وصف المدون

إعلان الرئيسية

أحدث الروايات


" انثى الجاثوم "


- احذر بَطش ناحيمه، وإياك أن تغفو - 



" إبراهيم "


كُنت استيقظ مِن نومي على أصوات غريبة لا أعلم مصدرها، وعندما افتح عينيّ لأرى ما يحدُث أجد تلك الكائنات المُرعبة تتجول في غُرفتي، وبالرغم مِن محاولاتي المُتكررة للنهوض والتخلص مِن هذا الكابوس المُرعب إلا أنني أجد نفسي عاجز عن تحريك جسدي الذي تحول إلى لوح خشبي جامد، أحيا في تِلك المدينة التي سماها البعض مدينة اليقظة؛ لصعوبة النوم بها، الرجال هُنا لا ينعمون بغفوة هادئة على عكس النساء، إن أغلقت عينيك فأنت المسؤول عن الأهوال التي ستراها.
انتقلت إلى تلك المدينة بعدما قررت الاستقرار بعيدًا عن أسرتي، كان الجميع في البداية ينظرون لي نظرة تعجب، فكيف لي ترك جميع المُدن واختيار تلك المدينة تحديدًا؟ تعايشتُ مع الأمر حتى وجدتُ عمل لي في ورشة تصليح السيارات، أعود إلى المنزل في الليل لأخلد إلى النوم، بالرغم من أن العمل مُرهق ويحتاج إلى ساعات طويلة إلا أنني كُنت أحبه، فلا أعلم ما الذي سأفعله في المنزل بمفردي أو في تلك المدينة التي لا أعرف أحدًا بها إن لم يكُن لدي عمل، لكن لم أكُن أعلم بأن النوم ممنوع هُنا.
في يوم من الأيام المُمطرة الرعدية عُدت إلى المنزل في الواحدة بعد مُنتصف الليل مُرهق، استمع إلى صوت الرعد والبرق يتخبطان في بعضهما، والأمطار وكأنها تتساقط على أُذناي لا على الأرض، كل ما كُنت أرغب به هو النوم، أغلقت عيناي وما هي إلا دقائق حتى شعرتُ بشيء يتسلق على قدماي ويغرز مخالبهُ في لحمي، فتحت عينيّ ببطء لأجد تلك العجوز الطاعنة في السن لديها أنياب حادة تحاول الوصول إلى عُنقي حتى تخنقني، حاولت التحرك لكن لا فائدة فكأن الدِماء قد سُحبت من جسدي وتخشب، اختفت عندما استعدت وَعيي، استمر الأمر على هذا الحال حتى ظهرت لي في المنام فتاة جميلة تطلب مني الزواج، استيقظت على صوت ضوضاء في غُرفتي لأجد أفعى ضخمة تلتف حول نفسها وكأنها تبحث عن شيء ما وفجأة توقفت ونظرت لي، علمت أنني هذا الشيء الذي تبحث هيّ عنهُ، ثم اختفت.
لم أفهم ما الذي يحدث لي، لكنني علمتُ أن الأمر لا يحدُث لي وحدي، لم تختفي الكوابيس ولم تمر عليّ ليلة هادئة، وما زلتُ أرى تلك الفتاة الجميلة تطلب الزواج مني واستيقظ لأجد جسدي قد شُل وفوقي تلك العجوز تحاول خنقي، حتى انتقلت من تلك المدينة وعُدت إلى منزلي للعيش مع أسرتي، توقف كل شيء من وقتها.
***



