وصف المدون

إعلان الرئيسية

أحدث الروايات


چينار 

 "بعض الحقائق لا يُمكنك تخيُّلها عن ظهر قلب، بل لا يمكنك تخيلها في كل الأحوال"



عَلَّك صادفت الكثير من الأشياء التي يُمكن تصنيفها ضِمن أكثر الأشياء غرابةً في العالم لكنها لم تشغل خاطرك ومررت بجانبها كأيّ عابر سبيلٍ كُلِّ ما يشغله إحضار قوت يومه، مالا تعرفه أنت أنك بفعلتك هذه أصبح يمكنني تصنيفك ضِمن أكثر الأشياء غرابةً في العالم على الأقل بالنسبة لأيّ مخلوقٍ آخر غير بشريّ؛ فكيف لك أن تعبر عبر آثار ومِيضِ نارٍ ولا تسأل عن سبب اشتعال النيران، تكتفِ بكفِّ بصرك عن كل ما يطلب منك القليل من الجُهد ولو كان فيه نفع وتفعل نقيض ذلك في أمورٍ لا تُذكر.
_برأيك كيف يُقتل طفل أثناء نومه حِذاء أمه دون أن يدخل أحد الغرفة ودون أن تستيقظ الأم؟ جريمة غير مكتملة الأركان لعدم وجود الفاعل أثارت الجدل، تُرى كيف ستكون الأقوال التي سيُدلَى بها في التحقيقات، بل من سيُدلِي من الأساس؟
 أنا "شينسو" فتاة شابة كائنة بالعاصمة المنغولية "أولان باتور" تخرجتُ حديثًا من الجامعة الوطنية المنغولية للعلوم الطبية، كلية الطب، وتخصصتُ في قسم "إعادة التأهيل والعلاج" لتشابهه الكبير مع كلية العلاج الطبيعي التي لطالما كنت أأمل أن أدرس فيها لكن ظروفٍ ما منعتني من ذلك.
وبشهادة جميع الأساتذة الجامعيين خاصة، أشادوا أنِّي كنت من أكثر الطلبة تفوقًا واجتهادًا؛ لذا كان من الممكن تعييني فور تخرجي بأقل جُهد، وبالفعل لم يمضي الكثير من الوقت على تخرجي حتى أرسل إليَّ فريق عمل مُستشفى "انترمد" أحد أكبر مستشفيات منغوليا للعمل معهم.
لم يكن إرسالهم لِي بالأمر الجلل، ولكن كان عرضهم لا يفوته عاقل؛ فكان يجدر بِي أن أوافق لذلك انتقلت إلى مدينة "إردينت" لأكون أكثر قُربًا من عملي.
"حينما تودُّ العُلُو بمنصبك، لا يُمكنك العمل بنصف قلبٍ؛ لذا أفرغ كل ما في قلبك ومن في قلبك واتركه جانبًا، فالعمل لا يُجدر به أن يُقرن بالشفقة وإلا لن يُصبح عملًا"
مرت ثلاث سنواتٍ على عملي بهذه السياسة في المشفى وقد صنعتُ لنفسي اسمًا يُضاهي اسم أطباءٍ عاملين في نفس مجالي عشرات السنوات، عالجت العديد من الحالات الميئوس منها، حتى جاءت حالة لم تعهدها المستشفى في تاريخها فنسبوها إلي.
_أليس يوجد أطباء أجدر مني لمعالجة هذه الحالة، دكتور جاك؟
_لقد اجتمعنا بيننا وأجمعنا أنها حالتك، ولن يستطيع أحد معالجتها سواكِ.
_حسنًا، سأفعل ما بوسعي، لكن لا يُمكنني تغيير القدر.
كانت هذه الحالة فريدة من نوعها لأقصى درجة، فقد كانت أشبه بقوةٍ خارقة أكثر من كونها إصابة، كنت أشعر بثقلها عليَّ خاصةً أنني لست من ذوي الخبرة الفائقة لأستطيع معالجتها من تلقاء نفسي، والأحق أنها فعلًا قوة خارقة لكن هيهات من يُصدق!
_كيف حدث لك هذا يا سَلمان؟
_بالطبع لن تصدقيني كما فعل الآلاف قبلك، لكن أعتقد أني ولدت هكذا، ساقي اليُمنى لا تتحرك إلا بتحريك اليُسرى وإذا حاولت تحريكها بيدي تحركت معها جميع العظام وشعرت بها عظمة عظمة، كذلك نصف صدري الأيمن ذا تركيبٍ صلبٍ معدني، يُطرق عليه بمطرقة ولا أشعر حتى أن اصبع طفلٍ ناعم يتحرك عليه، رغم رعشة يدي المستمرة ورغم أنني أُمِّيّ أستطيع الكتابة كمن درس الخطوط عدة أعوام، جميع الأطباء الذين ذهبت لهم قبلك ادَّعَوا أنني كُنت أتسلط عليهم في الليل بأساليبٍ عنيفة رغم أني لا أذكر أنني أقوم بشيءٍ بعد التاسعة مساءً سوى التوجه لفراشي ومن ثم الخلود في النوم.
