رحلة المجهول
في الصباح الباكر ايقظه محمود لتبدأ مغامراتهم ثم هم بالمغادرة ألا أنه أوقفه ليسأله:
هل سمعت صوتاً بالأمس؟
عن أي صوت تتحدث؟
خيم الحزن بملامحه وسكن عيونه، أطلق لحيته، امتنع عن الذهاب إلى جامعته، هجر الجميع، حاول أصدقائه الوصول إليه ألا أنهم فشلوا في الوصول.
انطفئ بريق عيناه، تلاشت رغبته في الحياة، تبدل حاله بين ليلة وضحاها، فراقها أربك كيانه، زلزل الأرض من تحت قدميه، رنات هاتفه المحمول لم تتوقف، تجاهلها كما تجاهل جميع المحاولات السابقة.
لحظات وعاد رنين هاتفه المحمول مصاحب بطرقات على باب منزله لم تتوقف سمع صوت من الخارج:
نعلم أنك بالداخل، لن نرحل من هنا حتى تفتح هذا الباب وإلا قومنا بكسره.
ايقن أنه لن يستطيع التخلص منهم، قام يجر قدميه المثقلة كما قلبه. فتح الباب ليدلف للداخل أصدقاءه.
كيف حالك طارق لم لا تجيب على اتصالاتنا؟
وكيف يكون حالي بعدما فقدت أغلى ما أملك؟!
أنها إرادة الله يا صديقي ولا حيلة لنا ألا أن نتقبلها ونطلب من الله تخفيفها على قلوبنا أنظر للجانب الآخر لوفاتها فقد رحمها الله من هذا الوحش الكاسر الذي كان ينهش جسدها طوال العام الماضي لازلت أتذكر صوت صراخها.
ترقرقت عيناه بالدموع عندما تذكر وجهها وكيف شحب وهزل جسدها في أواخر أيامها؟، كيف كانت تكتم صرخاتها خوفًا على مشاعره؟ كيف كان يدعي أنه غارقًا في النوم ليمنحها بعض الوقت لتصرخ بما تحمله من ألم؟
أقترح محمود السفر في رحلة للترفيه عنه لمدة يومان، حاول التملص إلا أنهم احكموا الخناق عليه لم يجد سبيل سوى الرضوخ لإلحاحهم، ضب أغراضه وسافر مع أصدقاءه لا يعلم إلى أين وجهتهم لكنه رافقهم.
ساد المرح الأجواء لكن حزنه لم يتبدل، وصلوا لوجهتهم بعد عدة ساعات كانت الشمس أوشكت على المغيب ألا أن المنظر كان غاية في الروعة. جلسوا حول دائرة النار ليستمتعوا بالأكلات البدوية ذات الرائحة الشهية؛ سأله محمود:
ما رأيك بالمكان؟ هل نال رضاك؟
أبدى إعجابه بالمكان فهو في غاية الروعة، إلا أنه شعر بأحاسيس متضاربة ومختلفة منذ وطأته قدماه وكأنه يعرف هذا المكان سابقًا.
توجه الجميع نحو الخيام لنيل قسط من الراحة، فاليوم كان شاق للغاية، تركهم طارق وجلس يتأمل السماء الصافية المرصعة بالنجمات المتلألئة، سمع صوت يأتي من الخلف نظر خلفه فلم يجد أي شيء، ظن أن أحد أصدقاءه يمازحه أو أن الهواء هو المتسبب في هذا الصوت. عاد لتأمله ألا أنه كان يشعر بوجود من يراقبه، جال ببصره في المكان فلم يجد أحد.
دخل خيمته ليحظى ببعض الراحة شعر بوجد أنفاس دافئة جواره فتح عيناه لكنه وجد الخيمة خالية، لحظات وعاد لسباته ليغط في نوم عميق لم يشعر به منذ وفاة والدته وكأنه يشعر بوجودها جواره مرة أخرى.
في الصباح الباكر ايقظه محمود لتبدأ مغامراتهم ثم هم بالمغادرة ألا أنه أوقفه ليسأله:
هل سمعت صوتاً بالأمس؟
عن أي صوت تتحدث؟
أخبره طارق بما حدث بالأمس وأنه سمع صوت وعندما دخل خيمته شعر بأنفاس جواره أجابه بالنفي ثم خرج من الخيمة يسأل أصدقاءه هل شعر أحد بالأمس بما شعر به طارق كانت الإجابات كلها بالنفي.