" سُليمان " 
أنا من السُكان القُدامى لمدينة اليقظة، كان جدي يُخبرني عن ناحيمه ويُحذرني من بطشها، تلك العجوز التي تتشكل على هيئة فتاة جميلة في المنام وعندما تستيقظ تجدها قد وصلت إلى عُنقك بالفِعل وتقوم بخنقك، هيّ أنثى الجاثوم كما يقول البعض، الجميع يختلف في هذه المدينة لكنهم أجمعوا على أن تلك ما هي إلا جنيّة قد ذُكرت في الفلكلور الشعبي ولأن تلك المدينة رجالها ملعونين تظهر لهم وتمنعهم عن النوم، كما تعددت لدينا حالات وجدنا بها الرجال قد ذهبوا في غيبوبة استمرت لثلاثة شهور وبعدها يتوقفون عن التنفس، أحدهم أستيقظ وقال أنه ذهب للنوم واستمع إلى ضجيج جعله يستيقظ، وعندما فعل وجد جسده مشلولًا بالكامل، كان قادرًا على فتح عينيه، رأى أربعة كائنات غريبة تقف أمام سريره، وفجأة وجد نفسه في مكان آخر غيّر غُرفته ولا يستطيع التحرك، وفجأة ظهر ضوء مِن العدم وقد عادت الدموية تجري في جسده مرة أخرى ووجد زوجته أمامه تبتسم له وتحمد الله على استيقاظه، لا يعلم ما الذي حدث تحديدًا حينها ولكنها معجزة.
ما حدث لي هو أمرًا مختلف فأنا لم أرَ عجوز أو فتاة في منامي، كُنت بدوري مشلول وأكافح نفسي لأتحرك، شعرتُ أن قلبي سينفجر من شدة الرُعب، فتحت عينيّ ببطء لأجد حشرة كبيرة فوقي، وشعرتُ بالكهرباء تسري في جسدي، كان بإمكاني رؤية تلك الكائنات الغريبة التي تقف حول الفِراش وتُحدق بي، كانت أشكالهم مُرعبة للحد الذي لا أستطيع وصفه لك، حتى مرّت خمسة دقائق واختفت الحشرة وعادت الأمور كما في السابق.
الجاثوم في الأساطير هو جنيّ حارس لبوابات العالم الآخر، ولأن وَعينا يكون مستيقظ أثناء النوم فهو يُسافر من مكان لآخر، وسبب حضور الجاثوم هو أننا نذهب للمكان الذي يقوم بحراسته، فيُساعد على شلل الجسد لمدة لا تزيد عن خمسة دقائق حتى يستيقظ وعيك تمامًا ثُم يذهب، لكن ناحيمه هي الأفظع بالفِعل، فهي جنيّة تقوم بفِعل ما تفعل بغرض المُتعة لا أكثر، إن وجدت نفسها تشعر بالملل تقوم باصطياد بعض الرجال وفِعل ما يِفعل الجاثوم لكن بطريقتها الخاصة، لقد مكثت في مدينتنا لقرون، وبسببها يُغادرها السُكان حتى أصبحنا قِله، لا تبتعد عنا الكوابيس ولا نغفو دون أن نشعر بالقلق والخوف، لم نجد طريقة بعد للتصدي لتلك الملعونة سوى الرحيل، ولكن كيف الرحيل عن منازلنا التي مكثنا بها طيلة حياتنا؟
***




" عايدة " 
رغب زوجي -رحمه الله- في الطلاق لأنه أرد أن يكون زوجًا لها، هل تُصدق هذا؟ رغب في الزواج مِن جنيّة قابلته في أحلامه، في البداية ظننت بأنه قد جُن لكنني علمت بأنه على حق عندما ذكر اسمها، إنها ناحيمه التي يتحدث عنها رجال القرية، أخبرته أن يُطلقني حتى تكون على ذمته فهي لا ترغب في أن أكون متواجدة معه، تركت المنزل وذهبت إلى منزل والدتي ومن حينها وهي تأتيني في المنام لتُخبرني بأنها قد سرقت زوجي مِني وستقتله، استيقظ على أصوات مفزعة في الليل، أرى أشياء غريبة تحوم حولي وأسمع صرخات زوجي ترتفع في المكان؛ قررت العودة لمنزلي مرة أخرى لأنني شعرت أنه ليس على ما يُرام، لأجد روحه قد فارقته، وقع قلبي في قدماي وشعرت كأنما الدنيا تدور بي، لقد مات ميتة غريبة كما قال كُل من رآه، جسده أزرق كأن الدماء قد سُحبت من جسده، تخرج يرقات حيّة مِن فمه وبمجرد خروجها تموت، عينيه جاحظتين وتكاد عينيه اليُمنى الخروج من تجويفها، لم أنس الفزع الذي كان على وجهه، حاولت الأخذ بثأره والقضاء عليها لكنني لم أراها مُنذ أخر مرة رأيت بها جثة زوجي، لم أتوقف عن سماع تلك الأصوات المُخيفة في الأرجاء، وفي يوم من الأيام استيقظت على صوت زوجي يُناديني، فبدأت أبحث عن مصدر الصوت لأجد زوجي يخرج مِن الحمام وهو يسألني عن الطعام، من الصدمة لم أستطع التفوه بأي كلمة وسقطت مُغشيّة عليّ، حتى شعرت بشيء يتسلق على جسدي ففتحت عيني وجدت والدتي تضع على جسدي مياه مقروء عليها قرآن، سألتها عن السبب فقالت لي أنها وجدتني مُلقاه على الأرض وجسدي يرتعش ولم اهدأ إلا عندما بدأت في تلاوة القرآن عليّ، مرت الأيام على هذا الحال، أرى زوجي يخرج كُل يوم من الحمام، حتى توقف فجأة ولا أدري ماذا حدث، لكنني أخيرًا قد هدأت.
لقد أخذت زوجي مِني على الرغم من أنه قرر الزواج مِنها، لا أعلم السبب لكن يبدو لأنه قد تأخر في رميّ الطلاق عليّ فغضبت منه، الجميع يقول أن بطشها شديد كما أنها لا ترحم أحد، لا أُصدق حتى الآن أنه قد أمن لجنية لا عهد لها، وتخلى عني بسببها، لا يُمكنني القول الآن سوى رحمه الله.