" ممَّ يريد أن يتعالج، حسب دراساتي لا يوجد مرض كهذا، أيمكن أن تكون قوة داخلية خارقة؟ "
_حسنًا يا سلمان، نلتقي في الجلسة القادمة لنتحدث عن ما سنفعله وعن طرق العلاج الممكنة.
أنهيت عملي وفور دخولي البيت وجدت إشعارًا برسالة أتت من رقمٍ مجهول، فتحتها وإذ بها تنص " صدقيني ولا تفعلي مثلما فعل غيرك، وأعدك أنني سأكون ملاكك الحارس، ولكن إن رفضتي مساعدتي فسامحيني لا أستطيع أن أمنع عنكِ ما بداخلي، سلمان"، تشكلت العديد من التساؤلات داخل رأسي ولم يطمئن قلبي لأمره، فبادرت الاتصال ب" جوليا " مساعدتي الخاصة وأخبرتها أنني لن أستطيع أخذ حالة سَلمان.
مر يومان بعد هذا الحدث بشكلٍ تقليديّ وبعدها بدأت الكوارث تتوالى فوق رأسي فطلبت إذنًا بأجازة لبضعة أيام، لم يمضي الكثير حتى جاء دكتور "جاك" ليعرف ما بِي وصارحني بإعجابه الشديد بِي منذ أول يومٍ بدأت فيه العمل معهم.
_كيف ومتى حدث هذا، معاملتك لِي دومًا كانت كزميلة ولم تزد عن حدها ولو لمرة، هل أكننت مشاعرك داخلك بشكلٍ تامٍ حقًّا؟ ألا يظهر على المرء مشاعره بأي شكلٍ من الأشكال؟
_لم أرى نفسي مُؤهلًا لكي أكون شيئًا جانبك لذلك انتظرت كل هذا الوقت لكن صبري قد فرغ، هلا نتزوج؟
"لم أكن مثل بقية الفتيات التي تحلم بالفارس ذا الحصان الأبيض، كان كل همِّي حينها شخص ينتشلني من ثنايا تفكيري المميتة لي بالبطيء؛ لذا وافقت، وبالفعل تزوجنا في أقصر فترة، ثم استيقظت اليوم التالي من زواجنا فلم أجده بجواري، ارتديت وذهبت للمستشفى علَّه بادر بالذهاب فلم أجده، انتهى اليوم قبل عودته، سألت عنه جميع من في المستشفى وجميعهم أكدوا لِي نفس الشيء وهو أنه لا يوجد في المستشفى دكتور يُدعى جاك ولا يوجد شخص كهذا من الأساس، تذكرت أنه من جلب لِي حالة سَلمان الذي رفضت مساعدته؛ فأسرعت لأرى كشوفات المستشفى لتكن الصَّاعقة الكبرى عليّ، لا يوجد مريض يُدعى سَلمان أيضًا! فحصت كاميرات المراقبة الخاصة بالمستشفى لأجدني فيها كنت أتحدث مع نفسي أثناء محادثتي لهم، حتى مكالمتي مع جوليا بشأن سَلمان كانت غير موجودة في أي من هواتفنا، الأمر مُريب جدًا، ولأن الصواعق لا تأتي فُرادى تبيَّن في اليوم ذاته أنني حامل بطفل، حتى كنت على وشك أن أجن..
حاولت التعايش مع هذا الوضع حتى أنجبت "چينار" وعهدت أنني سأفني كامل حياتي له، وسأصدق مالا يُصدقه أحد، وأؤمن بأن هذه مُعجزة حدثت لِي ولو لم أكن أؤمن من قبل بالمعجزات، حتى في يومٍ من الأيام استيقظت على مكالمة هاتفية من جاك، نعم كان هو فأنا أعرف صوته أكثر مما أعرفني حتى..
_جااااك؟
_نعم، هل أنتِ بخير؟
_كل الأمورِ على ما يُرام عدا...
_عدا؟
_چينار!! إنه غارقٌ بدمائه!!!
انقطع الاتصال وأنا مازلت غير مُدركة ما حدث، حتى طُرق الباب وكانت "جوليا " مساعدتي قد أتت للاطمئنان عليّ، لكن حين رؤيتها چينار ورؤيتي بهذه الحالة أخذت تصرخ بوجهي قائلة: لقد قتلتيه! قتلتي طفلك!!! أنتِ من قتلتيه، أنتِ مجنونة بالفعل كما قِيل عنكِ.
لم أشعر بنفسي بعدها إلا وأنا يُحقق معِي بقتل طفلي الذي لم أستوعب خبر قتله بعد! أدليت بما حدث ولكن حتى مكالمة جاك لِي اتضح أنها غير موجوده في سجل المكالمات ولا يوجد أي طرف خيطٍ يُثبت برائتي، فلم يدخل أحد الغرفة ولم أشعر حتى كيف قُتل.
أحضروا لِي طبيبة نفسية تُدعى "بيلين" لكي أعترف أني اقترفت ذنبٍ لا أعرف حتى كيف حدث هو!