لحظات وظهر عثمان المسؤول عن المخيم، عندما قابله طارق شعر بانقباض قلبه لكنه أوكل هذا الإحساس لأنه أول مره يقابله وهو يعاني من رهاب الغرباء.
انطلق الجميع نحو الجبال فمنهم من بدأ التسلق لاكتشاف المكان، والتقاط الصور التذكارية للمكان، ومنهم من بدأ اكتشاف الشعب المرجانية. استمتع الجميع بهذه الطبيعة الساحرة. سمع طارق صوت صرخة من بعيد كأنها صرخة استغاثة التفت يبحث عن مصدر الصوت، ليجد عثمان أمامه سأله عن الصوت ألا أنه نفى سماعه لأي صوت، دار طارق حول المكان باحثا عن مصدر الصوت لكنه لم يجد شيء قاربت الشمس على المغيب، فرك رأسه من شدة الأصوات التي يسمعها بداخلها فهو يشعر بشيء مريب يدور من حوله، الكوابيس لا تفارقه وها هي الأصوات القديمة عادت من جديد.
عاد أدراجه للمخيم ليجد القلق يفترس وجوه أصدقاءه ظن أنه غاب لوقت طويل وهذا سبب القلق ألا أنه عندما سألهم أخبروه أن محمود مفقود، تفرق الجميع للبحث عنه فهذه المنطقة تكثر بها الكهوف والجبال
كان البحث عنه كالبحث عن إبرة بداخل كومة من القش، عاد الجميع للمخيم خالي الوفاض ليجدوا محمود مُلقى أرضًا ينزف رأسه دمًا.
هرول الجميع نحوه لنجدته أسرع طارق بإحضار شنطة الإسعافات الأولية وقام بتقطيب جرحه، كانت نظراته مريبة، عيناه تدور بالمكان وكأنها تبحث عن شيء ما، فجأة جحظت عيناه وبدأ صدره في العلو والهبوط ثم همهم بكلمات غير مفهومة وبعدها فقد وعيه. ارتعد جسد طارق وأصدقاءه مما حدث، جال ببصره في المكان فلم يجد ما يلفت الانتباه ألا أنه كان يشعر بتنميل يسري بداخل أوردته، وجسده وكأن هناك شيء ثقيل يرقد فوقه، نفض هذا الشعور من داخله ثم حمل رفيقه ودلف به لداخل الخيمة ليحظى ببعض الراحة.
من داخل كهف مظلم يسمع صرخات محمود، التفت خلفه ليجد الأرض تغور من تحت قدمي صديقه ليسقط داخل بئر من النيران، جبينه يتصبب عرقاً، صوته مكتوم وكأنه فقد قدرته على النطق. شعر بيد تدفعه من الخلف حاول الخلاص من هذه اليد الغاشمة ألا أنها دفعته بقوة ليسقط داخل بئر عميق من النيران.
فتح عيناه وهو يصرخ ليجد نفسه بجانب محمود يفترش الأرض وكل ما حدث كان كابوس ليس ألا.
جس جبين صديقه للاطمئنان عليه فحرارته كانت مرتفعة وجده بخير، نبضه مستقر لكنه مازال في حالة إغماء، خرج من الخيمة لتناول قدح من القهوة بعقل شارد لا يعرف ماذا حدث مع صديقه؟ ما هذا الكابوس؟ يشعر بوجود خطر يحوم حولهم لكنه لا يعرف مصدره ولا يعرف كيف يكون الخلاص منه؟
أخرجه من شروده صوت صرخات محمود، هرول نحو الخيمة لنجدته فالجميع لازالوا نيام، سأله ما به وما سبب هذه الصرخات أخبره أنه رأى كابوس ، حاول طمئنت صديقه ألا أن بداخله غير ذلك، غير مجرى الحوار ليسأله عن سبب اختفاءه بالأمس وكيف حصل على هذا الجرح؟
اتكأ محمود بمرفقه ليسند رأسه التي تألمه، حاول تذكر ما حدث معه بالأمس ليخبره أنه كان يتفقد المكان إذ ببركة ماء صافية وجدها داخل أحد الكهوف كانت مياهها دافئة خلع ثيابه وقرر الاستجمام بها عندما نزل بها شعر بحركة داخل الماء عندما حاول الخروج شعر بيد تجذبه نحو الأعماق وكأن هذه البركة الصغيرة تحولت لبئر لا قرار له المياه تغمره وتفيض حتى أنه كاد أن يغرق ألا أنه تشبث بإحدى الصخور ألا أن المياه دفعته خارجها وكأنها تلفظه فاصطدمت رأسه بالصخرة بعدها فقد الوعي.
