حقيقيًا، صحيح؟"
ابتسمت أثير وأمسكت يده ووضعت بها شيئًا ما، تأمله فيض ليجد قلادةً يتدلى منها هلال زجاجي أبيض اللون، فقال:
"أهذا من دليل؟"
أومأت أثير برأسها وقالت:
"وجدتُه بجانبي حين استيقظت."
خرجت إلى الشرفة فتبعها فيض وقال:
"يبدو بأنه أعادنا إلى المنزل بنفسه."
"يبدو ذلك."
ساد الصمت فشدد قبضته على القلادة ونظر لأثير وقال باعتذار:
"أثير، أعتذرُ على السخرية منك سابقًا."
"لا بأس، فأنت لم تكن تعلم أنه حقيقي."
"لا، حتى ولو كنتُ غير متأكدٍ من صحةِ حديثك، أو ما تصدقينه، أو شيءٍ أنتِ متعلقة به، لا ينبغي عليَّ السخرية والتقليل من شأن اهتمامك أو مكانة ذلك الشيء لديك، أنا أعتذر."
ابتسمت أثير وقالت:
"فهمت، أسامحك."
ابتسم فيض وعانق شقيقته ثم ألبسها القلادة، ووقفا سويًا يشهدان شروقَ الشمس بجدائلها الذهبية وهي تمحو سواد الليل ووحدته، وكأنها تقول: "ما تؤمن بِه، سيصبح حقيقة."


تمت بحمد الله...
    

التصنيفات:
تعديل المشاركة
3 تعليقات
إرسال تعليق
  1. الله يبارك فيكِ يا غالية ومن نجاح لنجاح دايما الله يرزقك سعادة الدنيا والآخرة ❤️❤️❤️❤️❤️

    ردحذف
  2. جميله جدا ومتوازنة 🖤
    خيال واسطوره مع الطابع العربي وكلمات مميزه ليها طابع خاص 🖤

    ردحذف

Back to top button