_صدقيني يمكنني مساعدتك في حين قولك الحقيقة، سنقول أنكِ لم تكوني في وعيك وستقضي في المصحة القليل من الوقت ثم تعودين لحياتك الطبيعية.
_ حقيقة ماذا! لم أفعل! أنا لم أفعل أي شيء!!!
لعلَّك لا تستطيع حتى تخيل أن حياة الإنسان قد تنقلب رأسًا على عقبٍ إثر ليلة واحدة، لكنها الحقائق التي لا يُمكن معرفتها عن ظهر غيبٍ، إنها حقيقتي وحقيقتك وحقيقة كل من يعيشون في مستنقع الكذب يرفضون تصديق الواقع، إنها الحقائق ولو أبيْت.
أخذت التحقيقات مجراها حتى قُضيَ الأمر أن يُقام تحليل DNA لچينار لمعرفة ابن مَن هُو! ومن ثم تظهر نتائج التحاليل، ليتضح أن ما توارى أكثر مما كُشِف، حيث أثبتت التحاليل مالم يخطر على قلب بشرٍ قط، حيث اتَّضح أن نصف عدد كروموسومات الطفل عائدٌ للأم أما النصف الآخر فهو عائد لجزء غير بشريّ!
_ غريبة هذه الحياة، من أنا بالأمس ومن أنا اليوم! قبل عِدَّة أشهرٍ كانت طموحاتي تقتصر على الإستيقاظ مُبكرًا لتناول طعام الفطور الذي لطالما غفلت عنه قبل الذهاب للعمل، واحتساء القهوة مع الاستمتاع بجوِّ الصباح المثاليّ من شُرفة المنزل المُطلَّة على مجتمعٍ من الأشجار، لم أحظى حتى ببعض الوقت للتعرف على أنواعها، أصبح الآن كل ما يشغلني هو الإستيقاظ فقط، الإستيقاظ وكأن شيئًا لم يكن، غريبةٌ هذه الهاوية التي كنت أعلى قمتها دومًا وجهلت كيف سيكون الوضع عندما أهبط للقاع.
_هل تؤمن بوجود الجِن وتنقله من العالم الموازي لعالمنا الإفتراضي؟
 عَلَّك رُوِيَ على مسامعك قصصٌ عِدة عن أشياءٍ كهذه لكنك لم تُعاصرها فلم تلتفت لها وأدرجتها في مخيلتك تحت مسمى "تراهات لا وجود لها"، نعم هذه تمامًا كانت وجهة نظر الأشخاص الذين مروا بمثل هذه التجارب قبل أن يمرُّوا بها.
تناقلت الصُّحف أنباء القضية خطوة بخطوة، وعندما عجز الجميع عن إيجاد الفاعل الغير موجود، تُرِك حل هذه القضية لمن يستطيع حلَّها من عامّة الشعب مع صرف منصبٍ يُعتبر لَه، تسابق الجميع في الإجتهاد ولم يستطع أحد التوصل حتى كادت القضية أن تُغلق.
بعد عِدَّة أشهر تلقى مركز الشُرطة مكالمة هاتفية من رقمٍ مجهول الهوية، لم يستطعيوا التوصل إليه ثانياً بعدما أُغلق الخط لكنه أدلى بجميع الحقائق!
نصت مكالمته على أحجية أعمق من القضية نفسها أكثر من كونها حلًّا للقضية؛ فقد قال نصًّا: "مرحبًا أنا دكتور جاك الذي لم يعهد وجوده أحدٌ غير شينسو، وأنا سَلمان مريضها الخَفيّ، أنا الشخصان، وأنا والد الطفل لكنني روحٌ بلا جسد، فكان من الطبيعي أن يحمل چينار نصف صفاتي الوِراثية فيصبح جزءًا منه في عالمكم الإفتراضي، والجزء الآخر في عالمنا الموازي، لم أُرِد التسبب في مزيدٍ من الأذى لشينسو لذا أمرته أن يتخلص من نصفه البشري لينتقل تمامًا معنا إلى حيث ننتمي.."
أُغلِق الخط وتم محو الرقم من سجل المكالمات وأُغلقت القضية مع إخلاء سبيل شينسو إعتمادًا على أقوالِ المكالمة التي اعتبرها البعض وهمية لا صِحَّة لها من الأساس، مع رغبة المحقق في إمضاء بعض الوقت بمستشفى الأمراض النفسية والعقلية.
***
ملحوظة: هذه القصة لا تمت للواقع بصلة، إنما هي من وحي خيال الكاتب.
***
تمت بحمد الله

التصنيفات:
تعديل المشاركة
3 تعليقات
إرسال تعليق
  1. أجمد الجامدين 💜💜

    ردحذف
  2. أجمد الجامدين يا ست زهر 💜💜😌

    ردحذف
  3. طبعا اشكرك علئ هاذه التحفه الفنيه منتضرين الجزء الثاني

    ردحذف

Back to top button