اندهش طارق إذا كيف خرجت من هذا الكهف ومن أتى بك إلى هنا؟
لَم يملك محمود إجابة عن هذا السؤال، ولا يتذكر أي شيء أخر؛ طلب طارق منه الاسترخاء حتى يتم شفاءه بينما عقله أضرمت به نيران الحيرة، تُرى ما هذا المكان العجيب؟ من الفاعل؟ كيف وصل محمود لموقع التخييم؟
قرر طارق مراقبة المكان وكل من يسكنه فهو يشعر بالخطر يحوم حوله هو ورفاقه، طلب منهم الحذر وعدم دخول أي كهف خوفًا عليهم بعد ما قَصه محمود بالأمس. وافق الجميع ألا أن ما حدث لم يكن متوقع أثناء جلوسهم حول دائرة النار مساءًا سمع طارق صوت أنثوي يطلب الاستغاثة هرول نحو الصوت ليجد فتاه مغطاه بالدماء الجراح تملأ جسدها تركض في حالة من الهلع ما أن رأت طارق حتى سقطت مغشي عليها.
بدأت التساؤلات والهمهمات بين الجميع ماذا يحدث بهذا المكان؟ من هذه الفتاة، وما هي قصتها؟
قطع كل هذا خروج طارق معلنًا أن الفتاة بخير، لكنها تحتاج للراحة فقط، طلب من الجميع الخلود إلى النوم لأنهم سوف يغادروا هذا المكان غدًا وبدون أي نقاش.
مر الليل طويلا آبيًا الانقشاع ليواجه طارق كل مخاوفه، فكلمات الفتاة أثارت ريبته فهي كانت تنطق باسمه وتحذره من خطر ما، أندهش مما حدث فهو لا يعرفها فكيف عرفت هي أسمه ومما تحذره؟، لمح خيال يمر من أمامه ثم دلف لأحد الكهوف، أسرع طارق يتتبعه فهو يريد معرفة ما يدور بهذا المكان.
كان الكهف مظلم للغاية، حمل مشعل ونفض الخوف من داخله ثم تقدم لاكتشاف هذا الكهف فالفتاه قدمت من نفس هذا الاتجاه ومحمود عندما قص عليه الحادثة التي حدثت له كان من نفس الكهف.
ما أن وطأة قدمه الكهف شعر بوجود أطياف تمر من حوله، رفع المشعل نحو الحائط ليرتعد جسده وتختل حركته فقد رأى عيون تنظر نحوه تراجع للخلف ألا أن جسده أصطدم بجسد أخر، التفت ليتحقق من هذا الجسد ألا أنه فقد وعيه بعدما ضرب على رأسه بعصا قوية سقط أثرها أرضًا.
تململ وهو يشعر بدوار يجتاح رأسه حاول الوقوف ألا أنه كان مقيد بسلاسل وحبال، صرخ عاليا ليطلب النجدة ألا أن فتحة الكهف كانت شبه مغلقة بحجر ضخم، لم يعلم كم مضى من الوقت وهو فاقد الوعى، حاول مرارًا الإفلات من هذه الحبال لكنها كانت محكمة وممتدة إلى الحائط، بعد برهة من الوقت التقطت أذنه وقع أقدام تقترب نحوه صرخ لينجده صاحب الخطوات ليفاجئ بمحمود يحمل بيده خنجر ويقف على رأس الطاولة المقيد طارق بها وهو يتمتم بتعاويذ وكلمات غير مفهومة.
ماذا تفعل يا محمود حِل وثاقي حتى نخرج من هذا المكان الملعون؟
ضحك محمود وهو يجيبه: كيف احل وثاقك و أنا من قمت بذلك؟!