***
- هل تكتفي بتلك الاعترافات؟
نظرتُ له بعدم نفاذ صبر وتنهدت قائلًا: هل كل ما يحدث لي بسبب أنثى الجاثوم تلك؟ الهلاوس والخرافات التي أراها كل يوم بسببها؟
- أظن أن عدم إيمانك بوجودها هو ما يدفعها إلى اصطيادك بهذا الإصرار.
دخلت في نوبة ضحك على كلام ذاك الشاب الأحمق، فهل لو آمنت بتلك الخزعبلات سأكتفي من شرها؟، شكرته على اللا شيء وتركته وذهبت، كان من الخطأ أن آتي إلى شاب إن كُنت قد تزوجت سأُنجب مَن هو في نفس عمره، عُدت إلى المنزل وبدأت أتصفح الإنترنت لعليّ أجد تفسير مناسب، فوقعت عينايّ على موقع يتحدث عن الفلكلور الشعبي لأجد مقالات كثيرة عن ناحيمه تلك، والمواقف المكتوبة مُشابهة لِمَ حدث لإبراهيم وسُليمان وزوج عايدة كما أخبرني ذاك الشاب، قررت المُشاركة أنا أيضًا وبدأت في كتابة ما يحدُث لي، ذهبت لإعداد كوب من اللبن وعُدت لأبدأ في سرد ما حدث لي منذ البداية: 
- أنا أدعى قاسِم، لا أؤمن بتلك الأشياء التي تكتبونها هنا لكنني أحتاج إلى تفسير أستطيع الأخذ به، بالصدفة وجدت هذا الموقع وأتمنى ألا تُخبرونني عن أنثى الجاثوم تلك أو ناحيمه.
لقد أتيت إلى مدينة تُدعى مدينة اليقظة، هُناك أشياء تستهدف رجالها لدرجة أنهم لا ينامون أكثر من ربع ساعة في اليوم، أُرى أن عدم نومهم هو ما يُسبب لهم تلك الحالة من الاضطرابات والأوهام، لكنهم يقولون أنهم يأتيهم الجاثوم ليمنعهم عن النوم، وبالأخص تأتيهم ناحيمه لتبدأ في نشر بطشها عليهم، أتيت إلى المدينة رغبة في اكتشاف الذي يحدث بها فوجدت أن سُكانها قد آمنوا بالتخاريف حتى أصبحت جزء مِنهم، وما لبثت ليلتان حتى بات ما يحدث لهم يحدث لي، الشلل عند النوم وسماع أصوات غريبة وعدم قُدرتي على النوم بشكل جيد، أرى كائنات غريبة تتحرك في غرفتي يُحدقون بي، وفي مرة من المرات قد رأيت كائن منهم يقتل أحدهم، وفوق هذا الكثير مِن الكوابيس المُزعجة والدماء التي أراها كل يوم، تركت المدينة لأنني رغبت في النوم ولو لدقائق دون أن أستيقظ على هذه الأشياء التي تجعل قلبي يتوقف فزعًا، فلم تتوقف الكائنات عن الظهور، ما زال كُل شيء يحدث كما في السابق ولم يتغير شيء سوى مكان نومي، علمت حينها أن المعضلة ليست في المدينة بل في الأشخاص نفسهم، والآن أنا لا أعلم ما الذي يحدث لي، أرجح أنني أُصِبت باضطرابات مثلهم، لكن لا يوجد مريض نفسيّ يعترف بمرضه دون طبيب.
توقفت عن الكتابة وأرسلت المدونة، سمعت صوت خطوات أقدام فنظرت خلفي، وجدتها نائمة على فِراشي وتطلب مِني القدوم نحوها، إنها تلك الفتاة فائقة الجمال التي كانت تظهر في أحلامي مؤخرًا، تطلب مِني الزواج منها فلم أكُن أُجيب عليها لا بالرفض أو الموافقة، لن أتفوه باسمها، هي ليست...ليست.. ناحيمه!
لقد فُتِنت بجمالها، لدقائق ولأيام ولسنين، لقد آمنت بوجودها في تلك المرة، لا أعلم متى ستغدر بي وأين، لكنني أشعر بأنني أُحبها، وكأنني لا أرى سواها في هذه الحياة، وكأنها شقت صدري فأمسكت قلبي وجعلته ينبض، بات شاكرًا لها على ما فعلته.

***
مُلاحظة: أختفى قاسِم لأسبوع كامل، بعدما قلقت عائلته عليه أتصلت بالشرطة وتم العثور على جثته مُتخشبة في حمام منزله، لم يتم توضيح سبب الوفاة، ومع البحث تم العثور على مدونته على الإنترنت، وبعض الأوراق التي كتب فيها عن أرقه وخوفه مِن تلك العجوز التي تحاول خنقه كل ليلة، وبأنه قد تزوج مِنها بعدما أُغرم بها.
القصص حقيقية وحدثت بالفِعل، المدينة وأسماء الشخصيات مِن وحي خيال الكاتب. -أنا- 
 إن الأساطير تكمن في ثناياها قصص حقيقية.
***

تمت بحمد الله
      

التصنيفات:
تعديل المشاركة
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

Back to top button