أندهش طارق من كلمات صديقه، فهو لم يبدر منه أي فعل نحوه ليضمر له كل هذا الحقد والشر، لماذا تفعل هذا بي فأنا مثل أخيك؟
أعذرني يا صديقي فلابد من التضحية بدمك حتى يعود سيدي للحياة مرة أخري فأنت المختار من قبله وهذه الرحلة كلها كانت فقط للتضحية بك، هنا كانت ولادتك وهنا ستكون نهايتك فوفاة والدتك كانت خدمة من القدر لنا استطعت استغلالها لكي أحقق هدفي.
وما الفائدة التي ستعود عليك وعلى سيدك من قتلي؟
سوف يعود للحياة مرة أخرى، ليزيد من نسله بين البشر سوف أصبح ساعده الأيمن وسوف يغدق على الأموال لتتبدل أحوالي فأنا مللت هذه العيشة الضنك.
رأى الكثير من التساؤلات بعيونه ليجيبه سوف أخبرك الحقيقة ولكن عليك تقبلها فأنت طفله، والدتك وجدتك بجوار باب منزلها بعدما تركتك والدتك الحقيقية عندما علمت بأن من أحبته وتزوجته كان شيطان أراد فقط ابن له من بشرية ليستطيع زيادة نسله، عندما علمت بذلك تركتك.
عشت عمرك في كنف هذه السيدة وزوجها دون أن يخبراك الحقيقة خشيا عليك من تجريح البشر و وشمك بابن الوحل انتقلا لمدينة أخرى لتحيا كأبن حقيقي لهما، وهنا ضاعت فرصة العثور عليك لأن والدتك كانت لا تفارقك إيمانها القوي وتلاوتها المستمرة للقرآن وتحصينك به كانوا درع الحماية لك ، بعد وفاتها أصبحت المهمة سهلة وبالأخص أن اليوم هو يوم ميلادك الحقيقي وليس كما أخبرك والداك المزيفان، اليوم سوف تخرج نطفة الشر التي ولدت بها والتي خمدت لسنوات اليوم سوف يفتخر والدك بك سوف تزيد نسله بعدما تتبع خطاه؛ أقترب الوقت الميمون عندما يتوسط القمر الأحمر السماء سوف تتم المراسم، وقع كلماته كانت كإعصار تسونامي دمرت كل ما بداخله فبين ليلة وضحاها تبدلت كافة معتقداته ومفاهيمه من عاش العمر يظن أنها والدته ليست والدته وما كان يتشبث بذراعه ليس أبيه.
عاد يتمتم محمود بالتعاويذ التي ألقاها على مسامعه جنود إبليس بدأت المشاعل في التوهج، قاطعه طارق وماذا عن حادثتك ألم يكن هذا الكهف الذي أدعيت أنك تعرضت للهجوم بداخله؟
أخبره أنه من دبر كل هذا ليشتت تفكير الجميع، حتى يستطيع تنفيذ خطته وبعدها يعود لخيمته وكأن شيئًا لم يكن، فلن يشعر أحد بكل هذا فالجميع نيام للأبد بعدما دس السم لهم بوجبة العشاء، بينما الفتاة هي عروسته المنتظرة.
لحظات والتفت حول جسده المسجى العديد من الأطياف يرددون وراء محمود التعاويذ، بدأت عيونه في التحول إلى اللون الأحمر، جسده بدأ يصبغ باللون الأزرق، الألم يجتاح جسده ورأسه وكأن روحه تغادره، بدأت تظهر له قرون صغيرة، فجأة توقف محمود عن ترديد التعاويذ وصرخ من الألم أثر اختراق أله حاده لجسده؛ التفت للخلف ليجد عثمان من فعل به هذا، سقط بعدها صريعًا على الأرض غارقًا في دمه.
حل عثمان وثاقه ليخرجا معًا من الكهف حينها أخبره أنه رأى ختم الشيطان على عنق محمود عندما تعرض للهجوم مما جعله يشك به، وقام بمراقبته ولولا هذا ما كان قد استطاع إنقاذه.
كانت أفكار طارق متخبطة لا يعلم كيف سيواجه المجتمع بعد هذه الحقيقة البشعة؟، ربت عثمان على كتفه
لا تحزن يا طارق مهما حدث أتبع مشاعرك، عش بفطرتك التي قامت والدتك بتربيتك عليها ولا تتبع خطوات الشيطان أنه لك عدو مبين.
تمت بحمد الله
